هل يمكن أن تضع النكبة الغزية الشعب الفلسطيني على سكة التحرر؟ - تأليف: ماهر الشريف

2024-05-30

سنة النشر: 2024 - اللغة: عربي - عدد الصفحات: 13

هل هذا الفصل من النكبة المستمرة الذي نشهده اليوم في قطاع غزة يمكن أن يفضي إلى وضع الشعب الفلسطيني على طريق التحرر، أو على الأقل يفتح أفقاً لتحقيق ذلك؟ هذا هو السؤال الرئيسي الذي سأحاول الإجابة عنه في هذه الورقة.

ولفعل ذلك، سأتوقف عند معطيات سياسية تزكّي سيناريو أن يكون هذا الفصل من النكبة، على الرغم من مأساته، فاتحة لوضع الشعب الفلسطيني على طريق التحرر، وعند معطيات سياسية أُخرى لا تزكّي هذا السيناريو. وكما هو معروف، فإن عملية رسم السيناريوهات تنطلق من الإقرار بأن المستقبل معقّد ويمكن أن ينطوي على نتائج غير متوقعة.

لكن قبل ذلك، سألقي ضوءاً على هذا الفصل الجديد من النكبة الفلسطينية المستمرة، التي نجمت عن حرب الإبادة التي تشنها حكومة بنيامين نتنياهو منذ أكثر من سبعة أشهر على قطاع غزة، جاعلة القطاع المنكوب منطقة غير قابلة للحياة في المستقبل المنظور. ولم يبقَ، كي يتكرّس هذا الفصل من فصول النكبة، ويدخل التاريخ بصفته شبيهاً بالفصل الذي شهده الفلسطينيون في سنة 1948، سوى أن تنجح حكومة الحرب الإسرائيلية في تحقيق مشاريعها الرامية إلى تهجير سكان قطاع غزة، أو القسم الأكبر منهم، خارج أرض وطنهم.

فعلى الرغم من أن تهجير الفلسطينيين من وطنهم كان يبدو، قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، أمراً من الصعب تصوّره، فإن الحرب الإسرائيلية أظهرت أن هناك مشاريع رسمية قد وُضعت، وجهوداً تبذل لتحقيقها. وقد برزت أولى تجليات مشاريع تهجير سكان القطاع في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بالترافق مع مطالبة الجيش الإسرائيلي سكان المناطق الشمالية كي ينزحوا نحو الجنوب في اتجاه الحدود المصرية، في وثيقة أصدرتها وزارة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، كان ضمن الخيارات الثلاثة التي طرحتها للتعامل مع سكان القطاع، خيار إجلائهم إلى صحراء سيناء.[1] وفي 28 كانون الثاني/يناير 2024، التأم في قاعة المؤتمرات الدولية في مدينة القدس، مؤتمر: "الاستيطان يحقق الأمن والنصر"، الذي ضم نحو خمسة آلاف إسرائيلي وإسرائيلية، وشارك فيه أحد عشر وزيراً من حكومة بنيامين نتنياهو، يمثلون أربعة أحزاب هي: حزب الصهيونية الدينية، وحزب قوة يهودية، وحزب الليكود، وحزب يهودات هاتوراه، فضلاً عن 15 نائباً في الكنيست، وعدد من الحاخامات من مؤيدي الاستيطان. وقد أكدت الكلمات التي ألقيت في ذلك المؤتمر أن الترانسفير هو الذي يجلب "السلام" لإسرائيل، وأن إعادة بناء المستوطنات في قطاع غزة، التي جرى تفكيكها في سنة 2005، هو الذي سيضمن "أمنها".[2]

