كيف أصبحت الصهيونية الدينية قوة سياسية رئيسية؟ | د. ماهر الشريف *

2024-06-20

لقد أكملت الصهيونية غير الدينية مهمتها التاريخية.

هذا ما يعتقده حاخامات الصهيونية الدينية، كما يؤكد يائير نيهوراي، المحامي في مجال حقوق الإنسان والمختص في فلسفة الصهيونية الدينية، في محاضرة مصوّرة قدمها في 21 شباط/فبراير 2024، ونقلت نصها سيلفي ليدجي، ونشره موقع حركة "السلام الآن" في 13 آذار/مارس 2024.

يعرض يائير نيهوراي في محاضرته مقطع فيديو للحاخام باروخ سلاي (Slai)، وهو يرتدي زي ضابط في الجيش الإسرائيلي، ويخطب في حشد من الجنود كي يجعلهم يدركون "أن الخلاص هو وظيفة إلهية، وأن الله يعطينا الثواب والجزاء، ويعاقبنا على أخطائنا"، مقدّراً أن "الكارثة" التي وقعت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 هي "أمر طبيعي"، لأننا "قمنا بخيانة عملية الخلاص"، وهي الحجة نفسها التي "استخدمها بعض الحاخامات في الماضي فيما يتعلق بالمحرقة". وعليه، فإن الحرب على قطاع غزة "تهدف إلى تقريبنا من زمن الخلاص"، لكن "التكنولوجيا العالية، والحياة المفعمة بالحيوية في تل أبيب، والنسوية، والمساواة، وحقوق الأقليات، وخصوصاً المثليين جنسياً، والمحكمة العليا وغيرها الكثير، هي عقبات أمام مجيء المشيح"، وبالتالي تحقيق الخلاص.

ويتساءل يائير نيهوراي: كيف يمكن لوزير في الحكومة الإسرائيلية، هو بتسلئيل سموتريتش، أن "يعلن أن عودة الرهائن الإسرائيليين في قطاع غزة ليست الأهم في الوضع الحالي"، مع أننا "نعلم جميعاً أن الحياة مقدسة في اليهودية، وأن فداء الرهائن وصية"؟  ويجيب: "قد يعتقد المرء أنه انزلق، وأنه ارتكب خطأ؛ ولكن كلا، فإن ازدراءه عودة الرهائن وتثمينه إعادة احتلال غزة، فضلاً عن يقينه بأن الرخاء الاقتصادي يعتمد على الإرادة الإلهية، يشكل جزءاً من رؤيته للعالم"، ذلك إن دعاة الصهيونية الدينية "سعداء لأن الحرب في غزة ستعيد هذه الأرض إلى أيدينا"، وإذا عاد الرهائن إلى ديارهم، "فلن نتمكن من احتلال غزة التي تعتبر، في نظره، جزءاً من إسرائيل" (1).

تحوّل المشروع الصهيوني نحو الصهيونية الدينية

تشهد الحكومة التي شكّلها بنيامين نتنياهو في كانون الأول/ديسمبر 2022 على "تحوّل المشروع الصهيوني نحو القومية المشيحانية"، كما يلاحظ محرر صحيفة "لوموند" الباريسية، جيل باري، في مقال نشره في 10 كانون الثاني/يناير 2024، إذ كان أول عمل لهذه الحكومة هو قيام وزير الأمن القومي فيها، إيتمار بن غفير، في الثالث من ذلك الشهر، بجولة في باحات المسجد الأقصى في القدس، وهو ما أثار ضجة دولية واسعة. ثم يستشهد المحرر نفسه بمقال كتبه داني تروم، نائب رئيس تحرير المجلة اليهودية الأوروبية  الرقمية (K)، ومدير الأبحاث في المركز الوطني للأبحاث العلمية في فرنسا، بعنوان: "إسرائيل: نحو القطيعة"، يرى فيه أن الصهيونية الليبرالية تشهد طفرة بفعل "التأثير المتزايد لتيار الصهيونية الدينية، الذي طالما اعتُبر المكوّن الصامت للمشروع السياسي الذي أدى إلى إنشاء دولة إسرائيل"، والذي تحفزه "التحوّلات الديموغرافية التي يشهدها المجتمع الإسرائيلي"، ويستفيد من "الإرهاق الإيديولوجي للمكوّن العلماني للصهيونية  الذي جسده ديفيد بن غوريون والكيبوتس"، وهو الإرهاق الذي يتجلى في الضعف الشديد الذي انتاب "اليسار الصهيوني"  وحتى انهياره، كما يستفيد من "تحوّل حزب الليكود القومي اليميني العلماني  إلى حزب شعبوي" (2).

