الاونـروا تـحـتـرق أمـام أعـيـنـنـا

2024-05-31

| سامي المشعشع 

شلل رسمي وشعبي وديبلوماسي فلسطيني لمساندتها وانقاذها.

عملية طرد الوكالة من مقر الرئاسة في القدس وقانون اعلان الاونروا مؤسسة إرهابية كدلالة على مسار تحطيم حق العودة.

وكالة الغوث الدولية (الاونروا) لن تستطيع انقاذ دورها ومكانتها وفعلها، فهى تفتقر للأدوات اللازمة وهى مكبلة بالكامل بسياسات الدول المتبرعة والمضيفة والتي تهندس دورها لما فيه مصلحة كل دولة من هذه الدول تحت بعبع "التوطين" الذي يخيف بعضهم ويشيطن اللاجىء الفلسطيني الهادف لابتلاع اوطانهم! وتحت شبح العودة وممارسة حق تقرير المصير على مساحة فلسطين التاريخية، وهو الشبح الأكبر الذي يطارد عديد الدول المتبرعة  للأونروا من غلاة الداعمين لدولة الكيان. اما الأمين العام للأمم المتحدة فلا حول له ولا قوة وتركيبة المؤسسة الدولية لا تسمح له ولا لها الخروج من دائرة "القلق" و"الفزع" تعبيرا عن محاولات انهاء الاونروا المحمومة واضعافها وتفكيكها وتجويعها ماليا، فلا أدوات فعالة بين يديه. ولنتفق هنا ان لا حاجة لإضاعة مداد حبر عن أي دور دفاعا عمليا عن الاونروا من قبل جامعة الدول العربية المتهالكة الخرقاء او منظمة التعاون الإسلامي الجوفاء مثلا والحقوا بهما ما طاب لكم من المؤسسات الإقليمية او الدولية عديمة التأثير.

ان هدف اضعاف الاونروا بغرض إلغاء وجودها كاملة لم يكن يوما ما هدفا إسرائيليا مرحليا لا بل انه هدفا إستراتيجيًا بامتياز يمهد لهم الطريق نحو توجههم الأساس بالقضاء على حق العودة مستقبلا وبدون رجعة. ولا ضير هنا - بل من الضروري - الإشارة الى الخطوات والتصريحات المرحلية التي تمت والهادفة لإنهاء حضور ودور الوكالة في القدس، وتلجيم دورها في غزة حاليا وتهميشه لابعد حدود ممكنة في ما يسمى خبثا "مرحلة ما بعد الحرب على غزة" ، وقص اظافر المؤسسة وتحويل بعض من خدماتها للسلطة الفلسطينية ومؤسسات اممية ومحلية بديلة عاملة في الضفة الغربية وإعادة هندسة دورها في أقاليم عملياتها الثلاث خارج فلسطين (الأردن وسوريا ولبنان) تحت يافطة التوطين وتحفيز الشباب الفلسطيني اللاجىء في هذه الأقاليم للهجرة لبلد ثالث كما يحصل بالفعل منذ سنوات. رافق كل ذلك.

ومنذ اليوم الأول بعد توقيع اتفاقية أوسلو، جهود إسرائيلية مهولة لكى الوعى الفلسطيني والعربي ضمن مسار التطبيع والذى كانت احدى اهم تجلياته إعادة صياغة المناهج التعليمية الفلسطينية وبعض العربية (وانظر مؤخرا وعلى سبيل المثال التغييرات التي تم إدخالها على المنهاج التعليمي السعودي) لتدجين الجيل الصاعد وما رافقه، على الأقل داخل السبعمائة مدرسة تابعة للأونروا وعبر ٢٢ الف معلم ومعلمة، من إقحام قصري لتعليم منهاج "حقوق الانسان" وهو مساق تعليمي ظاهره بريئ جميل وباطنه خبيث (وهو حديث لمقام اخر).

التطورات المتسارعة ضد الاونروا منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ كلها تشير للنية المبيتة ضد الاونروا وملف حق العودة للاجئين. التطورين الاخرين خلال الأسبوع الماضي لهما دلالات ومآلات خطيرة للغاية. التطور ذات البعد الإعلاني والإعلامي تمثل بتوجيه وزير إسكان دولة الكيان تعليماته للأونروا بضرورة اخلاء مقر رئاسة الاونروا في الشيخ جراح/القدس، والذي شغلته منذ عقود طوال -وهو مقام على أراض محتلة- خلال ٣٠ يوم وتدمير ما على ذات الأرض من منشآت (مكاتب الرئاسة ومكاتب الإدارة الإقليمية للضفة الغربية ومخازن المساعدات الغذائية وغيرها) ودفع ٧مليون دولار لحكومة الكيان بدل استخدام "أراض حكومية" وانتهاك شروط التأجير لموقع تم تصنيفه اعتباطا كذلك منذ العام ٢٠٠٦ . وكل ذلك عقابا للأونروا بسبب تورطها "بالهجمات الإرهابية في السابع من أكتوبر" حسب ادعاء وزير إسكان الكيان!!