أمام ردات الفعل العربية والدولية المحذرة من عواقب خطط تهجير الفلسطينيين قسراً، صار الحديث يدور عن "الهجرة الطوعية" للفلسطينيين، إذ نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن بنيامين نتنياهو قوله، خلال اجتماع لنواب حزب الليكود في الكنيست، "إنه يعمل على تسهيل الهجرة الطوعية لسكان غزة إلى دول أُخرى، لكنه يواجه صعوبة في العثور على دول مستعدة للترحيب بهم"، بينما أعلنت وزيرة الاستخبارات جيلا غامليل، في مؤتمر تم تنظيمه في الكنيست لبحث مستقبل قطاع غزة، أنه "في نهاية الحرب، ستنهار حكومة حماس، ولن توجد سلطات بلدية، وسيعتمد السكان المدنيون بصورة كاملة على المساعدات الإنسانية، ولن يكون هناك عمل و60 % من الأراضي الزراعية في غزة ستصبح مناطق عازلة بسبب الضرورات الأمنية"، وأضافت أن الذين سيبقون في القطاع سيكونون محاصرين، إذ ستقوم إسرائيل بقطع جميع علاقاتها مع غزة وتوسيع المنطقة العازلة لضمان أمنها، كما ستسيطر على ممر فيلادلفيا على الحدود بين مصر وغزة، لتخلص إلى أن "مشكلة غزة ليست مشكلتنا فقط، ويتوجب على العالم أن يدعم الهجرة الإنسانية لأنها الحل الوحيد الذي أعرفه."[3]

وكانت قد وردت أنباء، منذ كانون الثاني/يناير 2024، تفيد بقيام الحكومة الإسرائيلية بإجراء مفاوضات مع ثلاث دول أفريقية، هي الكونغو الديمقراطية ورواندا وتشاد، لإقناعها باستقبال عشرات آلاف الفلسطينيين، ووعدتها بمساعدات مالية وعسكرية مقابل الترحيب بالفلسطينيين في أراضيها.[4] ومنذ شباط/فبراير 2024، ومع تزايد الحديث عن الغزو البري الإسرائيلي لمحافظة رفح، عاد شبح تهجير فلسطينيي القطاع إلى صحراء سيناء يلوح في الأفق من جديد، ووردت أنباء مؤخراً تفيد بأن السلطات المصرية قامت برعاية تشكيل اتحاد للقبائل العربية في صحراء سيناء، أُعلن عنه في الأول من أيار/مايو 2024، وضم خمس قبائل بدوية، برئاسة رجل الأعمال وزعيم قبيلة الترابين إبراهيم العرجاني، وذلك لدعم القوات المسلحة المصرية إزاء التهديدات الأمنية التي يمكن أن تواجهها، وتحسباً لحدوث هجرات جماعية للفلسطينيين نحو سيناء، بعد قيام إسرائيل باجتياح رفح، يمكن أن تشمل ما بين 50,000 إلى 250,000 فلسطيني.[5] ومن ناحية أُخرى، أثار المشروع الذي أعلنه الرئيس جو بايدن، في خطابه أمام الكونغرس في 7 آذار/مارس 2024، بشأن إقامة ميناء عائم على شواطئ غزة بذريعة توصيل المساعدات الإنسانية، شكوكاً من أن يكون ضمن أهداف هذا المشروع تسهيل هجرة الغزيين الطوعية إلى الخارج وتمكين إسرائيل من إغلاق الحدود مع مصر بصورة كاملة.[6]

ومنذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، برز شبح التهجير في الضفة الغربية كذلك، حيث تزايدت الغارات القاتلة التي ينفذها المستوطنون، الذين وزع عليهم وزير الأمن إيتمار بن غفير عشرات الآلاف من قطع السلاح، والذين نجحوا في تهجير المئات من رعاة الأغنام والسكان البدو في غور الأردن وفي المناطق الجبلية المحيطة بمدينتَي الخليل ورام الله، بينما يمارس جيش الاحتلال في المخيمات الفلسطينية الممارسات نفسها التي يمارسها في قطاع غزة، إذ هو لا يستهدف مقاتلي الكتائب المسلحة الناشطة فيها فحسب، بل يستهدف كذلك بناها التحتية ومقومات حياة سكانها المدنيين، كي يجعلها أماكن غير صالحة للعيش على طريق تصفيتها وتهجير قاطنيها.[7] والواقع أن سيناريو التهجير يبقى محتملاً، ما دام هناك احتلال إسرائيلي، بصورة كاملة أو جزئية، لقطاع غزة، وما دام هذا الاحتلال يستمر في القضاء على مقومات حياة الفلسطينيين. وفي هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى أن عدداً من وزراء الحكومة الإسرائيلية لا يزال يؤكد، إلى اليوم، أن الحل النهائي لمعضلة قطاع غزة يكمن في تهجير سكانه وإعادة الاستيطان إليه، كما أن رئيسها لا يزال يعلن، صراحة، أن إسرائيل يجب أن تبقى مسيطرة أمنياً على القطاع لفترة من الزمن على الأقل. من الصحيح أن فلسطينيي القطاع أثبتوا حتى الآن، على الرغم من ويلات الحرب ومن عمليات النزوح الداخلي الواسعة التي تعرضوا لها، تمسكهم بأرضهم ورفضهم تكرار تجربة سنة 1948، بينما أبدت الحكومتان المصرية والأردنية معارضة شديدة للمشاريع الإسرائيلية الرامية إلى تهجير الفلسطينيين، فضلاً عن الموقف الحازم الذي يقفه المجتمع الدولي في معارضتها، لكن هذا لا ينفي أن احتمال تحقق هذا السيناريو يبقى وارداً.

معطيات سياسية تزكّي وضع الشعب الفلسطيني على سكة التحرر

على الرغم من قساوة هذا الفصل الجديد من فصول النكبة، والذي يمكن أن يكرّسه نجاح مشاريع التهجير، فإن هناك معطيات سياسية عديدة قد تزكّي سيناريو وضع الشعب الفلسطيني على سكة التحرر أو على الأقل تفتح أفقاً لتحقيق ذلك، أولها فشل حكومة الحرب الإسرائيلية في القضاء على المقاومة، وثانيها عودة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي وتزايد عزلة إسرائيل الدولية، وثالثها الحاجة إلى إيجاد حل للصراع كي لا تتوسع المواجهة في المنطقة، وكي تتحقق مشاريع التكامل بين دول الإقليم، ورابعها تزايد الحديث عن "حل الدولتين".

أ- الفشل في القضاء على المقاومة

وضعت الحرب على قطاع غزة إسرائيل أمام مأزق كبير، ذلك بأن الجيش الإسرائيلي لم يحقق، بعد أكثر من سبعة أشهر، "النصر الكامل" الذي وعد به بنيامين نتنياهو. صحيح أن حركة "حماس" وفصائل المقاومة الأُخرى تعرضت لضربات شديدة ولحقت بها خسائر كبيرة، لكنها واصلت عمليات المقاومة، وعاد المقاتلون الفلسطينيون إلى الظهور حتى في شمال قطاع غزة ووسطه، في المناطق التي من المفترض أن الجيش الإسرائيلي قام بـ "تطهيرها" منذ أسابيع طويلة. وكما قدّر الكاتب الأميركي آدم شاتز، فإن من الصعب تصفية حركة "حماس"، التي هي "جزء من المشهد السياسي الفلسطيني وتتغذى من اليأس الناتج من الاحتلال"، وذلك قبل أن يتساءل: "هل يعتقد بنيامين نتنياهو أنه قادر على إجبار الفلسطينيين على تسليم أسلحتهم أو التخلي عن طموحهم إلى إقامة دولة عن طريق قصفهم وإخضاعهم؟"، وأجاب بأنه "سبق أن تمت تجربة ذلك، وأكثر من مرة، وكانت النتيجة الثابتة ظهور جيل جديد من الناشطين الفلسطينيين الأكثر تمرداً."[8]