القومي والديني في الصهيونية السياسية

على الرغم من أن طموح تيودور هرتزل السياسي كان إقامة دولة غير دينية، فإنه تجنب القطيعة مع العالم الديني، بل سعى إلى كسب تأييد  اليهودية الأرثوذكسية، ومدّ يده إلى ممثليها، في افتتاح المؤتمر الصهيوني الأول في سنة 1897، بقوله: "إن الصهيونية هي عودة إلى اليهودية  قبل أن تكون عودة إلى بلد اليهود". ونظراً إلى أن الصهيونية السياسية لم تكن حركة علمانية تماماً، بل نظرت إلى الديانة اليهودية باعتبارها مكونّاً أساسياً من مكوّنات "الهوية اليهودية"، فقد نجحت في التعايش مع الصهيونية الدينية، التي كانت نواتها قد برزت داخل جمعيات "عشاق صهيون"، قبل أن تتخذ، في سنة 1902،  شكل تنظيم سياسي، مع تشكيل حزب "همزراحي" برئاسة الحاخام إسحق جاكوب رينز، الذي كان حليف تيودور هرتزل الوفي. بيد أن الصهيونية الدينية وجدت نفسها، لدى ولادتها، في موقف الضعيف الذي يسعى إلى التوفيق بين موقفين لا يمكن التوفيق بينهما: موقف يعبّر عن نزعة قومية تتطلع إلى إقامة دولة يهودية بفعل الإرادة البشرية، من جهة، وموقف يعبّر عن إيمان يمنع التدخل في الإرادة الإلهية و" تسريع الخلاص" على يد البشر، من جهة ثانية (3).

وقد سعى الحاخام الأكبر أبراهام إسحق كوك، الذي ولد في ليتوانيا سنة 1865 وهاجر إلى فلسطين في سنة 1904 وتوفي فيها سنة 1935، إلى حل هذا التناقض من خلال نظرية معقدة تضفي على الصهيونية  دلالة دينية. وقد استندت تلك النظرية إلى أفكار رئيسية مفادها أن العالم يشهد "بداية الخلاص"، بحيث "يبرز الديني على شكل دنيوي، ويقود الظلام إلى النور"، وأن الصهيونية تلعب دوراً "على طريق خلاص الشعب اليهودي وعلى طريق خلاص البشرية بأسرها". ففي نظر كوك، سيتحقق "الخلاص" عن طريق "رواد غير متدينين سيخدمون، بتضحياتهم القاسية، مشروعاً مقدساً، من دون أن يعوا ذلك"، وسيمثّلون "حمار المشيح المنتظر"، بصفته "ملكاً وقائداً سياسياً عظيماً من نسل داود، عليماً بالشريعة اليهودية وممارساً لها، ويبشر بخلاص الشعب اليهودي من ويلاته"، وكتب: "سيأتيكم المشيح راكباً على حمار"؛ والحمار هو "حيوان أليف، يُنظر إليه على أنه طاهر من الداخل ولكنه نجس من الخارج"؛ وبالنسبة لكوك، فإن الصهيوني غير المتدين هو، مثل الحمار، طاهر من الداخل، ولكنه نجس من الخارج، وهو يتمتع بحسن نية عندما يسعى إلى بناء إسرائيل (4).

بيد أن هذا الموقف لم يلقِ إجماعاً داخل المعسكر الديني التقليدي، إذ وقف الحاخامات الأرثوذكس التقليديون في مواجهة الصهيونية السياسية بصفتها "تجديفاً"، لأن الشتات بالنسبة لهم هو"عقوبة إلهية على خطايا الشعب اليهودي"، والله وحده "هو القادر على استعادة إسرائيل لدى قدوم المشيح". وقد شكّلت عدة تيارات تقليدية يهودية في العالم، في سنة 1911، جبهة مشتركة، باسم "أغودات إسرائيل"، هدفت إلى "إقامة وحدة الشعب اليهودي على قاعدة التوراة، كما كانت في القرن الثامن عشر قبل اندلاع الثورة الفرنسية وانتشار فلسفة الأنوار". وعقد حزب "أغودات إسرائيل" مؤتمره التأسيسي في أيار/مايو 1912 في مدينة كاتوفيتش البولونية، بمشاركة 500 مندوب، واتّخذ موقفاً نقدياً من الصهيونية السياسية، لكنه دعم "الصهيونية العملية"، من خلال تأييده فكرة الهجرة إلى "أرض إسرائيل"، وتشجيع  المتدينين على الإقامة فيها (5).   

