باسم خندقجي كاتب صنعته الموهبة والمعاناة

2024-05-23

| مـحـمـود شـقـيـر

1

من متابعاتي لما أنتجه باسم خندقجي من روايات، وبما أنتجه غيره من الأسرى من قصص وروايات، فقد لاحظت أنّ قلة من هؤلاء الأسرى هم الذين تعرّضوا للكتابة عن المعاناة داخل السجون.

كتب وليد دقة روايته: "سر الزيت"، المكرّسة للفتيات والفتيان عن رحلة الفتى ابن الأسير لزيارة والده الأسير، وكتب حسام كناعنة عن تلك المعاناة في كتابه القصصي: "مرايا الأسر"،  كما كتب سائد سلامة مجموعتين قصصيتين هما "عطر الإرادة " و "للحلم بقية" وفيهما رصد لتفاصيل عديدة من واقع حياة الأسرى، فيما تطرق أسرى آخرون للكتابة عن ظواهر مجتمعية ووطنية تقع خارج أسوار السجون؛ كتب حسام شاهين روايته "زغرودة الفنجان" عن عمليات الإسقاط الجنسي التي يتعرض لها شباب وشابات على أيدي عملاء الاحتلال، وكتب "رسائل إلى قمر"، وفيها رصد لبعض جوانب حياة الأسرى، واستخلاصات فكرية مستمدّة من واقع السجن، ومن تجربة الأسير حسام شاهين نفسه ومن قراءاته المتعدّدة. وكتب عصمت منصور روايته "السلك" عن أنفاق غزّة اعتمادًا على ما سمعه من رفاقه أبناء غزّة المأسورين معه في السجن.

وقد سبق لباسم خندقجي أن  كتب باقتدار عمّا يقع خارج جدران السجن، كتب روايته الأولى "نرجس العزلة" وكتب رواية جميلة عن الانتفاضة الأولى موسومة ب "كأنّها أمّي" ثم ذهب إلى التاريخ وكتب "مسك الكفاية" و"خسوف بدر الدين".

2

في رواية "نرجس العزلة" حاول باسم الابتعاد عن ذلك النمط من الكتابة الفلسطينية التي تتوخّى الحذر في نقد الحالة الفلسطينية، وتسعى إلى الحفاظ على الهالة المعقودة على هامة الفلسطيني باعتباره مقاومًا لا يطاله العيب، وذلك بزعم المحافظة على زخم المقاومة، وكي لا يتسرب الإحباط إلى نفوس الفلسطينيين حينما تتم تعرية نواقصهم أمام الملأ وأمام أنفسهم، مع أن هذه التعرية حينما تتوخى الكشف وفضح الأخطاء للتقدم نحو ذرى جديدة، تصبح أهم من دغدغة المشاعر بكتابة لا تقول الحقيقة، فالفلسطيني كائن إنساني مثل سائر البشر، له ضعفه الذي لا يخجل منه، وله قوته التي تتساوى مع قدراته الفعلية وليست المتخيلة. ومع الأسف، لبعض الفلسطينيين ممن هم في المراكز المسؤولة مفاسدهم التي ينبغي فضحها.

مع توالي مشاهد الرواية المكتوبة بلغة شعرية وبإيقاع سريع متناغم مع الحالة النفسية لبطل الرواية، نتعرف أكثر فأكثر على هذا البطل اليساري المثقف ذي النزعة الإنسانية، المكرس للشعر وللإقامة في اللغة بسبب اختياره غير العادي حينما تورط في حب امرأة الهوية التي تحيل في بعدها الرمزي إلى فلسطين، وبخاصة حينما نعلم أن هذه المرأة من حيفا، وفي ذلك، في اسم المدينة التي اجتاحتها الغزوة الصهيونية مع غيرها من المدن الفلسطينية في العام 1948 ، ما يكفي من الدلالات الوطنية التي تنطلق من الولاء للوطن التاريخي للفلسطينيين.

3

في روايته الأخيرة، الموسومة ب "قناع بلون السماء" تعود حيفا إلى الظهور من خلال فتاة شابة اسمها سماء إسماعيل، تلتقي بطل الرواية نور الذي لبس قناع الصهيوني أور، وتعرّض لمفارقات غير قليلة مع سماء المنتمية إلى هويتها الفلسطينية بكل صراحة وجلاء، في حين ارتدى نور قناع أور لعله يتمكن من الدخول إلى كيبوتس صهيوني ما كان يمكنه الدخول إليه إلا عبر تخفي المغلوب في هوية  الغالب، وذلك لكي يبحث هناك عن آثار مريم المجدلية لتوظيفها في رواية يكتبها عنها، ولإعادة توطينها في فلسطين بعد أن اختطفها الروائي دان براون وتحدث عنها في روايته: "شيفرة دافنشي".

غيرَ أنّ تلك الهوية التي تخفّى فيها نور سبّبت له إحراجات كثيرة، وخصوصًا حين التقى وجهًا لوجه مع سماء إسماعيل، وحين كان شاهدًا على الصدامات المتكرّرة بينها وبين الصهيونية أيالا.

4

يمكن تصنيف هذه الرواية على أنها رواية أفكار، أو رواية معرفيّة معنيّة بضخّ أكبر قدر ممكن من المعارف والمعلومات والرؤى والاجتهادات في النص الروائي للتأثير في المتلقي على النحو الذي يريده الكاتب، وفي ذهنه كما ورد في الرواية دحض المقولات الصهيونية التي تدّعي أن فلسطين هي الوطن التاريخي لليهود.