ب- عودة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي

بعد سنوات من تهميش القضية الفلسطينية، وتركيز الاهتمام على تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل، وهو ما ترافق مع مشاريع إدماج إسرائيل في الإقليم وتعزيز التكامل، المتعدد الأبعاد، بين دوله، وخصوصاً مشروع ربط الاتحاد الأوروبي ودول الشرق الأوسط والهند بشبكة من السكك الحديدية والطرق البحرية، الذي تمّ إقراره، بصورة مبدئية، في قمة "دول العشرين" التي انعقدت في مدينة نيودلهي في التاسع من أيلول/سبتمبر 2023، ساهمت عملية "طوفان الأقصى"، والحرب الإسرائيلية التي استتبعتها، في إعادة القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي، ومثّلت فلسطين "خط الصدع" بين الغرب عموماً وقسم كبير من الجنوب العالمي الذي ينتقد بشدة سياسة "المعايير المزدوجة" التي تنتهجها الدول الغربية، وأصبحت دول مثل روسيا والصين وتركيا وإيران والبرازيل أكثر إصراراً على فرض قواعد جديدة للنظام العالمي. وتسعى موسكو وبكين، بصورة خاصة، إلى البروز بصفتهما المعبّرتين عن هذه الدول الصاعدة، وتدعوان إلى وقف دائم لإطلاق النار في غزة، والتوصل إلى تسوية سياسية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي على قاعدة قيام دولة فلسطينية مستقلة. وفي جميع أنحاء العالم، تُنظَّم تظاهرات حاشدة ترتفع فيها أصوات التنديد بحرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، وتعرف الجامعات في العديد من الدول الغربية، وخصوصاً في الولايات المتحدة، حركات تضامنية مع الشعب الفلسطيني لم تعرف مثيلاً لها ربما منذ الحرب الأميركية على فيتنام، بينما تشهد إسرائيل عزلة دولية خانقة لا سابق لها، وصارت تخضع للملاحقة القضائية من قبل محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية.[9]

ج- الخشية من انفجار الأوضاع في الإقليم

كانت الولايات المتحدة الأميركية تأمل في فك ارتباطها بالشرق الأوسط كي تتمكن من تركيز طاقاتها ومواردها على المنافسة مع الصين. بيد أن حرب إسرائيل الحالية أجبرتها على الانخراط بصورة مباشرة في هذه الحرب، وذلك دعماً لإسرائيل وتخوفاً من تحوّل الحرب الدائرة في قطاع غزة إلى حرب شاملة في الشرق الأوسط، وخصوصاً بعد بروز جبهات مساندة للمقاومة في غزة في كل من لبنان واليمن والعراق، ثم بعد قيام إيران، التي كانت تتجنب التورط المباشر في الصراع في الإقليم، وتكتفي بدعم حلفائها المحليين، بشن هجومها الجوي الواسع على إسرائيل ليلة 13 -14 نيسان/أبريل 2024، مع استمرارها، بعد انسحاب إدارة دونالد ترامب، في سنة 2018، من اتفاق فيينا النووي الموقع معها، في عمليات تخصيب اليورانيوم، بحيث باتت على عتبة امتلاك القنبلة النووية عندما يصدر قرار سياسي بذلك. ومع أن إسرائيل ردت عسكرياً على ذلك الهجوم الإيراني، إلاّ إن ردها كان محدوداً ولم تعلن مسؤوليتها عنه، جراء التدخل الأميركي الذي لا يريد توسيع المواجهة العسكرية في الإقليم.[10]

ويبدو أن إدارة جو بايدن باتت مقتنعة بأن ردع إيران، والحؤول دون وقوع حرب شاملة في الشرق الأوسط، باتا يتطلبان إقامة ما تسميه بـ "محور الاستقرار" الذي يجمع عدداً من الدول العربية وإسرائيل، ويقوم على قاعدة بناء دفاع جوي وصاروخي متكامل وتعزيز الأمن البحري فيما بينها، وهو مشروع يتطلب إيجاد حل سياسي للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.

د- عودة "حل الدولتين" إلى مركز الاهتمام الدولي

في نطاق البحث عن حل سياسي للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، عاد خيار "حل الدولتين" إلى مركز الاهتمام الدولي، وراحت فكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية تكتسب شعبية، بصورة تدريجية، بين الدول الغربية، وخصوصاً في أوروبا، حيث ظهرت إسبانيا بصفتها الدولة الأكثر تأييداً لهذه الفكرة، وشجع موقفها دولاً أوروبية أُخرى، مثل إيرلندا والنرويج ومالطا وسلوفينيا على إبداء الرغبة في الاعتراف بالدولة الفلسطينية في الوقت الملائم. ومع أن هذا الاعتراف هو قرار سياسي ينطوي على دلالات رمزية، إلاّ إنه يدعم نضال الفلسطينيين من أجل الاستقلال الوطني.[11].