مدرسة "مركاز ها راف": رأس حربة الصهيونية الدينية

في سنة 1924، أسس الحاخام الأكبر أبراهام إسحق كوك في مدينة القدس مدرسة دينية باسم "يشيفات مركاز ها راف" تجمع "بين دراسة التوراة وبناء الأمة اليهودية"، وتحوّلت إلى "المركز الروحي الرئيسي للصهيونية الدينية"، إذ انتشرت "القيم" التي تبنتها إلى ما هو أبعد من دائرة تلامذتها، وأول هذه "القيم" نُقش على قاعدتها وهو: "هذه الأرض لنا لأن الله أعطانا إياها". وكانت هذه المدرسة أول مدرسة دينية تتخلى عن اللغة اليديشية وتتبنى اللغة العبرية. وفي بداياتها، لم تجمع سوى حوالي عشرين تلميذاً، ثم صارت تنمو، بصورة تدريجية، بحيث صارت تضم مئات من التلامذة. وقد تسلم إدارتها الحاخام الأكبر تسفي يهودا كوك، ابن الحاخام الأكبر أبراهام إسحق كوك، وأعقبه حاخام إسرائيل الأكبر أبراهام شابيرا الذي أدار المدرسة حتى وفاته في سنة 2007، ثم خلفه ابنه الحاخام الأكبر يعقوب شابيرا (6).

التعبيرات التنظيمية الأولى للصهيونية الدينية

تأسس الفرع الفلسطيني لحزب "همزراحي" في سنة 1918، ثم أعقبه تأسيس حزب "هبوعيل همزراحي" في سنة 1922، الذي هدف إلى تنظيم العمال المتدينين. وفي سنة 1956، اتحد هذا الحزبان وشكلا حزب "المتدينين الوطنيين" (المفدال)، الذي دعا في بيانه السياسي إلى: "بناء دولة اسرائيل وتقويه وجودها من النواحي الدينية والامنية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية"، وذلك "من منطلق الالتصاق بأُسس الشريعة اليهودية، التي يجب أن تؤثر في عملية استصدار القوانين، بحيث تكون قوانين اسرائيل مبنية على الشريعة" (7).

ويبدو أن حركة الصهيونية الدينية، التي جسدتها هذه الأحزاب، لعبت عشية قيام دولة إسرائيل وغداته دوراً "معتدلاً"، وسعت إلى تعزيز "التعاون والتقارب بين العلمانيين والمتدينين، والأشكناز والسفارديم، والمحاربين القدامى والمهاجرين الجدد بهدف تمتين وحدة الشعب اليهودي". ومنذ تأسيسه، تحالف حزب "المتدينين الوطنيين" (المفدال) مع حزب "مباي"، ثم مع حزب "العمل"، في تشكيل الائتلافات الحكومية، وبقي الائتلاف قائماً بين هذين الحزبين حتى سنة 1977، عندما راحت تظهر في أوساط حزب "المفدال" توجهات نحو اليمين، ونحو التقارب مع حزب "الليكود"، وهو ما تجلّى في مساهمته في إسقاط حكومة إسحق رابين في ذلك العام، وانضمامه إلى الائتلاف الحكومي الجديد الذي شكّله حزب "الليكود" بزعامة مناحم بيغن. أما على صعيد القوة الانتخابية لحزب "المفدال"، فكانت كبيرة في الستينيات والسبعينيات، ثم راحت تضعف في الثمانينيات والتسعينيات جراء وقوع انشقاقات داخله، ووصول حركة "شاس" الحريدية الى الكنيست على حساب عدد من المصوتين لـه، إذ تشير نتائج انتخابات الكنيست في سنة 1959 الى حصول حزب "المفدال" على 12 مقعداً، بينما لم يحصل في انتخابات سنة 1999 سوى على خمسة مقاعد، وعلى ستة مقاعد في انتخابات سنة 2003 (8).

