قــطـاع غــزة: أرض الإبــادة الــبــيــئــيــة | د. ماهر الشريف *

2024-06-10

يبدو أن حكومة الحرب الإسرائيلية مصممة على مواصلة الحرب التي تشنها على قطاع غزة منذ تسعة أشهر، والتي ترمي إلى قتل أكبر عدد من سكانه عن طريق المجازر التي تنفذها، وآخرها في مخيم النصيرات وسط القطاع، وإلى جعل هذا القطاع أرضاً غير صالحة للعيش، مما يمهد الطريق أمام هجرة أو تهجير سكانه.

ولتحقيق هذا الهدف، يعمل جيش الاحتلال على استهداف النظم البيئية، فيلوّث التربة والهواء والمياه، ويدمر الحقول، ويقتلع الأشجار، بحيث باتت البيئة هي الضحية الصامتة لحرب الإبادة التي يشنها.

وفي هذا الصدد، تقول سمر أبو صفية، وهي ناشطة بيئية تعيش حالياً في خيمة في مدينة رفح، في  رسالة صوتية عبر تطبيق واتساب لمراسل موقع (Reporterre) الإيكولوجي: "نحن نشهد حالياً كارثة بيئية ستؤدي إلى كوارث أخرى في المستقبل؛  فأكثر من 80,000 طن من القنابل الإسرائيلية لم يسلم منها لا الحقول ولا أشجار الزيتون ولا أشجار الليمون، وهذا الدمار البيئي يسير جباً إلى جنب مع المجازر والإبادة الجماعية"، وتضيف: "آمل فقط أن تنتهي الحرب حتى نتمكن من استعادة أرضنا، واستعادة ترابنا وجداول مياهنا وبحرنا الذي دمره الإسرائيليون".

تلويث التربة والهواء والمياه

منذ بدء حربه على قطاع غزة، نفّذ جيش الاحتلال الإسرائيلي عشرات آلاف الغارات الجوية التي ألقى خلالها أعداداً لا تحصى من القنابل، التي ينفجر 90 % منها ناشراً الموت والخراب، بينما لا ينفجر نحو 10 % منها ويبقى مدفوناً في الأرض، لتنفجر هذه القنابل لدى تعرضها إلى مصدر حرارة أو إلى صدمة خفيفة. أما في حال عدم انفجارها، فإنها ستظل تطلق العديد من المركبات الكيميائية في تربة فلسطين ومياهها، مع ما يترتب على ذلك من آثار بيئية مدمرة.

وبحسب دراسة مشتركة أجراها كلٌ من مازن قمصية، الأستاذ في جامعة بيت لحم ومدير مختبر علم الوراثة الخلوية التابع لها، وألكسيس كاسيداي المتطوع في معهد فلسطين للتنوع البيولوجي والاستدامة في بيت لحم، كان لتأثير الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة "آثار أكثر خطورة على البيئة في ثلاثة أشهر فقط من قصف المدن الألمانية الذي دام عدة سنوات خلال الحرب العالمية الثانية، فاستخدام إسرائيل للذخائر التي تحتوي على اليورانيوم المنضب، والمتفجرات شديدة التأثير والقنابل الحارقة، بما في ذلك الفوسفور الأبيض، يسبب تدهوراً بيئياً كبيراً  ويؤثر على الأرض والهواء والماء".

الأنقاض والنفايات

تقدر الأمم المتحدة أن القصف الجوي الإسرائيلي خلّف، حتى أواخر شهر نيسان/أبريل الفائت، نحو 37 مليون طن من الأنقاض، المشبعة بالنترات، والفوسفات، وثلاثي كلورو الإيثان، والمعادن الثقيلة، ومادة الأسبستوس، المسببة للسرطانات. وتظهر صور الأقمار الصناعية، كيف "تتسرب آلاف الملوثات إلى التربة والمياه الجوفية، بل وكيف أن الأبخرة السامة تجعل الهواء غير قابل للتنفس".

كما يحذر برنامج الأمم المتحدة للبيئة من أن أكثر من 130,000 متر مكعب من مياه الصرف الصحي يتم تصريفها في البحر الأبيض المتوسط يومياً، مما يتسبب في أضرار جسيمة للنباتات والثدييات البحرية". وسيؤدي تلوث البيئة والهواء على نطاق واسع إلى زيادة حدوث التشوهات والولادات المبكرة وأمراض الجهاز التنفسي والسرطانات وكذلك مقاومة المضادات الحيوية. كما ستتسبب النفايات البشرية والجثامين المتحللة في انتشار الأمراض بين مئات الآلاف من الأشخاص.