وفي العاشر من أيار/مايو الجاري، تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يوصي مجلس الأمن بأن يعيد النظر بصورة إيجابية في مسألة قبول دولة فلسطين بصفتها دولة كاملة العضوية في هيئة الأمم المتحدة، وذلك بتأييد 143 دولة ومعارضة 9 دول فقط. وتعليقاً على هذا القرار، أكد رئيس الجمعية العامة الدبلوماسي من جمهورية ترينيداد وتوباغو دينيس فرنسيس "أن الأحداث المروعة خلال الأشهر السبعة الفائتة سرّعت الحاجة إلى التوصل إلى حل سلمي عادل وشامل ودائم للصراع في الشرق الأوسط، وأن الطريق الوحيد لتحقيق ذلك يمر عبر حل الدولتين."[12].

ومن ناحية أُخرى، صارت إدارة الرئيس جو بايدن تركّز على "حل الدولتين" هذا باعتباره الحل المعقول لوضع حد لاستمرار الصراع؛ فهذه الإدارة التي كانت تعتبر، قبل عملية "طوفان الأقصى"، أن الظروف غير ملائمة للبحث في "حل الدولتين"، والتي انخرطت كشريك مباشر في الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، صارت تواجه معارضة متنامية لدعمها غير المشروط لإسرائيل من قطاعات واسعة من الشعب الأميركي، وخصوصاً من طلاب الجامعات وقطاع الشباب وداخل الحزب الديمقراطي نفسه، الأمر الذي دفعها، حرصاً على حظوظها في انتخابات الرئاسة القادمة، إلى التأكيد أن الإسرائيليين لن يكونوا قادرين على العيش في سلام وأمن، وتسريع عملية التطبيع بين إسرائيل والدول العربية، بما فيها السعودية، وتشكيل حلف إقليمي في مواجهة إيران، من دون توفير أفق سياسي للفلسطينيين، وأن أفضل الطرق لذلك كامن في "حل الدولتين"، الذي يضمن إنشاء دولة فلسطينية، يمر التوصل إليها عبر توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة تحت حكم سلطة فلسطينية "متجددة".

وفي 15 شباط/فبراير الفائت، كشفت صحيفة "واشنطن بوست" أن إدارة جو بايدن تعمل فعلاً مع عدد من الدول العربية، في إطار مساعيها الرامية إلى التوصل إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة والإفراج عن المحتجزين لدى حركة "حماس"، على "وضع خطة تفصيلية وشاملة لسلام طويل الأمد بين إسرائيل والفلسطينيين، بما في ذلك جدول زمني ثابت لإقامة دولة فلسطينية"، وأن "من الممكن الانتهاء من الخطة في ربيع أو صيف سنة 2024"، التي تشتمل على إجراء "محادثات التطبيع مع الدول العربية في المنطقة، وخصوصاً مع المملكة العربية السعودية."[13].

وفي 29 نيسان/أبريل الفائت، أكد وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن، في الرياض، أن بلاده مستعدة لتقديم ضمانات أمنية للمملكة العربية السعودية في حال قيامها بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، لكنه أضاف أنه للمضي قدماً في تطبيع هذه العلاقات، "هناك حاجة إلى أمرين: الهدوء في غزة ومسار موثوق به لإقامة دولة فلسطينية."[14] ومن المرجح أنه لن يكون هناك، في فترة ما بعد الحرب، أي طرف فلسطيني أو عربي أو دولي مستعد للتعامل مع إعادة الإعمار في قطاع غزة، ومع مأساة إنسانية بهذا الحجم، من دون وجود ضمانة باحتمال التوصل إلى تسوية سياسية للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني.