المنعطف التاريخي: حرب حزيران/يونيو 1967

شكّلت حرب حزيران/يونيو 1967منعطفاً تاريخياً في مسار تطوّر الصهيونية الدينية؛ فالنصر الخاطف الذي حققته إسرائيل على جيرانها العرب نظر إليه الحاخام تسفي يهودا كوك وتلامذته، في مدسة "مركاز ها راف" بصفته "حدثاً ذا بعد مشيحاني، يقع ضمن سلسلة الأحداث الكتابية الكبرى"، وهو "علامة لا جدال فيها على خطة إلهية لجعل أرض إسرائيل كاملة لشعب إسرائيل"؛ "لقد عدنا إلى أرضنا"، أوضح الحاخام كوك لمؤيديه بعد احتلال الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، وأضاف: "ولدينا التزام بالاستقرار في هذه المناطق، التي يُحرم مطلقاً التنازل عنها، لأن هذه الأرض أعطيت إلينا من قبل خالق العالم لنستقر فيها ونأخذها إرثاً لنا". وبعد تلك الحرب مباشرة، استقر تلامذة هذه المدرسة، بناءً على توصيات معلميهم، في الضفة الغربية المحتلة [يهودا والسامرة]، وأنشأوا، في سنة 1973، حركة "غوش إيمونيم" أو (كتلة الإيمان) وقاموا بتطوير المستوطنات اليهودية. كما نشأت في ذلك العام حركة عنصرية باسم حركة "كاخ"، أنشاها الحاخام مئير كاهانا، واستمدت أفكارها من إيديولوجية الصهيونية الدينية. وصار الصهاينة المتدينون يقدمون أنفسهم على أنهم "أولئك الذين سيعيدون إحياء الصهيونية الأصلية"، وأنهم من خلال الاستيطان في الأراضي الفلسطينية "يحققون نبوءة الكتاب المقدس". وعلى هذا الأساس، عارضوا أي تنازل إقليمي، ونفذوا، بعد التوقيع على اتفاقيات كامب ديفيد في سنة 1978، وبعد إبرام اتفاقيات أوسلو في سنة 1993، أعمالًا إرهابية، كان أبرزها  قيام باروخ غولدشتاين، وهو مستوطن إسرائيلي تابع للحاخام المتطرف مئير كاهانا، بقتل تسعة وعشرين مسلماً كانوا يصلون في الحرم الإبراهيمي في الخليل في شباط/فبراير 1994، ثم قيام يغال عمير الطالب في جامعة بار إيلان من تيار الصهيونية الدينية، باغتيال رئيس الوزراء إسحق رابين في تشرين الثاني/نوفمبر 1995 (9). 

ممثلا الصهيونية الدينية الرئيسيان اليوم

تفرع عن حزب "المتدينين الوطنيين" (المفدال) منذ أواخر التسعينيات عدة أحزاب، تبنت إيديولوجية الصهيونية الدينية، كان أولها الحزب الصهيوني الديني، الذي صار يحمل اسم "الاتحاد الوطني" (تكوما)، وحزب "البيت اليهودي"، الذي حصل بزعامة نفتالي بينت في انتخابات سنة 2013 على 12 مقعداً في الكنيست قبل أن يتراجع نفوذه، وحزب "قوة يهودية"، الذي انشق في سنة 2012 عن حزب "الاتحاد الوطني" الذي عاد وحمل اسم حزب "الصهيونية الدينية".