وسيستغرق تطهير أراضي القطاع 14 عاماً على الأقل وفقا للأمم المتحدة، وسيتعين تمشيط المواقع لإزالة بقايا المتفجرات والذخائر، وهي مهمة هائلة ستكلف الملايين، كما حدث في الموصل، حيث كلفت المرحلة الأولى من التنظيف 100 مليون دولار وما زالت أحياء بأكملها بحاجة إلى التطهير، بعد سبع سنوات من تحرير المدينة من أيدي تنظيم "داعش".  يضاف إلى ذلك تكدس النفايات في جميع مناطق القطاع، ذلك إن وكالة الأونروا، التي تقوم بجمع النفايات في المخيمات، تجد نفسها غير قادرة على العمل، بحيث صارت النفايات التي ينتجها يومياً أكثر من 2.2 مليون من سكان قطاع غزة، تتراكم في مكبات النفايات غير القانونية لأن السكان لا يستطيعون الوصول إلى المكبات الرسمية. وقد تم تحديد ما لا يقل عن 170 موقعاً للتخلص من النفايات التي تشكل مخاطر على صحة السكان، ولكنها أيضاً تشكل مخاطر بيئية طويلة المدى لأنها يمكن أن تتسرب إلى المياه الجوفية.

الـمـيـاه

أما بشأن مشكلة توفير المياه، فقد  كان الاحتلال الإسرائيلي قد حرم قطاع غزة، منذ البدء، من مياهه، بعد أن منع  تدفق المياه إلى وادي غزة من تلال الخليل. وحتى قبل الحرب الجارية، كان أكثر من 90% من المياه في قطاع غزة غير صالحة للشرب. وقد تسببت أطنان الحطام الخرساني الذي يحتوي على الإسمنت والمعادن الثقيلة والمختلطة بمياه الأمطار ومياه الصرف الصحي، إلى تلوث مصادر المياه. ودمّر القصف الجوي والمدفعي الإسرائيلي أو تسبب في أضرار لأكثر من نصف نقاط إمدادات المياه – محطات تحلية المياه، والصهاريج  والآبار، بالإضافة إلى أربع من محطات المعالجة الست في القطاع، في حين أن المحطتين المتبقيتين متوقفتان عن العمل بسبب نقص الوقود. ومنذ الأسابيع الأولى للحرب، يعيش سكان غزة بأقل من ثلاثة لترات من الماء يومياً لأغراض الشرب والاستحمام والطهي. ويستهلك معظمهم المياه قليلة الملوحة والملوثة، والتي يتم سحبها مباشرة من المياه الجوفية.

وقد خطط جيش الاحتلال الإسرائيلي في وقت ما لإغراق الأنفاق في القطاع بمياه البحر، ونصب بالفعل 5 مضخات مياه عالية السعة بالقرب من مخيم الشاطئ للاجئين في شمال غزة، وهو ما كان سيخلف عواقب مروعة. وفي شهر كانون الثاني/يناير 2024، اعترف الجيش الإسرائيلي بإغراق بعض الأنفاق التي حفرتها حركة "حماس" تحت القطاع عن طريق حقن مياه البحر تحت الضغط، وهي استراتيجية انتقدها بشدة الخبراء، الذين يخشون من تملح طبقات المياه الجوفية.

في مستودع متهالك في رفح، تعيش سهى أبو دياب مع بناتها الثلاث الصغيرات وأكثر من 20 فرداً من أفراد عائلتها؛ ليس لديهم مياه جارية ولا وقود، وتحيط بهم مياه الصرف الصحي المتسربة والقمامة المتراكمة. ومثلهم مثل بقية سكان قطاع غزة، يخشون أن يكون الهواء الذي يتنفسونه محملاً بالملوثات وأن تحمل المياه الأمراض. وخلف شوارع المدينة، تقع البساتين وبساتين الزيتون التي تم تجريفها، والأراضي الزراعية التي دمرتها القنابل والجرافات. تقول أبو دياب، التي نزحت من مدينة غزة: "هذه الحياة ليست حياة، هناك تلوث في كل مكان - في الهواء، في الماء الذي نستحم فيه، في الماء الذي نشربه، في الطعام الذي نأكله، في المنطقة المحيطة بنا".

