"شـمال غـزة يـمـوت جـوعـاً" | د. ماهر الشريف *

2024-06-24

انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، في الأيام الأخيرة، هاشتاغ "شمال غزة يموت جوعاً"، وذلك للتحذير من تداعيات مظاهر المجاعة التي يواجهها سكان هذا الجزء من قطاع غزة، الذين يقدّر عددهم بنحو 300000 من الفلسطينيين والفلسطينيات.

سكان قطاع غزة على حافة المجاعة

تحذر منظمات الإغاثة الدولية منذ فترة من أن سكان قطاع غزة على حافة المجاعة بسبب عدم قدرتهم على استلام الإمدادات الإنسانية، وخصوصاً بعد أن احتلت إسرائيل معبر رفح وأغلقته، وهو نقطة الدخول الرئيسية لشاحنات المساعدات.

فبحسب مديرة الاتصالات في وكالة الأونروا، جولييت توما، يحتاج سكان قطاع غزة البالغ عددهم 2.3 مليون نسمة إلى 500 شاحنة مساعدات على الأقل يومياً. ونظراً إلى عدم وصول هذا العدد من الشاحنات، فإن هذا يعني، وفقاً لمنظمة ActionAid UK الخيرية، وهي إحدى المنظمات المستقلة العديدة التي تقدم المساعدات في قطاع غزة، ما يلي:

يعاني جميع سكان القطاع، أي 2.3 مليون نسمة، اليوم من حالة انعدام الأمن الغذائي.

يعاني 346 ألف طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية.

يعاني 50400 طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد.

تحتاج 160,000 امرأة حامل ومرضعة إلى تغذية إضافية لتجنب سوء التغذية[1].

من الصحيح أن شاحنات المساعدات صارت تمر عبر معبر كرم أبو سالم، بعد إغلاق معبر رفح، ولكن بصورة أقل بكثير، إذ تقول وكالة الأونروا إنه بسبب المخاوف الأمنية المتزايدة، كان معدل مرور الشاحنات اليومي عبر هذا المعبر، في الفترة ما بين 1 و28 أيار/مايو الفائت، 53 شاحنة فقط، وفي كثير من الأحيان، لم يُسمح لأي من شاحناتها بالمرور. وتبقى الشاحنات المليئة بالمساعدات المنقذة للحياة عالقة على الجانب الآخر من الحدود. أما الرصيف العائم الذي بناه الجيش الأميركي جنوب مدينة غزة، لتوصيل المساعدات عن طريق البحر، وتم افتتاحه في 17 أيار/مايو الفائت، فقد كان من المفترض أن تقوم نحو 90 شاحنة يومياً بتوصيل المساعدات عبره، لكنه انهار، في 28 من الشهر نفسه، بسبب أمواج البحر الهائجة، مما أدى إلى خروجه عن الخدمة. وكان لا بد من نقل أجزاء من الرصيف إلى ميناء أشدود الإسرائيلي لإصلاحها[2].

من ناحية أخرى، دق تقرير نشرته "شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة" (FEWS) التي ترصد انعدام الأمن الغذائي في العالم، في5  حزيران/يونيو الجاري، ناقوس الخطر من حدوث المجاعة في قطاع غزة.

ووفقاً للمعايير التي يوردها التقرير، تحدث مجاعة عندما يعاني 20% من السكان من الجوع، ويعاني 30% على الأقل من الأطفال من فقدان الوزن، وعندما يموت شخصان بالغان أو أربعة أطفال من بين كل 10000 شخص كل يوم بسبب الجوع ومضاعفاته. وتعرّف "لجنة الإنقاذ الدولية" (IRC) المجاعة بأنها نقص حاد في الغذاء واسع النطاق يؤدي إلى سوء التغذية والمجاعة والموت[3]. وبينما تقول "شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة" إنها غير قادرة على تحديد عدد الوفيات الناجمة فعلياً عن المجاعة في قطاع غزة، أفاد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان بأن السلطات الصحية في قطاع غزة سجلت رسمياً 30 حالة وفاة مرتبطة بالمجاعة منذ بدء الهجوم الإسرائيلي على رفح في 6 أيار/مايو الفائت، ودعا المرصد الأمم المتحدة والهيئات المعنية الأخرى إلى "إعلان المجاعة رسمياً في قطاع غزة"[4]. 