واليوم، يمثل حزبا "الصهيونية الدينية" و"قوة يهودية"، بصورة رئيسية، تيار الصهيونية الدينية في حكومة بنيامين نتنياهيو الحالية. ويتزعم بتسلئيل سموتريتش، الذي يشغل منصب وزير المالية ووزير في وزارة الأمن، الحزب الأول، وهو تلقى تعليمه في مدرسة دينية صغيرة في مستوطنة بيت إيل، بالقرب من مدينة رام الله، ثم تخرّج محامياً، وناضل، في سن مبكرة، ضد تفكيك المستوطنات اليهودية في قطاع غزة، وعارض البناء الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة ووراء الخط الأخضر، ورأى أنه من الضروري فصل المرضى اليهود عن المرضى العرب في المستشفيات، وذهب، في آذار/مارس 2023، إلى حد الدعوة إلى محو بلدة حوارة الفلسطينية من الوجود، بل وحتى إلى إنكار وجود الشعب الفلسطيني في حد ذاته خلال زيارة خاصة قام بها إلى باريس. أما زعيم الحزب الثاني إيتمار بن غفير، فهو يشغل منصب وزير الأمن الوطني، وهو محام أيضاً، ولد في ضواحي القدس لعائلة من اليهود العراقيين، وطوّر أيديولوجيته المعادية للعرب خلال الانتفاضة الأولى، ضمن الحركة الكاهانية التي تم حظرها في سنة 1994، ومنع من أداء خدمته العسكرية لأنه اعتُبر متطرفاً للغاية، وأدين عدة مرات بتهمة التحريض على الكراهية والاستفزاز، وهو من سكان مستعمرة كريات أربع، بالقرب من الخليل، التي تُعتبر معقلاً لحركة "شباب التلال" الإرهابية المتعصبة، ويعرض منذ فترة طويلة صورة باروخ غولدشتاين في غرفة معيشته، كما أنه لم يخفِ أبداً إعجابه بيغال عمير (10).

عوامل تطور الصهيونية الدينية في السنوات الأخيرة

أصبحت الصهيونية الدينية عاملاً فاعلاً ومؤثراً في الحياة السياسية الإسرائيلية، وكان أحد ممثليها، وهو نفتالي بينيت، قد شغل منصبر رئيس الوزراء في سنة 2021، وأصبح التيار الذي مثّلته قائمة "الصهيونية الدينية"، خلال الانتخابات التشريعية في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، القوة الثالثة في البلاد، إذ حصلت على 11% من الأصوات و14 مقعداً في الكنيست. وصار هذا التيار يترك تأثيراً متزايداً على حزب "الليكود" القومي وغير الديني، واضطر بنيامين نتنياهو إلى الاعتماد عليه لتشكيل حكومته الأخيرة، بل أصبح نتنياهو اليوم رهينة في أيدي بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير.

ويعكس هذا التطور السياسي لتيار الصهيونية الدينية  تحوّلات عديدة طرأت، وتطرأ، على المجتمع الإسرائيلي، إذ يشهد هذا التيار نمواً  ديموغرافياً كبيراً، لأنه غالباً ما يتكوّن من عائلات لديها العديد من الأطفال، كما يستفيد من تنامي نزعة التديّن في المجتمع، إذ إن 51% من اليهود الإسرائيليين يؤمنون، وفقاً لعالمة الاجتماع  والسياسة تمار هيرمان، بمجيء المشيح، كما أن 67 % منهم يعتقدون أن الشعب اليهودي هو الشعب المختار، كما يستفيد هذا التيار من زيادة المحتوى الديني في المناهج التعليمية، ومن التركيز المتزايد على المكوّن اليهودي في هوية إسرائيل، ومن إخفاق "عملية السلام". وفضلاً عن قطاع التعليم، تزايد نفوذ تيار الصهيونية الدينية داخل الجيش، إذ وفقًا للباحث يوآف بيلد، شكّل الصهيونيون الدينيون، في سنة 2019، نصف خريجي الأقسام القتالية في مدرسة ضباط الجيش الإسرائيلي (11).

تيار الصهيونية الدينية والحرب على قطاع غزة

منذ حرب حزيران/يونيو 1967 وحتى اليوم، نجح اليمين القومي وتيار الصهيونية الدينية في توطين أكثر من 700 ألف مستوطن في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية. ويأمل الوزيران بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير في أن تسفر الحرب التي يشنها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة عن احتلاله  وإحياء الاستيطان اليهودي فيه، وذلك على طريق تحقيق أهدافهما المتمثلة في ضم فلسطين بأكملها، وإنشاء دولة ثيوقراطية تخضع للشريعة اليهودية، تمهيداً للدخول في العصر المشيحاني. وبحسب ستيفاني ليثييه، الباحثة في معهد دراسة الأديان والعلمانية في باريس، فإن من المتوقع أن تؤدي هذه الحرب إلى زيادة نفوذ تيار الصهيونية الدينية داخل المجتمع الإسرائيلي، وذلك على الرغم من أن قسماً من السكان لا يزال يتخوف من تحوّل إسرائيل إلى دولة ثيوقراطية (12).

* باحث ومؤرخ - مؤسسة الدراسات الفلسطينية – بيروت.