بيد أن توفير شروط نجاح هذه التسوية سيتطلب، أولاً، أن ينجح الفلسطينيون في إنهاء الانقسام والتوحد، في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، على قاعدة الشراكة الحقيقية، كما سيتطلب، ثانياً، ضغطاً أميركياً جدياً على إسرائيل، يرى بعض المحللين أن فرص ممارسته لعلها باتت أكبر اليوم، جراء ارتهان إسرائيل إلى دفاع الولايات المتحدة عنها، وشعورها بأنها ستلاقي صعوبات كبيرة في الصمود وحدها في حرب متعددة الجبهات. وقد يساعد هذا الضغط الأميركي في حدوث تحوّل داخل المجتمع الإسرائيلي؛ من الصحيح أن تجاوز المجتمع الإسرائيلي الصدمة التي سببتها عملية "طوفان الأقصى" قد يحتاج إلى وقت، لكن قد يدرك هذا المجتمع، بعد فترة، أن الفلسطينيين سيواصلون نضالهم ولن يستكينوا مهما يمارس الاحتلال من أساليب القمع إزاءهم. كما سيعتمد حدوث هذا التغيّر على مدى قدرة المجتمع الدولي على فرض عقوبات على إسرائيل، بالطريقة التي تمّ فرضها على جنوب أفريقيا. ومهما يكن، يبدو أن الاعتقاد بأن إنشاء دولة فلسطينية هو أمر لا مفرّ منه راح ينتشر بين السياسيين في إسرائيل، إذ رأى رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت، في مقال نشره مؤخراً في صحيفة "هآرتس"، أن إنشاء مثل هذه الدولة هو الأفق السياسي الوحيد للمواجهة المستمرة مع الفلسطينيين، وأن على إسرائيل أن تستعد للبدء بمفاوضات سياسية معهم، قبل أن تتخذ الأمم المتحدة قراراً بإقامة دولة فلسطينية وتفرض على إسرائيل تنفيذ هذا القرار.[15].

بينما اعتبر الدبلوماسي الإسرائيلي السابق إيلي بارنافي أن إنشاء دولة فلسطينية يظل هو المخرج الوحيد المعقول من الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وهو حل يجب أن يفرضه المجتمع الدولي فرضاً على إسرائيل، مقدراً أن خيار فرض هذا الحل لم يجرِ تجريبه من قبل، لكن الأزمة الحالية، بقسوتها، تهيئ الظروف للجوء إليه، بحيث يتحمّل المجتمع الدولي مسؤولياته ويضع المعايير اللازمة لتنفيذ هذا الحل بأسرع وقت ممكن، وإلاّ فإننا سنواجه من جديد دوامة العنف كما استخلص.[16]

ما هي العوائق التي تعترض قيام دولة فلسطينية مستقلة؟

لعل التوصل إلى تسوية سياسية تقوم على قاعدة قيام دولة فلسطينية مستقلة وسيدة، تلبي حقاً الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، يظل بمثابة هدف بعيد المنال. فمنذ مطلع هذه الألفية الثالثة، صعد إلى سدة الحكم في إسرائيل يمين قومي ديني، يصر على استكمال ما بدأته الحركة الصهيونية في سنة 1948، ويسعى، من خلال لجوئه إلى القوة المنفلتة من عقالها، إلى إقامة دولة يهودية نقية عرقياً، وفرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني وإشعاره بأنه شعب مهزوم، وهو يحظى حالياً بتأييد قطاعات واسعة في المجتمع الإسرائيلي. وقد عارضت حكومات هذا اليمين أدنى تنازل عن الأراضي المحتلة، وضاعفت عدد المستوطنات في الأراضي الفلسطينية، وزادت عدد المستوطنين، الذين أصبح لهم ثقل حقيقي في الحكومة القائمة اليوم، والتي يجمع المراقبون على أنها الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل. ويصر رئيسها، بنيامين نتنياهو، على عدم تقديم أي تنازل سياسي للفلسطينيين، وهو قد يلجأ، في حال ممارسة ضغوط عليه، إلى الالتفاف على إدارة الرئيس جو بايدن من خلال التوجّه مباشرة إلى الكونغرس، كما فعل في عهد إدارة باراك أوباما، وكذلك الرهان على عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة.