الوضع مأساوي بصورة خاصة في شمال القطاع

بات الوضع في شمال قطاع غزة مأساوياً بصورة خاصة؛ ففي هذه المنطقة من القطاع، لا يتم تسليم المساعدات الإنسانية إلا بصعوبة، مما يغرق السكان، وفقاً لأدلة موثوقة، في حالة مجاعة. وتشير التقديرات إلى أن 70٪ من سكان هذه المنطقة يواجهون حالة مجاعة. فإسرائيل تمنع الوصول إلى شمال غزة بصورة كاملة، ويتم رفض العديد من المهام الإنسانية بصورة تعسفية، كما يتم أحياناً اعتقال عمال الإغاثة عند نقاط التفتيش العسكرية. ومن ناحية أخرى، أصبحت عمليات توزيع الأغذية أقل تنوعاً وأقل تغذية.

وهذا ما حدث لبرامج المساعدات في الشمال التي تشرف عليها منظمة "العمل ضد الجوع" العالمية والتي تقول: "مع أن غزة على شفا المجاعة، فلا يزال دخول السلع ووصول المساعدات الإنسانية محدوداً للغاية؛ ففي الفترة ما بين 1 و20 أيار/مايو الفائت، قامت السلطات الإسرائيلية بتسهيل 50% فقط من مهمات المساعدات الإنسانية في جنوب غزة و37% من المهمات في شمال غزة".

وتضيف: "لم يعد بإمكاننا توزيع اللحوم، ولا توزيع البيض، كما لم نتمكن من توزيع الخبز لعدة أسابيع؛ لذلك قمنا بتوزيع الأطعمة مثل الزيتون والطماطم المعلبة والزعتر، لكن هذه المنتجات ليست كافية لمكافحة سوء التغذية؛ لقد حاولنا إحياء نشاط المجتمعات الزراعية المحلية، لكن معظم الأراضي متدهورة أو مدمرة، ولا يستطيع المزارعون زراعة الفواكه والخضروات الطازجة في قطع الأراضي التي توجد بها الكثير من مخلفات الحرب". وتخلص إلى أنه "إذا تم إعلان المجاعة، فسيكون الأوان قد فات بالفعل، ذلك إن انتظار إعلان المجاعة يعني أن الناس قد ماتوا بالفعل وسيستمر المزيد من الموت"[5].

وبحسب مقال نشرته صحيفة "لوموند" الباريسية، في 6 نيسان/أبريل 2024، تحت عنوان: "شمال غزة، المحاصر من جانب الجيش الإسرائيلي، يغرق في المجاعة"، أشير إلى أنه "منذ كانون الثاني/يناير 2024، يضطر سكان الشمال إلى العيش بمتوسط ​​245 سعرة حرارية في اليوم، بينما تواصل القوات الإسرائيلية هجومها العسكري"، ويمثل هذا الرقم الصغير "أقل بـ 12% من الاستهلاك اليومي الموصى به وهو 2100 سعرة حرارية للشخص الواحد"[6].

شهادات من شمال القطاع

أورد موقع ( Agencemediapalestine.fr ) في تحقيق نشره، في 20 حزيران/يونيو الجاري، وقائع عن الأوضاع المأساوية في شمال قطاع غزة، وشهادات لبعض من يعانون من هذه الأوضاع، فأشار إلى أنه "عندما يحاول سعيد درويش، البالغ من العمر 10 أشهر، البكاء، فإنه لم يعد قادراً على إصدار صوت، وتشهد عيناه الغائرتان وبشرته الشاحبة على معدته الفارغة المؤلمة؛ فهو بالكاد يأكل منذ أسابيع. ومع مواجهة شمال قطاع غزة مرة أخرى نقصاً حاداً في الغذاء والماء والحليب الصناعي بسبب الحصار الإسرائيلي المستمر والقصف العسكري، فإن سعيد هو واحد من العديد من الأطفال الفلسطينيين الذين تضيع أجسادهم تحت تأثير المجاعة".

