الـنـازحـون إلـى رفـح بـيـن الـمـجـازر والـتـهـجـيـر | د. ماهر الشريف *

2024-05-28

ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي، مساء يوم الأحد في 26 أيار/مايو الجاري، مجزرة جديدة طالت تجمعاً للنازحين  الفلسطينيين في منطقة تل السلطان في محافظة رفح، وهم في خيامهم، ذهب ضحيتها 35 شهيداً وعشرات الجرحى. وقد وقعت هذه المجزرة في منطقة لم يتم تحذير سكانها من جانب جيش الاحتلال، وبعد يومين فقط من صدور أمر من محكمة العدل الدولية يطالب بوقف فوري للهجوم العسكري الإسرائيلي على رفح.

وفي وقت متأخر من يوم الأحد نفسه، أكد بنيامين نتنياهو في بيان صادر عن مكتبه، قبل وقت قصير من اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر لشؤون الحرب في تل أبيب، أنه "يعارض بحزم" وقف الحرب على قطاع غزة، مقدّراً أن قيادة حركة "حماس" "تستمر في المطالبة بإنهاء الحرب وانسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة وترك حماس على حالها، حتى تتمكن من تنفيذ فظائع 7 أكتوبر مرة تلو الأخرى"[1].

وكان جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي قام باحتلال معبر رفح الحدودي وبعض الأحياء الشرقية في مدينة رفح في السادس من شهر أيار/مايو الجاري، قد واصل قصفه الجوي والمدفعي لأحياء المدينة الغربية، وأعلن بنيامين نتنياهو، بعد صدور أمر محكمة العدل الدولية، أن "لا محكمة عدل ولا أحد يستطيع أن يوقف الحرب على غزة"[2].

النازحون إلى رفح يضطرون إلى النزوح من جديد

كان مئات الآلاف من الفلسطينيين والفلسطينيات قد نزحوا من شمال قطاع غزة ومن مدينة غزة إلى مدينة رفح، بعد أن أصدر الناطق باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، في 13 تشرين الأول/أكتوبر 2023، بياناً يدعوهم فيه إلى النزوح إلى الجنوب في اتجاه الحدود المصرية. وبعد أن هاجم الجيش الإسرائيلي محافظة خانيونس، اضطر عدد كبير من سكانها إلى النزوح أيضاً نحو محافظة رفح، ومنهم عطا أبو يوسف وعائلته، الذي فرّ بالفعل من مدينة خانيونس التي كان يعيش فيها ليلجأ إلى مدرسة تابعة لوكالة الأونروا في الجزء الغربي من مدينة رفح. وفي الفصول الدراسية التي تم تحويلها إلى غرف نوم، حيث تكدس العشرات من الأشخاص معاً في ظروف غير صحية، حاول هذا الفلسطيني البالغ من العمر 41 عاماً أن يمنح أطفاله السبعة بعض مظاهر الحياة. وعشية قيام جيش الاحتلال بالهجوم على أحياء مدينة رفح الشرقية واحتلال معبر رفح الحدودي، قال لمراسل صحيفة الأومانتيه، الذي اتصل به هاتفياً، "إذا بقينا هنا، سنُقتل، ففي رفح، هناك الآن مليون فلسطيني في حالة رعب قبل الهجوم الإسرائيلي؛ يقال إن الهجوم البري الإسرائيلي وشيك على هذه البلدة الواقعة في جنوب الأراضي الفلسطينية، حيث يتكدس المدنيون النازحون، وهناك خطر وقوع مذبحة لدرجة أن المستشارين الغربيين يشعرون بالقلق من كارثة إنسانية لكنهم لا يتخذون أي إجراء ضد تل أبيب"[3].