تدمير البنية التحتية الزراعية

قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كانت مساحة المزارع والبساتين تبلغ حوالي 170 كيلومتراً مربعاً، أو 47% من إجمالي مساحة قطاع غزة. بيد أن تحليلاً  لصور الأقمار الصناعية  عرضته صحيفة "الغارديان" البريطانية، في أواخر آذار/مارس 2024، أظهر تدمير ما بين 38%  إلى 48% من الغطاء الشجري والأراضي الزراعية في قطاع غزة. إذ تم تدمير أو إلحاق الضرر بما يقرب من نصف أشجار الزيتون والأشجار المثمرة. وفي شمال قطاع غزة، بلغت نسبة الخسائر ما يقرب من 71% من المحاصيل. وبالإضافة إلى الدمار المباشر الذي سببه الهجوم العسكري، فإن نقص الوقود أجبر سكان القطاع على قطع الأشجار حيثما وجدوها وحرقها للطهي أو التدفئة.

ويوضح هي يين أستاذ الجغرافيا في جامعة ولاية كينت الأميركية: "لقد اختفت بساتين بأكملها، ولم يتبق سوى الأرض، ولم يعد بإمكاننا رؤية أي شيء". وفي هذا الصدد، يقول منير حمودة، الموظف في بلدية غزة الذي يعيش مع زوجته وأطفاله الخمسة في حي تل الهوى جنوب مدينة غزة: "لقد دمروا بيتي وجرفوا أشجار الزيتون وأشجار الفاكهة والحمضيات بالجرافات". وعندما حاول أن يجد ملجأ في بيته الثاني الواقع وسط أرضه الزراعية في خان يونس وجده مدمراً كذلك، وقال في اتصال هاتفي مع وكالة الأنباء التونسية: "لقد دمرت جرافات المحتل كل شيء، وأتلفت أشجار الفاكهة الخاصة بي"، وقد حاول برفقة ابنه، وسط الركام وبقايا أشجار الزيتون، أن يلتقط صوراً لما تبقى من مزرعته في مشهد مشوه للغاية ومزرعة مدمرة، يظهر "قسوة الجنود الإسرائيليين على وجه الخصوص ضد بساتين الزيتون، التراث العائلي الرمزي لفلسطين". وفضلاً عن الأراضي المزروعة، شكلت أكثر من 7500 دفيئة زراعية عنصراً أساسياً في البنية التحتية الزراعية في القطاع، وقد تم تدمير أكثر من ثلثها بالكامل، إذ تراوحت ما بين 90% في شمال قطاع غزة إلى حوالي  40% حول خان يونس.

من ناحية أخرى، أشار محللون إلى أن ما يقرب من 1740 هكتاراً من الأراضي قد تم تسويتها في المنطقة الواقعة جنوب مدينة غزة، حيث ظهر طريق جديد، تسميه إسرائيل "الطريق 749"، يعبر كامل عرض المنطقة. ويقول الجيش الإسرائيلي إن الطريق "ضرورة عسكرية" تم بناؤه "لإنشاء موطئ قدم عملياتي في المنطقة والسماح بمرور القوات والمعدات اللوجستية". أما لوسيا ريبولينو، المؤلفة المشاركة لدراسة أجرتها مجموعة (Forensic Architecture)، وهي مجموعة أبحاث متعددة الاختصاصات في جامعة لندن، فتقول: "إن استهداف البيئة لا ينتج عن أضرار جانبية للحرب بل هو هدف مقصود للجيش الإسرائيلي"، إذ  "تقوم الجرافات بتجريف الحقول والبساتين لإخلاء منطقة عازلة بعمق أكثر من 300 متر على طول الحدود الشمالية بين إسرائيل وقطاع غزة، ويقوم الجيش ببناء السدود والتلال الترابية لحماية دباباته".

لقد تغيّرت الطبيعة، وسوف يستغرق الأمر سنوات حتى تنمو النباتات مرة أخرى في هذه المنطقة، التي هي معرضة بشدة لتغيّر المناخ، وأكثر عرضة للتآكل والعواصف الرملية. وتقدر دراسة مشتركة أجرتها الأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي الأضرار التي لحقت بالزراعة والمناطق الطبيعية  بأكثر من 1.5 مليار دولار أميركي.

وبحسب عبير البطمة، منسقة شبكة المنظمات غير الحكومية البيئية الفلسطينية، فإن الاحتلال الإسرائيلي ألحق "أضرارا كاملة بجميع عناصر الحياة وجميع العناصر البيئية في غزة – لقد دمر الزراعة والحياة البرية بصورة كاملة، وما يحدث هو بلا شك إبادة بيئية، وهذا يلحق الضرر الكامل ببيئة غزة على المدى الطويل، وليس فقط على المدى القصير"، وتضيف: "إن المزارع والدفيئات الزراعية المستهدفة ضرورية لإنتاج الغذاء المحلي للسكان الذين يعيشون بالفعل تحت الحصار المستمر منذ عقود، وتتفاقم آثار هذا التدمير الزراعي الممنهج بسبب أعمال الحرمان المتعمدة الأخرى من الموارد الضرورية لبقاء الفلسطينيين في قطاع غزة على قيد الحياة".

