صـفـقـة الـطـبـق الـمـغـطـى

2024-06-05

| هاني عرفات *

حينما أعلن الرئيس الاميركي عن صفقة خارطة طريق لتبادل الأسرى ووقف الاعمال الحربية في غزة، قام بنسبها بصراحة ووضوح إلى أنها مقترح اسرائيلي، وحدد مراحلها الثلاثة دون الخوض في تفاصيلها.

للوهلة الأولى بدا وكأن جميع الأطراف أصيبت بالذهول، بمن فيهم باقي الوسطاء، صمت الجميع باستثناء حركة حماس التي رأت بأن الصفقة المطروحة إيجابية.

حتى من نسبت إليه الصفقة وهو الطرف الاسرائيلي، كاد أن يرفضها، لولا ما تبع ذلك تصريحات متتالية من الإدارة بأن هذه الصفقة موافق عليها إسرائيلياً، و تحرك الشارع الاسرائيلي الضاغط على الحكومة لقبولها.

هذه هي المرة الأولى في التاريخ، يحصل أن يتقدم طرف بخطة ويعلن عنها طرف آخر، ثم يقوم الطرف الأول بإنكار علاقته بها.

ما هي الحقيقة إذاً؟

من الصعب معرفة ما جرى بالضبط ، خصوصاً في ظل التكتم الشديد الذي تحرص الإدارة الاميركية على فرضه في الوقت الحالي. فهي لم تقدم أي معلومات عن الجهة الاسرائيلية التي تقدمت بهذه الخطة. هل هو نتنياهو؟ أم الوفد المفاوض عنه؟ أم جاءت بنود هذه الصفقة نتيجة تواصل ما بين الإدارة و نتنياهو شخصيًا ؟

الطرفان نتنياهو وبايدن لا يريدان تقديم أي معلومات إضافية عن ذلك، مما يرجح أن نتنياهو كان بطريقة أو بأخرى موافقاً على ما ورد فيها، لكنه لم يكن يرغب أو يظن بأنها سوف تخرج للعلن بالطريقة التي أعلن عنها الرئيس الأميركي، حيث ذكرت مصادر اسرائيلية وأمريكية أن مكاتب نتنياهو وهيرتسوغ وغانتس وغالانت أعلمت بالمؤتمر قبل حصوله بثلاث ساعات فقط. أعتقد أن نتنياهو وافق على تلك الخارطة تحت الضغط الشديد، من المعروف أن نتنياهو لا يريد وقف الحرب حتى موعد الانتخابات الأميركية، وبايدن في المقابل يريد هدوءا حتى موعد الانتخابات الأميركية لما لهذه الحرب من تأثير على حظوظه في الفوز.

من المرجح أن يكون نتنياهو ظن أنه يمكن أن يراوغ في القبول معتمداً على رفض المقاومة الفلسطينية للمقترح، ولن يعلم أحد في حكومته في هذه الحال بأنه وافق عليها.

الأمر الذي لم يحسب حسابه، هو أن يعلن الرئيس الأميركي عن الخطة على رؤوس الأشهاد، وأن ينسبها الى إسرائيل، وقد بدت المسألة في حينه بمنتهى الغرابة، لكن سير الأمور بعد ذلك بدأ يجلي  الغموض رويداً رويداً عن سبب هذا الإجراء.

بايدن ولعلمه بما يخطط له نتنياهو من استمرار الحرب لأطول فترة ممكنة، وكما صرح أحد أفراد حكومته، أن الأمر قد يتطلب سبعة شهور أخرى، أي لما بعد الانتخابات الاميركية، أراد إحراج نتنياهو ليس فقط في عرض الخطة وإنما بالإعلان عنها كخطة اسرائيلية حتى يحد من إمكانياته في الالتفاف عليها.

الإدارة الاميركية أصبحت تدرك تمامًا أن هذه الحرب عاجزة تماماً عن تحقيق (النصر المطلق) الذي يتحدث عنه نتنياهو، ولا حتى أي نوع من أنواع النصر. في الحقيقة ورغم القتل والدمار الذي أحدثته آلة الحرب الاسرائيلية وحجم الكارثة التي لم يشهد لها العالم مثيلاً منذ الحرب الكونية الثانية، فإن التغييرات التي طرأت على مستوى العالم، بما فيها الولايات المتحدة تعمق أزمة المشروع الصهيوني، وتضعه هو وحلفاؤه في عزلة عن العالم بأجمعه، على كل المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية. لذلك تحاول الادارة انقاذ نفسها والمشروع الصهيوني أيضاً من نزعات نتنياهو الفردية، بالالتفاف على الموضوع برمته، من خلال تحقيق إنجازات عجزت الآلة الحربية عن تحقيقها، من خلال مشاريع تسويات سياسية، وايجاد بدائل محلية واقليمية للقيام بالمهمة، ومن ثم متابعة عملية التطبيع مع السعودية، ولو كان ذلك باتفاق بالأحرف الاولى قبيل الانتخابات في نوفمبر المقبل.

نتنياهو من ناحيته يحاول انقاذ حكومته، وفي نفس الوقت الإفلات من ورطة الصفقة، فهو يحاول الخروج من هذا الوضع، بأن يظهر موافقته على المقترح، ويعمل في نفس الوقت على إفشاله في مرحلته الأولى أو الثانية على أبعد تقدير، لكنه لا يستطيع مصارحة حليفه بن غڤير بذلك، خوفاً من أن يسرب مضمون الخطة للإعلام، وهو معروف بعنجهيته وحماقته، لذلك خرج بن غڤير غاضباً بعد اجتماعه بنتنياهو قائلاً أن الأخير رفض تقديم تفاصيل الخطة له.

على الجانب الآخر، يبدو أن المفاوض الفلسطيني في وضع أفضل، ورغم أن ما رشح من معلومات حول الصفقة المغطاة، لا يلبي ما يتطلع له الفلسطينيون بعد كل ذلك، إلا أن الوضع القائم يحتم عليه أن لا يأتي  الرفض من الجانب الفلسطيني، إنما ترك الأمر نتنياهو ليقوم بذلك، لأن العرض رغم قصوره لا يحقق لنتنياهو ما يريد، ولأن هذا من شأنه تسعير الخلاف بين الأطراف على الجانب الآخر، ووضع مزيد من الضغوط عليهم.

* كاتب صحفي فلسطيني مقيم في أمريكا.