وبالفعل، ما أن بدأ الهجوم الإسرائيلي على محافظة رفح، حتى تسارعت موجات النزوح من مدينة رفح. ووفقاً لوكالة الأونروا، فإن "معظم الأشخاص، الذين تم اقتلاعهم من شرق رفح بموجب أوامر الإجلاء التي أصدرها الجيش الإسرائيلي، كانوا قد نزحوا من مناطق أخرى في قطاع غزة، وراحوا يغادرون مع كل ما يستطيعون حمله في مركبات وشاحنات وعلى دراجات نارية وعربات تجرها الحمير"، وأن بعض العائلات توجهت "إلى مراكز الإيواء التابعة للوكالة في المواصي". ومع توقف العمل في معبر رفح الحدودي، صار عمال الإغاثة التابعون للأمم المتحدة يحذرون "من النقص الحاد في المساعدات اللازمة للوصول إلى الأشخاص الأكثر عرضة للخطر في غزة"، و"من نفاذ المخزون الحالي من الوقود اللازم لدعم عمليات الإغاثة"[4].

في 15 أيار/مايو الجاري، أعلنت وكالة الأونروا أن نحو 600 ألف فلسطيني وفلسطينية نزحوا من مدينة رفح منذ اشتداد العمليات العسكرية الإسرائيلية في المدينة، وأوضحت الوكالة على منصة "إكس" أنه "بعد مرور 76 عاماً على النكبة، لا يزال الفلسطينيون يتعرضون للتهجير القسري"، وأضافت أن "ما يقرب من 1.7 مليون شخص أجبروا على الفرار من منازلهم وملاجئهم بسبب الحرب في غزة، وكثير منهم نزحوا عدة مرات"[5]. وفي 20 من هذا الشهر، أعلنت وكالة الأونروا أن الهجوم العسكري الإسرائيلي على رفح تسبب في نزوح قسري لأكثر من 810 آلاف فلسطيني وفلسطينية، خلال الأسبوعين الماضيين، وأنه في كل مرة تنزح فيها العائلات تتعرض حياة أفرادها لتهديد خطير، ويضطر الناس إلى ترك كل شيء وراءهم "بحثاً عن الأمان، ولكن لا توجد منطقة آمنة"[6].

منطقة المواصي: حياة مليئة بالفوضى

كانت وكالة الأونروا تؤوي في مدينة رفح مئات الآلاف من النازحين في 35 مركز إيواء، تم إخلاء 22 منها على عجل. ونزح معظم النازحين من المدينة إلى منطقة المواصي الرملية، التي تقع على الساحل وتمتد من دير البلح شمالاً، مروراً بمحافظة خانيونس، حتى محافظة رفح، بطول 12 كيلومتراً وعرض نحو كيلومتر واحد. وبحسب تقرير أعدّته "فرانس أنفو"، صارت الحياة  في مراكز الإيواء التي أقيمت في هذه المنطقة "تتسم بالفوضى، إذ تضاعف عدد سكانها ثلاث مرات". وهي تنقل عن يوسف، أنه نزح عدة مرات خلال ثمانية أشهر تقريباً، وتضيف أنه في مراكز الإيواء "تحرق النفايات، وتصب مياه الصرف الصحي في البحر، وتفتقر عائلات النازحين أيضاً إلى مرافق الصرف الصحي ومياه الشرب، ويصنع الناس مراحيض مؤقتة عن طريق حفر حفر في الأرض حول مجموعات من الخيام، ويضطر الناس إلى التغوط في العراء". ويقول جوناثان فاولر، المتحدث باسم وكالة الأونروا إنه "يجب الآن إعادة النظر في نظام المساعدات بأكمله، ذلك إن السرعة التي يتحرك بها السكان تعني أن علينا مواكبة ذلك، نحن في فترة حرجة، ولهذا السبب ومنذ بداية الحرب ونحن ندعو باستمرار إلى وقف إطلاق النار، إذ لا يمكننا القيام بعملنا الإنساني ويجب إنقاذ الأرواح"[7].

وفي مواجهة هذه التحركات السكانية، يعتقد عمال الإغاثة الإنسانية أن الوضع الحالي في قطاع غزة قد وصل إلى "مستوى غير مسبوق من الطوارئ"، وخصوصاً أن إغلاق معبر رفح قد أدى إلى قطع وصول الوقود اللازم للأنشطة الإنسانية والحد من حركة الموظفين ودخول الإمدادات الإنسانية الأساسية. وفي ظل هذه الظروف، ستنفد المواد الغذائية التي من المفترض أن يقوم  برنامج الأغذية العالمي ووكالة الأونروا بتوزيعها في الأيام القليلة القادمة، ويمكن أن يؤدي انخفاض مخزونات الغذاء والوقود إلى توقف عمليات الإغاثة في قطاع غزة في غضون أيام قليلة، حيث لا تزال نقاط العبور الرئيسية مغلقة. ويكون النازحون أكثر عرضة للإصابة بالأمراض والأوبئة وسوء التغذية والجفاف وغيرها من مشاكل الحماية والصحة[8].

