مسرحية «بايدن-نتنياهو»: فلتستمر المجزرة!

2024-06-07

كتب: عماد طحان

تنطبق قصة الراعي الكذاب على بايدن إلى حدٍ بعيد فالإعلانات المتكررة التي أطلقها عن عزمه إيقاف الحرب في غزة، جعلت من كلّ إعلانٍ جديد يطلقه موضع شكٍ كبير، بل وموضع سخرية. ويصح هذا على المقترح الأخير الذي أطلقه يوم الجمعة الماضي 31 /5 وقال إنّه مقترح «إسرائيلي».

أول الأمر، بدا الاقتراح جديداً من حيث شكل الإعلان عنه؛ فهذه المرة لم يجر الحديث عن مقترح من الوسطاء أو من طرفي النزاع عبر الوسطاء، ولم تُعلن تفاصيل من الصفقة المفترضة عبر تسريبات صحفية كما جرت العادة خلال الأشهر الماضية، بل تجشَّمَ الرئيس الأمريكي بنفسه عناءَ الإعلان عن الصفقة وتفاصيلها، في محاولة لإعطائها زخماً ولإحاطتها بقدرٍ من الضجة الإعلامية-السياسية.

لم يكد ينتهي مؤتمر بايدن الصحفي الذي أعلن فيه عن الصفقة حتى اتضحت تفاصيلها. بين تلك التفاصيل أنّه لن يكون هنالك انسحاب كامل من غزة، ولن يكون هناك وقف دائم لإطلاق النار، وأنّ ما يجري عرضه على حماس هو تكرار للهدنة الأولى التي تلت بدء العدوان بشهر تقريباً، حيث يتم إطلاق بعض الأسرى مقابل فترة مؤقتة من الهدنة تستمر الحرب بعدها، ناهيك عن اللغة المستفزة التي تضمنها المقترح والتي تسمح لـ«إسرائيل» بالعودة إلى إطلاق النار، بمجرد أن «تشعر» بأنّ حماس تحاول «تضييع الوقت»!

وبالمجمل، فإنّ المقترح غير قابل للحياة بأي شكل من الأشكال، وواضعوه يعرفون ذلك جيداً، ويراهنون على أنّه سيتم رفضه في نهاية المطاف من حماس وفصائل المقاومة، رغم أنّ حماس قد أعلنت أنها ستتعاطى بإيجابية مع المقترح، لأنها تعلم جيداً أن الهدف هو نقل الكرة إلى ملعبها سياسياً، ودون تقديم أي شيء على الإطلاق.

بين أدوات اللعب السياسي، وبالأحرى التهريج السياسي التي استخدمها بايدن، محاولة إعطاء إيحاءٍ بأنّ واشنطن بالذات هي من ضغطت لصياغة المقترح، وبالضد من رغبة نتنياهو، وذلك في محاولة لاستعادة دور «الوسيط» من جهة، وفي محاولة لتخفيف الضغط الإعلامي والسياسي على واشنطن من جهة أخرى.

حقيقة الأمر التي لم يعد من الصعب وضع اليد عليها، هي أنّ المقترح بمجمله هو مجرد مسرحية متفقٍ عليها، وبين بايدن ونتنياهو بالذات، والأهداف المطلوبة من ورائها تتلخص بما يلي:

أولاً: ملء الفراغ السياسي بشكلٍ وهمي بمقترح يجري تقاذفه ونقاشه، لشل دور مجلس الأمن والقوى الدولية الأخرى مؤقتاً، عبر الإيحاء بأنّ حلاً ما يجري العمل عليه، وليس من ضرورة لأي تدخل حالياً.

ثانياً: يسعى بايدن، وضمن حملته الانتخابية، إلى تقليل الخسائر المترتبة على الدعم الأمريكي المطلق للإبادة الجماعية التي ترتكبها «إسرائيل»، عبر الإيحاء بأنه يسعى بشكلٍ جدي لإنهاء الحرب، وبأنه حتى يصطدم مع الحكومة «الإسرائيلية» في سبيل ذلك.

ثالثاً: يبقى الهدف الأساسي هو إطالة أمد الحرب، ومنع طَيِّ صفحتها ما دامت النتائج الواضحة لذلك هي هزيمة مشتركة لكل من الصهاينة وواشنطن.

رابعاً: بالتوازي، يجري الضغط عبر ملف معبر رفح وغيره من الملفات الاقتصادية والسياسية، في محاولة لتسريع عمليات الفوضى الشاملة الهجينة، وخاصة عبر البدء بتفجير مصر من الداخل.

المحصلة النهائية هي أنّ الراعي الكذاب لن يطول به الأمر حتى يفقد أي قدرة على إقناع أي أحد بأكاذيبه... والمبدأ النازي الشهير لغوبلز، والذي يتبناه الساسة الأمريكان، والقائل: اكذبوا ثم اكذبوا ثم اكذبوا لعل شيئاً يعلق في أذهان الناس، لن ينفعهم بحالٍ من الأحوال، ولن يغير النتيجة النهائية للمعركة إلا باتجاه واحد، وهو ارتفاع الارتباط بين هزيمة كل من الكيان وواشنطن، بحيث ستتحمل واشنطن إلى جانب الكيان عبء الهزيمة بالكامل، ودون أي مواربة أو محاولات نأيٍ شكليٍّ بالنفس.

قاسيون