حول النتائج الأولية للعدوان

2024-06-05

| عبد الغني سلامة

في سياق الحرب العدوانية التي تشنها على شعبنا، تلقت إسرائيل ضربات موجعة على جبهتها الشمالية من "حزب الله"، الذي استخدم قوته بطريقة مقننة ودقيقة، وتمكن من ضرب أهداف عسكرية نوعية، وأعطى رسائل ذات قيمة معنوية استهدفت خفض معنويات العدو، وحرمانه الشعور بتفوقه النوعي. (مع استبعاد تطور هذا الشكل إلى حرب شاملة؛ ما دام الطرفان يتقاتلان ضمن قواعد الاشتباك بالمستوى القائم).

ومع استمرار العدوان فترة طويلة (امتدت حتى الآن ثمانية أشهر)، أُنهك جيش الاحتلال؛ خاصة مع تلقيه ضربات متتالية من المقاومة في غزة، وصار بحاجة لفترة راحة وتعافٍ قبل أن يفكر بخوض حرب أكبر.

وإذا أضفنا حرب أوكرانيا إلى حرب غزة، سنجد أن التصورات المسبقة عن دور التكنولوجيا العسكرية الحديثة والمتطورة في حسم الحروب تضمنت الكثير من المبالغة، خاصة بشأن إمكانية تقليص العامل البشري وعدد الجنود والقوات البرية، وهذا يعني أنه لن يكون ممكناً لإسرائيل - لو قررت خوض حروب كبيرة أمام جيوش حقيقية - تحقيق تفوق وانتصار سريع كما حدث في نكسة حزيران، وبالتالي إذا شعرت بخطر وجودي، أو أخذت قراراً متهوراً بخوض حرب (في ظل حكومة يمينية متهورة ومتطرفة)، لن يكون أمامها أي حل سوى استخدام أسلحة الدمار الشامل التي تمتلكها.

وحتى لا تصل إلى هذه النقطة الخطيرة، سيكون عليها طوال الوقت اتخاذ إجراءات وقائية وخطوات استباقية؛ بهدف تفكيك الجيوش بل والدول العربية نفسها، بما فيها الدول التي ترتبط معها باتفاقيات سلام. (د. فضل عاشور، غزة)

وهذا من شأنه تعميق مأزق إسرائيل الوجودي، ودفع الولايات المتحدة لإعادة ترتيب علاقتها بإسرائيل، خاصة إذا أضفنا المتغيرات التالية:

خسرت إسرائيل الكثير من صورتها ومن مكانتها، وحتى من هيبتها العسكرية، تجاه ذاتها أولاً؛ حيث خسرت طبيعتها كدولة ليبرالية ديمقراطية بالنسبة لمواطنيها من اليهود، كما خسرت احتكارها مكانة الضحية في الضمير العالمي. وخسرت صورتها تجاه يهود العالم كدولة تمثل ملاذاً آمناً لهم، وتمثل ضحايا الهولوكست، أو حتى تمثل يهود العالم.

وخسرت ثانياً تجاه الدول الغربية، التي صارت تراها دولة مارقة تحكمها حكومة يمينية متطرفة ومناهضة لتوجهات المجتمع الدولي بوقف الحرب، وتجنب استهداف المدنيين. وصارت بالنسبة لهم تشكل عبئاً سياسياً وأمنياً واقتصادياً وأخلاقياً، ودولة مثيرة للاضطراب وعدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

وثالثاً: خسرت أمام العالم، الذي بات يراها دولة استعمارية واستيطانية وعنصرية ودينية متزمّتة، بل وتمارس حرب إبادة جماعية بحق الفلسطينيين الذين تحتل أراضيهم، وتتعامل بوقاحة وعنجهية مع الأمم المتحدة ومع محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.

بالمحصلة، خسرت إسرائيل كثيراً من رأسمالها الرمزي والمعنوي والتاريخي، وفقدت تلك الصورة الأثيرة التي ظلت تروّجها في العالم، أي صورة الضحية، وصورة الدولة الديمقراطية، بانكشافها على حقيقتها كدولة استعمارية وعنصرية ودينية وعدوانية، وتمارس التطهير العرقي. وباتت معزولة، ومخيفة، وغير مرغوبة، ومدانة، على أكثر من صعيد، ولم يبقّ لديها سوى أميركا تقف معها، وتغطيها. (ماجد كيالي)

وكل هذه الخسارات بسبب ارتكابها أبشع درجات القتل والتدمير والتطهير العرقي، وقتلها للأطفال والنساء والمدنيين، ودلالات تلك الخسارات تمثلت في قرارات محكمة العدل الدولية، ومطالبة المحكمة الجنائية الدولية باعتقال قادة إسرائيل، والتظاهرات الشعبية والطلابية التي اجتاحت مدن وعواصم العالم، وتزايد الدول التي تدين إسرائيل، وتعترف بالدولة الفلسطينية، وإحداثها تصدعات عديدة في علاقتها بالدول الغربية، ومن ضمنها الولايات المتحدة، وتصدعات داخل تلك الدول بين الرأي العام فيها وحكوماتها.

إضافة إلى حجم التعاطف الكبير مع الفلسطينيين، إلى درجة صارت القضية الفلسطينية ورموزها كـ(العلم والكوفية) جزءاً من المعركة على الحرية والعدالة وحقوق المواطنة في الدول الغربية ذاتها، بل وصارت معياراً للأخلاق والقيم الإنسانية ضد قيم العدوان والعنصرية التي تجسدها إسرائيل.

ولكن، في مقابل هذه الصورة الإيجابية، وما يُقال عن عملية "طوفان الأقصى" في يومها الأول أنها كشفت هشاشة النظام الأمني والعسكري الإسرائيلي، فإنه مع استمرار العدوان كل هذه المدة اكتشفت إسرائيل نقاط قوة إضافية، وكسرت حواجز وتخوفات ما كانت لتكسرها سابقاً، وطالما شكلت خطوطاً حمراء كانت تحاول عدم تجاوزها، وهي إمكانية خوضها حرباً طويلة الأمد، وإمكانية تحديها وتجاهلها الرأي العام العالمي.

فمثلاً حاولت إسرائيل تكذيب قصفها مستشفى المعمداني في بداية العدوان، ولكنها بعد ذلك، وبعد أن رأت الصمت العالمي والعربي، أو الاكتفاء بالتظاهرات، أصبحت لا تكلف نفسها عناء التبرير ولا التلفيق. وبالتالي ستكون أكثر خطراً وإجراماً في حروبها المقبلة. ولكن السؤال: إلى متى يمكنها الاستمرار في ذلك؟ وهل سيصبر حلفاؤها طويلاً على تعنتها وجرائمها؟

ومع أهمية تلك المتغيرات، يتوجب الحذر من الوقوع في شَرَك الإفراط في التفاؤل، أو التعويل عليها، بأنها كفيلة بتفكيك وإنهاء المشروع الصهيوني خلال فترة قصيرة، أو حتى الاعتقاد بأنها قادرة على وقف العدوان؛ فهذه المتغيرات ستحتاج فترات طويلة حتى تنضج.