من ناحية ثانية، لا تزال الحركة الوطنية الفلسطينية منقسمة على نفسها، فمن سيمثل الفلسطينيين في حال إحياء العملية السياسية؟ وإذا كان الهدف هو استبعاد حركة "حماس" من هذه العملية السياسية، فإن هذا سيجعل أي مفاوضات غير ممكنة، ذلك بأنه سيكون من الصعب على المؤسسة الفلسطينية التي تحكم قطاع غزة ألا تقيم علاقات مع "حماس" على مستوى ما.

ومن ناحية ثالثة، فإن الدولة الفلسطينية التي تكثر إدارة الرئيس جو بايدن الحديث عنها حالياً، سيتم بلوغها فقط عبر مفاوضات مباشرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما نُقل عن وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن خلال لقائه وزراء الخارجية العرب في الرياض في 29 نيسان/أبريل 2024، وستظل رهينة قرارات الكونغرس وليس قرارات الشرعية الدولية، وبالتالي هي قد لا تختلف كثيراً عن "الدولة" التي انطوت عليها ما عُرف بـ "صفقة القرن"، والتي رفضها الفلسطينيون بشدة، وخصوصاً أن جو بايدن أشار، في إحدى المناسبات في البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير 2024، لدى ترويجه "حل الدولتين"، إلى أن هناك أنواعاً مختلفة من حل الدولتين، وأن هناك دولاً أعضاء في الأمم المتحدة ليس لديها جيوش، كما أن هناك دولاً أُخرى فُرضت عليها قيود.[17] ناهيك عن أنه، وبالاستناد إلى خبرة عقود سابقة، قد لا يخرج حديث الإدارة الأميركية عن "حل الدولتين" عن نطاق استراتيجية معهودة قامت على "إدارة الأزمة"، والتلويح بالسعي إلى التوصل إلى حل سياسي للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي كلما تفاقمت حدته، كما حدث في خضم أحداث الانتفاضة الثانية، وغداة الغزو الأميركي للعراق، عندما طرح الرئيس جورج بوش الابن، في سنة 2003، في إطار مشروع ترتيبات إقليمية، ما سُمي بـ "خارطة الطريق" لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي على ثلاث مراحل، بحيث يتم "إصلاح" السلطة الفلسطينية، وتشجيعها على محاربة "الإرهاب"، على أن تقوم في نهاية المرحلة الثالثة، في حدود سنة 2005، دولة فلسطينية.[18]

خاتمة

وأنهي هذه الورقة بالإشارة إلى أن من الصعب حقاً أن نتصوّر ما سيحدث في الأسابيع المقبلة، ذلك بأن ضباب الحرب المستمرة في قطاع غزة يحجب الأفق الذي يمكن أن ينفتح على سيناريو وقوع حرب واسعة متعددة الجبهات في الإقليم، قد تندلع شرارتها من جبهة المواجهة المتواصلة بين حزب الله وجيش الاحتلال الإسرائيلي على سبيل المثال، الأمر الذي قد يخلق معطيات سياسية جديدة ليست في الحسبان، ويجعل السؤال الذي سيواجهه الإسرائيليون: ليس ماذا سنفعل في غزة، وإنما هل سنكون قادرين على التصدي لحرب متعددة الجبهات؟

* نص المداخلة التي ألقيت في بيروت، في اليوم الأول من مؤتمر "75 عاماً من النكبة المستمرة: الإنتاجات المعرفية"، الذي عُقد في بيروت ورام الله ونيويورك افتراضيّاً بعنوان: "75 عاماً والنكبة المستمرة: الانتاجات المعرفيّة" بين 20 و23 أيّار/ مايو 2023.

عن المؤلف:

ماهر الشريف: مؤرخ فلسطيني، دكتور دولة في الآداب والعلوم الإنسانية من جامعة السوربون-باريس الأولى. باحث في مؤسسة الدراسات الفلسطينية. باحث مشارك في المعهد الفرنسي للشرق الأدنى- بيروت.