ويقول الأطباء في مستشفى كمال عدوان في بلدة بيت لاهيا "إن سعيد يعاني من تعب شديد وهزال وفقر الدم"، ويجلس والده خليل بجانب سريره، ينتظر بفارغ الصبر تحسن حالة سعيد، يمزق قلبه الألم والعجز لعدم قدرته على تخفيف مصاب ابنه، وقال خليل لـمجلة "+972" الرقمية: "طفلي يستيقظ كل ليلة وهو يبكي من شدة الجوع، لكن لا أجد ما أطعمه؛ لا أستطيع أن أحضر له سوى قطع من الخبز - وحتى هذا أصبح نادراً". ويخشى خليل أن يضاف سعيد إلى قائمة أكثر من 30 طفلاً فلسطينياً في غزة توفوا بسبب سوء التغذية والجفاف في الأشهر الأخيرة. وفي مستشفى كمال عدوان وحده، يتلقى حالياً 50 طفلاً العلاج من سوء التغذية الحاد.

ويوضح خليل أنه في الشمال، "لا يوجد أرز ولا خضار ولا طحين، وإذا كان أي من هذه المنتجات متاحاً [في السوق]، فسيكون السعر جنونياً، وغالبية السكان لا يستطيعون تحمل تكاليفها، ومما زاد الطين بلة أن والدة سعيد أصيبت أثناء الاجتياح الإسرائيلي الأخير لجباليا ولم تعد قادرة على الرضاعة الطبيعية".

ويتابع التحقيق أنه "على سرير آخر، بالقرب من سعيد، يجلس محمود صافي البالغ من العمر 18 شهراً، والذي يعاني من فقر الدم بسبب سوء التغذية"، وينقل عن مصطفى، والد محمود، قوله: "المرض ينهك جسد طفلي الصغير بلا رحمة، ولا أعرف كيف أتعامل مع بكائه". ومحمود ليس الطفل الوحيد في عائلته الذي أصيب بالمرض، إذ "أصيب اثنان من إخوته الثلاثة بالتهاب الكبد الوبائي (أ) بعد شرب مياه ملوثة"؛ ويتساءل مصطفى: "ما هو ذنب الأطفال في هذه الحرب، أنهم ينامون ويستيقظون جائعين!"، ويتابع قائلاً: "لقد مرت أشهر منذ أن حصلنا على الخضار أو مياه الشرب أو الدقيق؛ في شباط/فبراير، أُجبرنا على تناول طعام الحيوانات وأوراق الشجر، ونتمنى ألا نعود إلى هذه النقطة".

أما عائلة أحمد عبيد، من حي تل الزعتر في جباليا، فهي من بين أولئك الذين "اضطروا إلى أكل العشب وأوراق الشجر في الأشهر الأخيرة من أجل البقاء على قيد الحياة، وقد حُرموا الآن من الطعام لمدة أربعة أيام وبدأت تظهر على وجوههم علامات الإرهاق"؛ ويقول أحمد عبيد للمجلة الرقمية نفسها: "أنا وعائلتي على قيد الحياة، لكننا لسنا بخير"، وهو يصطحب حالياً طفليه خليل (3 أعوام) وجهاد (5 أعوام) إلى مستشفى كمال عدوان يومياً لتلقي العلاج من فقر الدم الحاد؛ وقال: "الجوع يدمرني ويدمر أطفالي، والوضع يزداد سوءاً كل يوم".

وفي مخيم جباليا للاجئين، أصبحت الأسواق خالية تقريباً من المواد الغذائية والسلع الأخرى. وقال إسماعيل الحاسي (37 عاماً) من سكان المخيم لـمجلة "+972"، الذي تعاني ابنته، نور، البالغة من العمر سنة واحدة، من مشاكل في الجهاز الهضمي منذ ولادتها: "نحن نأكل وجبة واحدة فقط في اليوم، أحياناً نحرم أنفسنا من الخبز لكي نحتفظ به للأيام القادمة؛ وعندما تكون الخضروات متاحة، يصبح من الصعب الوصول إليها بصورة متزايدة"، إذ "يبلغ سعر كيلو البصل الآن 350 شيكلاً (أكثر من 90 دولاراً)، بينما يصل سعر الفلفل إلى 560 شيكل (150 دولاراً)، أما الخضراوات الأخرى فقد اختفت تماماً من الأسواق، وتباع السلع المعلبة بما يقارب 20 ضعف سعرها الأصلي، وهو أمر لا يمكن لغالبية السكان تحمله"[7].        

