محمود شقير... منكَ حاولت أن أتعلّم

2024-06-02

| سميح محسن *

عندما يقول أحدنا: "عشت في زمن فلان" فإنّ لهذه الجملة من الكلام دلالتها، فهي تحملُ العديد من المعاني الجميلة والحميدة، ففيها دلالة على أهمية المعني بالقول، ودوره الهام والمؤثر في الفضاء الذي اختاره لأن يكون فيه، كما وتحمل معنى الفخار للقائل بأنه عاصر زمن هذا الرجل، أو تلك المرأة. وليس بالضرورة أن تكون تلك المعاصَرة قد خلقت ظروفًا لمعرفة مباشرة بين القائل وبين المكتوب عنه، ولكن إن تَحقَّقَت هذه الظروف يحمل الكلام معنى آخر.

ما هي مناسبة هذا القول اليوم؟

في الأول من حزيران (يونيو) كتب الكاتب الكبير محمود شقير على صفحته على (الفيسبوك) أنّه تمّ إبلاغه بحصوله على جائزة فلسطين العالمية للآداب للعام 2023، وفور إعلانه عن ذلك تزيّنت صفحات التواصل الاجتماعي بالتهنئة والتبريك له على هذا الفوز من رفاقه وأصدقائه وقرائه ومحبيه، وبشكل لافت. دلالة ذلك أنّه واحد من كتّابنا القلائل الذين يحظون بحالة إجماع عليه من الوسط الثقافي، واحترام وتقدير من هذا الوسط، ومن قرائه أيضًا، وهذه الحالة لم تأتِ من فراغ بالتأكيد.

أن تعرف كاتبا ما من خلال إبداعه الأدبي غير أن تعرفه معرفة مباشرة. في حالات كثيرة كتب كثيرون عن صدمتهم بِكُتّابِهم المفضلين حيث اكتشفوا أنّ هناك بونا شاسعًا بين الشخصيتين (الكاتب والإنسان)؛ وذهبوا للقول بأنّ هناك تناقضًا بين الكاتب وسلوكه، وبالتالي قد لا تكون هذه المعرفة أحيانًا في ميزان حسنات الكاتب، كما يقول أحد الأصدقاء. والعكس صحيح تمامًا، فإنّ المعرفة الشخصية بين القارئ والكاتب تعزّز من صورة الثاني في ذهن الأول.

أنا الم أعش في زمن محمود شقير فحسب، بل عشنا فترة من الزمن معًا.

بعد عودته إلى القدس عام 1993، ترأس الرفيق محمود شقير تحرير أسبوعية (الطليعة) المقدسية، وكنت آنذاك أعمل فيها. قبل ذلك كنت أعرفه كاتب قصة قصيرة، ورفيق حزب، ومناضلا سياسيًا أُبعِدَ قسرا عن مدينته التي غاب عنها ثمانية عشر عامًا، ولم تغب لحظة عنه. لم يحالفني الحظ أن ألتقي به قبل ذلك العام. وخلال تلك الفترة، ومن خلال الاحتكاك اليومي بيننا، بدأت باكتشاف هذه الشخصية النادرة، وحاولت التعلّم من سلوكها، قبل فكرها الذي جمعنا.

مَن يعرف (أبا خالد) عن قرب يلمس فيه تلك الشخصية المتواضعة، القريبة من القلب والضمير. إن سمة التواضع الحقيقية والمتأصلة فيه ترفع من شأنه، فهو لا يضع حواجز مصطنعة بينه وبين الآخرين، ولعل أسلوبه في هذا التعامل مع رفاقه، وأصدقائه، وزملائه في العمل (سابقًا) وقرائه ومريديه، جعل منه شخصية إجماع مِنْ قِبَلِ كلّ من يعرفه.

عندما عملنا معًا في أسبوعية (الطليعة) كرئيس (هو) ومرؤوس (أنا وباقي الرفاق) لم يكن يشعرنا بذلك، وكان منخرطَا معنا في تفاصيل العمل كافة، وفي تفاصيل يومنا الذي لم يكن مُكَرَّسًا للعمل الرسمي فقط، ولم يكن يشعرنا بأيّ فارق وظيفيّ بيننا وبينه، وفي المقابل كنّا نقوم بتنفيذ الواجبات المطلوبة منّا في محاولة منّا لإعفائه من مراجعتنا لأيِّ سبب من أسباب التقصير. إن هذا الأسلوب الديمقراطي في التعامل معنا لم يقتصر علينا نحن رفاقه وحسب، بل كان أسلوبه الذي يسلكه مع الجميع، حتى مع المختلفين معه في الرأي، دون التنازل عن الفكر الذي تبناه منذ سنوات شبابه، وما يزال.

هناك سمةٌ أخرى يلمسها القارئ في شخصية محمود شقير الكاتب، وهي الصدق فيما يكتب، إلى درجة الظنّ بأنّ هناك عفوية مطلقة في كتاباته، دون المساس بأكثر شروط الكتابة تشدّدًا. عندما نقرأ الأعمال الروائية له نشعر بأنّه يكتب عن شخصيات واقعية كأنّ بينه وبينها معرفة تامّة إلى درجة قد نحكم عليها بأنّها ليست من صنيعة الخيال.

ليست هذه مقالة عن محمود شقير، الرفيق والصديق والأستاذ، وليست عنه الكاتب متعدد المواهب، والمجدّد فيما يكتب، وليست عنه المناضل الوطني والتقدمي العنيد في ساحة النضال الوطني، وليست عنه كعاشق لمدينته التي تسكنه، سواءا سكن فيها أو أُبعدَ عنها قسرًا، وليست عنه كإنسان قبل كلّ ذلك وبعده، بل هي تهنئة له بمنحه هذه الجائزة، وكلّ جائزة تُمنَح له، يشكّل أسمه معنى آخر لها.

وليست جائزة فلسطين العالمية للآداب هي الجائزة الوحيدة التي استحقها محمود شقير، بل سبق وأن حاز على جائزة محمود درويش للحرية والإبداع 2011؛ وجائزة القدس للثقافة والإبداع 2015؛ وجائزة دولة فلسطين في الآداب  2019.

مبارك لك ولنا ولفلسطين هذه الجائزة، رفيقي وأستاذي محمود شقير الذي أفتخر بأنني عشت في زمنه، بل عشنا معا.

* شاعر وكاتب فلسطيني.