 أما التطور الأكثر خطورة وأثرا هو إقرار الهيئة العامة للكنيست الإسرائيلي يوم الأربعاء ٢٩ أيار لثلاثة قوانين متشابهة المضمون والهدف والمتمثلة بإلغاء الحصانة الممنوحة للأونروا حسب اتفاقية كوماي – مكليمور للعام ١٩٦٧ والموقعة من قبل حكومة الكيان والاونروا وإعلان المؤسسة منظمة "إرهابية" ومنعها من العمل في القدس. القرار التمهيدي للقوانين الثلاث - والذي سيتبعه قراءات ثلاث ليصبح قانونا ناجزا- حصل على دعم الأحزاب الصهيونية المنضوية داخل التوليفة الحكومية وأحزاب المعارضة وحاز على اغلبية في التصويت. إقرار القانون، حتى لو تأخر تطبيقه لاعتبارات سياسية وديبلوماسية، هو أوضح تجلى لنية حرق الاونروا وبيان للعامة ان هدف انهاء الاونروا قد وصل لمراحل متقدمة وعملياتي.

وقد سبق هذين التطورين إجراءات وخطوات كثيرة لذات الهدف ومنها مثلا قرار الولايات المتحدة وقف دعمها المالي للأونروا لهذا العام تحت ادعاءات باطلة بان ١٢ من عامليها شاركوا بهجمات ٧ أكتوبر وهى اتهامات تثبت كذبها. تزامن ذلك مع لجان تحقيق تهدف "لإصلاح" المؤسسة ومحاولات فاضحة لتقنين الدعم المالي لها وابقاءه على حد الكفاف وزيادة الضغوط على عاملي الاونروا تحت سيف "الحيادية" المسلط على رؤوسهم لإخراسهم وتكميم أفواههم، ومحاولات خلق جسم تنفيذي يشرف على عمل الاونروا بهدف اضعاف مرجعية الاونروا سياسيا وقانونيا للجمعية العمومية للأمم المتحدة وغيرها من الخطوات.

وترافق كل ذلك مع محاولات حقيقية لإيجاد بدائل للأونروا في غزة، ومنعها من العمل في شمال غزة، ومنع مفوضها العام من دخول القطاع وعدم إعطاء تأشيرات عمل له ولكبار موظفي الوكالة ومنع المستوطنين مرور شاحنات المساعدات الغذائية والدوائية وحرقها ونهبها ومحاولة حرق مقر رئاستها في القدس المحتلة بالإضافة لقصف عشرات مقار الوكالة في غزة خلا حري الإبادة المستمرة واستشهاد الكثيرين منهم داخل هذه المقرات واستشهاد اكثر من ١٩٢ موظف أممي فلسطيني يعملون لديها.

الاونروا كذلك، وفي بعض من قرارتها وبعض من تصريحاتها وتأخر ردها للتجاوزات بحقها، أساءت لنفسها وأضعفت ذاتها بذاتها. الفتوى الغريبة في توقيتها ومضمونها والذى اتحفتنا به مؤخرا نائب المفوض العام للأونروا هي دليل حديث وفاقع على ذلك سبقه عدة هفوات وزلات خطيرة. فتواها المفاجئة حول إمكانية "انتقال خدمات الاونروا الى إدارة فلسطينية في حال الاعتراف الدولي بدولة فلسطينية" هو تصريح أخرق ودس للسم في العسل ومحاولة التفاف غير موفقة على ولاية الاونروا ونص إنشاءها غير المرتبط بما يسمى حل الدولتين، وهو تصريح انتهازي لركوب موجة الإعلانات الأخيرة المعترفة بدولة فلسطين أيا كانت. ومثال آخر يتمثل في تأخر المفوض العام الدعوة لتشكيل لجنة تحقيق فورية ومستقلة بمقتل ١٩٢ من زملاءه وتدمير العشرات من مقار الاونروا.

هذا كان مطلبا ملحا منذ شهور والان بدأت الدعوة الواضحة له والمتأخرة كثيرا من قبل المفوض مقارنة بالسرعة الضوئية الذي فصل فيها ١٢ موظف يعملون معه قبل ان تثبت ادانتهم لمجرد ادعاءات باطلة بحقهم من طرف الكيان ثبت بطلانها وكذبها.

الأونروا تحتضر وسيق الكثير من الخطوات والاقتراحات للدفاع عنها وتحصينها ولكن تبقى الصدمة الأكبر هو غياب الرد الفاعل والعمل الجاد والفوري والجهد الفلسطيني الرسمي والشعبي والقانوني والسياسي والديبلوماسي المركز.

انه غياب فاضح ومؤلم ومفجع.

لم يتخطى العمل الفلسطيني انقاذا للأونروا وذودا عن حق العودة وحقوق اللاجئين الأخرى حدود اللطم والإدانة والقلق والفزع والخطابة. السؤال لنا جمعيا برسم الإجابة ونحن نرى سفينة الاونروا تغرق امام ناظرينا: متى سنتحرك؟