كان محمد الحافي، وهو باحث من مدينة غزة، قد قرر العودة إلى بلدة دير البلح في الشمال، حيث لا يزال بإمكانه الاعتماد على مساعدة أقاربه. وبعد أن صمد في مدينة رفح مع عائلته خلال الأشهر القليلة الماضية، غادر المدينة في 13 أيار/مايو الجاري بأسرع وقت ممكن، وخصوصاً بعد أن "أدّت سيطرة الجيش الإسرائيلي على معبر رفح على الحدود المصرية إلى قطع وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة، بحيث ارتفعت الأسعار على الفور، ولم يعد في إمكان حتى الطبقات الميسورة سابقاً شراء بعض المنتجات الأساسية، ولا يستطيع العديد من الفلسطينيين الوصول إلى حساباتهم المصرفية في مصر، والآن، مع وصول القوات الإسرائيلية عن طريق البر، يتحوّل الأمر إلى مأساة"، كما يأسف محمد الحافي. أما صهيب الهمص، مدير المستشفى الكويتي التخصصي في رفح، الذي اضطر إلى إخلاء مرضاه بعد نفاذ الأدوية والمستلزمات الطبية، فيقول: "لا يوجد مكان آخر يذهب إليه المرضى والمصابون، ونحن الآن نطالب بحماية دولية فورية لهذا المستشفى"[9].

فصل من فصول نكبة مستمرة

أعلنت "منظمة العفو الدولية" في الخامس عشر من أيار/مايو الجاري، في ذكرى النكبة الفلسطينية، "أن التهجير القسري لما يقرب من مليوني فلسطيني، والتدمير الواسع النطاق للممتلكات المدنية والبنية التحتية في قطاع غزة المحتل، يسلط الضوء على سجل إسرائيل المروع في التهجير ورفضها المستمر منذ 76 عاماً احترام حق الفلسطينيين في العودة". وقالت إريكا غيفارا روساس، المديرة التنفيذية للأبحاث والسياسات والحملات في هذه المنظمة، إنه "لأمر مفجع أن نرى المشاهد المروعة لنكبة 1948، كما يسميها الفلسطينيون، تتكرر مع اضطرار الكثير من الفلسطينيين في غزة إلى الفرار من منازلهم سيراً على الأقدام بحثاً عن الأمان، بينما يقوم الجيش الإسرائيلي والمستوطنون المدعومون من الدولة بطرد الفلسطينيين في الضفة الغربية من منازلهم". وأضافت أنه "في أعقاب نزاع 1947-1949، طُرد الفلسطينيون من ديارهم ونُزعوا من أراضيهم؛ فقد تم تهجيرهم وطردهم، دون أي احتمال لعودتهم أو عودة أحفادهم، ولقي المصير نفسه أكثر من 350000 فلسطيني فرّوا خلال حرب حزيران/يونيو 1967 والاحتلال الإسرائيلي لغزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية".

وخلصت إريكا غيفارا روساس إلى أن "إنكار إسرائيل حق الفلسطينيين في العودة المستمر منذ عقود هو أحد الأسباب الجذرية للصراع"، وأن "الحل الدائم والعادل لهذا الصراع يجب أن يحترم حقوق الإنسان، بما في ذلك حق العودة للفلسطينيين، ويضمن العدالة وجبر الضرر"، داعية المجتمع الدولي إلى أن "يبذل كل ما في وسعه لمنع المزيد من عمليات الترحيل القسري للفلسطينيين ووضع حد لحالة التهجير الدائم لجميع الفلسطينيين، من خلال السماح بممارسة حقهم في العودة بصورة كاملة، كما يجب أن يتم التوصل إلى وقف فوري ودائم لإطلاق النار من قبل جميع الأطراف في غزة"[10]

* باحث ومؤرخ - مؤسسة الدراسات الفلسطينية – بيروت.