لذلك، غابت الحكاية أو الحدوثة من متن الرواية، وغاب التصاعد الدرامي للحدث الروائي، وغاب عنصر التشويق العاطفي، لتحل في مكانه المتعة العقلية والشوق إلى متابعة المناظرة الحادة حينًا الخافتة حينًا آخر بين المقولات الفلسطينية عن الحق الفلسطيني الثابت في فلسطين، وبين المقولات الصهيونية التي لا تعترف بأي حق للفلسطينيين في بلادهم، وأيُّ تطرق إلى هذا الحق وأيُّ دفاع عنه يُصنّف على أنه معاداة للسامية، أو يُصنّف على أنه موجّه من جهات معادية لإسرائيل.

ولكي تتحقّق المتعة العقلية من جراء هذا النوع من السرد، فقد استعان باسم خندقجي بتقنيات عديدة، منها اللجوء إلى الحلم، وتكريس ثقافته وقراءاته في حقول معرفية مختلفة لإغناء نصه الروائي، ومنها التناصّ مع كتب ونصوص دينية وأخرى دنيوية، والاعتماد على الحوارات الذكية المحكمة، وعلى الرسائل الصوتية الموجّهة إلى مراد، والمناكفات التي تدور بين نور الفلسطيني ونقيضه الصهيوني أور في داخل الشخص ذاته: نور.

وبالطبع، ما كان يمكن لكل تلك التقنيات أن تتوافر في النص الروائي لولا حضور عنصر الخيال وعمليات الاصطفاء التي تختفي خلفها تلك الهندسة الذهنية الصارمة التي حكمت النص من أوّله إلى آخره.

وفي هذا الصدد لا بد من الإشارة إلى أن ما تركته من تراث ثقافي أو آثار تلك الجماعات التي مرت على فلسطين او أقامت فيها زمنًا ثم غادرتها، يظلّ جزءًا من التراث الفلسطيني الذي استطاع عبر الزمن استيعاب كل الموروثات وتمثّلها على نحو يغني الهوية الفلسطينية، ولذلك فإن الهوية الدينية لمريم المجدلية ليست هي التي تؤطّر انتماءها القومي، وإنما هوية المكان الفلسطيني الذي يُفترض أنها أقامت فيه.

5

أثناء تخفّي نور الفلسطيني في قناع أور الإشكنازي الصهيوني تعرّض المتخفي بين الحين والآخر لاختناقات من جراء هذا القناع الذي تقمصه وارتداه، وخصوصًا أثناء صدامات سماء إسماعيل الفلسطينية وأيالا الصهيونية، مما كان يضطره إلى تهدئة الصراع بين المرأتين وميله إلى الدفاع عن وجهة نظر أيالا ولو بأسلوب مموّه ميال إلى الاعتدال، وذلك كيلا تكتشف أيالا حقيقته.

هذا الدفاع وتلك الهوية، هوية الغالب، التي ارتداها نور جعلت سماء غير قادرة على تصديقه حين اعترف لها أنه فلسطيني، بل إنها نفرت منه ومالت إلى الظنّ بأنّه ضابط في الشاباك الإسرائيلي، فازداد انكساره أمامها.

وهنا لا بد من وقفةِ تأمُّل، ذلك أن تكرار اسم حيفا في روايتين لباسم خندقجي، هما "نرجس العزلة" و "قناع بلون السماء" يضعنا أمام الحقيقة التي تقول من وجهة نظر باسم: إن الفلسطينيين الذين بقوا في وطنهم بعد نكبة 1948 هم الأنقى والأكثر تعبيرًا عن الهوية الفلسطينية؛ حيث تحمّلوا العذاب والاضطهاد والحكم العسكري الظالم، وظلوا صامدين في وطنهم، أما نور الذي يعود في أصوله إلى مدينة اللد، والذي هُجّر أبوه من مدينته ليصبح لاجئًا في مخيّم قريب من مدينة رام الله في الضفة الغربية، فهو الذي كان عليه ألا يهاجر مهما كانت الظروف المحيطة به، ومع ذلك، فقد ناضل ضد الاحتلال من موقع اللجوء واعتقل وحكم عليه بالسجن خمسًا وعشرين سنة، خرج بعدها عازفًا عن مواصلة النضال، في احتجاج سلبي على المتسلّقين الانتهازيين الذين تنكروا للمبادئ وللثورة وانصرفوا إلى تكديس الثروة والتنعم بالامتيازات والرتب العالية بعد اتفاق أوسلو، وذلك كله على حساب القضية الوطنية وجماهير الشعب المغلوبة على أمرها.

6

وحين حاول نور ابن هذا المحيط وهذه الخلفيات اختراق جدار المحتلين بكشف أكاذيبهم عن السلام، وكشف مقدار عدائهم وتنكرهم للحق الفلسطيني فقد اختار أسلوب التخفي المؤقت الذي لم يحتمله إلى النهاية بسبب تناقضه في الشكل والمضمون مع الحق الثابت للفلسطينيين في وطنهم فلسطين، مما اضطره إلى البوح لصديقه مراد، الذي يرمز إلى الضمير أو المثل الأعلى الأخلاقي والمبدئي،  قائلًا: "كنت أود لو أحرقت نفسي وقناعي لعلّي أنبعث من بين الرماد كسماء، سماء إسماعيل يا صديقي"ص225.

ثم ينهي باسم خندقجي روايته بجملة على لسان نور لها دلالتها الحاسمة وهو يوجه كلامه لسماء التي نقلته في سيارتها وهما يغادران كيبوتس، أو على رأي نور، مستوطنة "مشمار هعيمق" بعد شهر من البقاء فيها هناك للتنقيب عن الآثار، قائلًا لها (بكل ما أوتي من لغته العربية المستعادة: "أنت هويتي ومآلي") ص255.