كيف تعرقل إسرائيل وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة؟

في تقرير مؤرخ في 3 حزيران/يونيو الجاري، عدّد الفرع الفرنسي لمنظمة "أوكسفام" عدداً من الإجراءات التي تلجأ إليها إسرائيل لعرقلة وصول المساعدات إلى سكان قطاع غزة، وهي:

أولاً- فرض حصار عسكري شامل يشكل عقاباً جماعياً.

تسيطر إسرائيل على جميع المداخل البحرية والجوية والبرية، ولم تفتح سوى معبرين لإيصال المساعدات الإنسانية لكنهما لا يعملان بكامل طاقتهما.

ثانياً- عملية تفتيش غير مبررة وغير فاعلة للمساعدات.

في المتوسط، يتعين على الشاحنة أن تنتظر 20 يوماً قبل أن تتمكن من الوصول إلى غزة!

ثالثاً- الرفض التعسفي للسلع "ذات الاستخدام المزدوج".

تحظر إسرائيل بعض السلع بذريعة أنها قد تستخدم لأغراض عسكرية. وتظل قائمة العناصر المحظورة هذه مبهمة، إذ قد تتم الموافقة على أحد العناصر في يوم ما ورفضه في اليوم التالي.

رابعاً- التدمير.

دمرت شدة الهجوم الإسرائيلي معظم معدات الطاقة والمياه والنظافة والصرف الصحي، بينما تظل البنية التحتية التي لا تزال عاملة غير كافية لتلبية احتياجات 2.3 مليون من سكان قطاع غزة.

خامساً- الهجمات على عمال الإغاثة.

قُتل 364 من العاملين في المجال الصحي، و165 من العاملين في المجال الإنساني التابعين للأمم المتحدة، و8 من العاملين في المجال الإنساني التابعين للمنظمات غير الحكومية. وتتجاهل إسرائيل الإخطارات الواردة من الجهات الفاعلة الإنسانية، مما يجعل العمليات في غاية الخطورة.

سادساً- عدم وجود مكان آمن.

لا يوجد مكان آمن في غزة، بينما لا يمكن تسليم المساعدات إلا بأمان. وقد أصدرت إسرائيل عدة أوامر بالتنقل للسكان في ما يسمى بالأماكن "الآمنة"، لكن لم يثبت أن أياً منها آمن.

سابعاً- رفض المهمات الإنسانية.

تمنع إسرائيل الوصول إلى شمال غزة، ويتم رفض العديد من المهمات الإنسانية بصورة تعسفية، ويتم اعتقال عمال الإغاثة عند نقاط التفتيش العسكرية.

ويخلص التقرير إلى أن وقف إطلاق النار الفوري والدائم هو وحده الذي "يمكن أن يسمح لسكان غزة بالهروب من انعدام الأمن الغذائي على المدى الطويل والتطلع إلى المستقبل براحة البال"، مؤكداً أن "لصناع القرار لدينا دوراً في هذا الصدد، لأن حكوماتنا لديها مسؤولية في الوضع الحالي، ويمكن لفرنسا أن تضغط على الحكومة الإسرائيلية لإجبارها على وقف المذبحة التي ترتكبها في غزة"[8].                     

نائب المديرة التنفيذية لـ "برنامج الأغذية العالمي" يحذر

قال نائب المديرة التنفيذية لـ"برنامج الأغذية العالمي" ومسؤول العمليات فيه، كارل سكاو، يوم الجمعة في 14 حزيران/يونيو الجاري، في ختام مهمة استمرت يومين في قطاع غزة، إن تصاعد القتال في جنوب قطاع غزة ووسطه "يجعل من المستحيل تقريباً على العاملين في المجال الإنساني تقديم المساعدات الغذائية للسكان التي هم في أمس الحاجة إليها".

وأضاف: "عند المرور عبر مدينة غزة إلى جباليا، فإن الدمار لا يصدق؛ وفي شمال غزة، لم أر أي مبنى سليماً، وكان هناك قصف مستمر بطائرات من دون طيار تحلق في سماء المنطقة". ويتابع: "الناس مصدومون ومرهقون؛ أخبرتني امرأة فقدت زوجها أن هذه الحرب مستمرة منذ 250 يوماً، لكنها شعرت أنها مرت 250 عاماً عليها"[9].    

* باحث ومؤرخ - مؤسسة الدراسات الفلسطينية – بيروت.