جريمة "الإبادة البيئية" في القانون الدولي

في إشارة إلى خطورة الوضع في قطاع غزة، فتحت الأمم المتحدة تحقيقاً في تدمير البيئة، لن تظهر نتائجه حتى نهاية الحرب، بينما يقول باحثون ومنظمات بيئية إن هذا التدمير سيكون له آثار بعيدة المدى على النظم البيئية والتنوع البيولوجي في قطاع غزة، وهو ما يستوجب التعامل معه على أنه "إبادة بيئية" والتحقيق فيه كجريمة حرب محتملة.

ويؤكد نضال عطا الله، منسق برنامج العدالة البيئية في مؤسسة هاينرش بول – فلسطين والأردن في رام الله، في اتصال هاتفي مع وكالة الأنباء التونسية، أن "جميع عوامل الإبادة البيئية موجودة، وخصوصاً أن هذا المصطلح  يحدد بصورة جيدة الأضرار البيئية التي تؤثر على النظم البيئية والأنواع الحيوانية والنباتية وبالتالي المجتمعات البشرية التي تعتمد عليها"، ويضيف: "بالإضافة إلى إسقاط آلاف الأطنان من القنابل والمتفجرات ذات الآثار المدمرة على البيئة، فإن الاحتلال يشن منذ عقود حرب مياه ويتسبب في عطش الفلسطينيين"، وهو "يتبع تكتيكاً ممنهجاً وغير أخلاقي لقطع مصادر المياه وتلويثها، ليس في غزة فحسب، بل في الضفة الغربية أيضاً".

وكان الاتحاد الأوروبي أول هيئة دولية تعترف بجريمة "الإبادة البيئية"، إذ صادقت هيئاته، في 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2023، على اتفاقية تعترف بالإبادة البيئية كجريمة مشددة في القانون الأوروبي. وتمّ تعريف مصطلح الإبادة البيئية  بالجريمة التي "تهدف إلى إلحاق الضرر الجسيم بالبيئة - التدمير، أو الضرر الواسع النطاق والجسيم الذي لا يمكن إصلاحه أو الدائم - مما يؤدي إلى عواقب بيئية كارثية". وتعترف نحو عشر دول في العالم اليوم بجريمة الإبادة البيئية، كانت فيتنام أولها وذلك عندما أدرجت هذه الجريمة في قوانينها المحلية، ولا سيما بشأن استخدام الجيش الأميركي مبيدات الأعشاب أثناء حربه في فيتنام.

في إسرائيل، يتعرض دعاة حماية البيئة السلميون للنبذ

في مواجهة الدمار البيئي في قطاع غزة، انقسمت حركة أنصار الدفاع عن البيئة الإسرائيلية على نفسها. فبينما يدعم الكثيرون من أنصارها جهود جيش الاحتلال الحربية أو يلتزمون الصمت، يناضل القليل منهم من أجل "مستقبل مشترك" مع الفلسطينيين. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك الانقسام الداخلي أنه عندما نشرت غريتا ثونبرغ على موقع X، في 20 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تغريدة تدين الإجراءات الإسرائيلية في قطاع غزة من خلال التلويح بعلامة "فلسطين حرة"، نشر أكثر من مئة من أنصار الدفاع عن البيئة الإسرائيليين رسالة مفتوحة يدينونها بتهمة "معاداة السامية" ويأسفون لأنها تعمل على "تقسيم" الحركة.

وتقول الناشطة البيئية والمناهضة للاحتلال يارا بيرتس: "لا يمكننا حماية البيئة  من دون محاربة الاحتلال الإسرائيلي في الوقت نفسه؛ فهناك تسلسل هرمي لضحايا الظلم المناخي، وأرى أن الفلسطينيين هم الأسوأ حالاً". أما عمري، الذي يشارك في نشاط منظمة "كسر الصمت"، ، فيقول: "إن الحكومة ووسائل الإعلام والمدارس والخدمة العسكرية الإجبارية تجبرنا على كراهية الفلسطينيين والخوف منهم، ورؤيتهم كإرهابيين"، ويضيف: "إن إدراك حقيقة ما يحدث في فلسطين هو عملية تستغرق سنوات، لأن أدمغتنا قد تم غسلها بشدة".

* باحث ومؤرخ - مؤسسة الدراسات الفلسطينية – بيروت.