"جينوسايد المستشفيات" وموت العدالة | مهند عبد الحميد*

2024-05-10

بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر توعد قادة سياسيون وجنرالات حرب وحاخامات بتحويل قطاع غزة إلى مكان غير قابل للحياة، وإعادته إلى العصر الحجري، واستباحة حياة المواطنين فيه، تعني الإبادة الجماعية الـ "جينوسايد"، بحسب اتفاقية منع الإبادة الجماعية والعقاب عليها، ارتكاب أي من الأفعال التالية: أ - قتل أعضاء من الجماعة؛ ب-إلحاق أذى جسدي أو روحي خطر بأعضاء من الجماعة، ج - إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يُراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً، د- فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.

وفي المادة الثالثة جاء ما يلي: التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية.[1]

ما تفعله إسرائيل في قطاع غزة ينطوي على "ابتكارات" جديدة للإبادة كـ "جينوسايد المنازل" و"جينوسايد البيئة" و"جينوسايد المستشفيات"، وربما يتفتق ذهن صانعي الـ "جينوسايد" عن ألوان أُخرى ليضيفوا إلى "جريمة الجرائم"، أي حرب الإبادة، نسخة جديدة. ثمة أهمية للتوقف عند محنة المستشفيات والنظام الصحي الفلسطيني اللذين يشملهما الـ "جينوسايد" باعتبارهما صمام أمان حياة المصابين والمرضى ممن تتضاعف أعدادهم بمرور أيام الحرب، وصمام أمان المجتمع برمته.

تتمتع المستشفيات والجرحى والمرضى والجهاز الطبي وسيارات الإسعاف بالحماية أثناء الحرب بموجب القانون، "ويظل احترام حياة الإنسان وحماية حقوق الجرحى والعاملين في المجال الصحي أثناء النزاعات المسلحة من الضرورات المطلقة، التي لا يكفلها الاحترام الأخلاقي فحسب، بل أيضاً القواعد الصارمة للقانون الإنساني الدولي."[2]  وحتى حين تفقد المؤسسات الصحية حق الحماية، بشبهة استخدامها خلافاً لوظيفتها العلاجية والإنسانية، فهذا بحاجة أولاً إلى دليل من أطراف مستقلة - لجان تحقيق محايدة - وثانياً، لا يفقد الجرحى والمرضى والأطباء والمسعفون الحق في الحماية واستمرار العلاج، وهو ما لم تفعله دولة الاحتلال في قطاع غزة، حين اتهمت المقاتلين الفلسطينيين باستخدام المستشفيات بدون تقديم دليل، وعاقبت الجرحى والمرضى بوحشية منقطعة النظير، وأخرجت المستشفيات عن الخدمة.

عند التدقيق في حصاد الحرب الإسرائيلية بعد نصف عام ونيّف سيجد أي مراقب محايد علاقة وثيقة بين تهديدات المسؤولين الإسرائيليين وخطابهم السياسي والإعلامي التحريضي الذي يحث على الانتقام، وبين أفعال جنودهم وضباطهم على أرض القطاع، بل إن الأفعال تفوق التهديدات. وسيجد المراقب أن الحرب الإسرائيلية ضد المستشفيات والجهاز الصحي والجرحى والمرضى، من أهم وأخطر أدوات حرب الإبادة الإسرائيلية التي تستهدف كل المواطنين في قطاع غزة.

هذا المقال سيتوقف عند محنة الجهاز الصحي الفلسطيني في قطاع غزة وتداعياتها على حياة المواطنين، وخصوصاً حياة الجرحى والمرضى، ومساهمتها في تهديد بقاء المواطنين في قطاع غزة.

إخراج المستشفيات عن الخدمة

منذ اليوم الأول استهدف خطاب الحرب الجهاز الطبي الفلسطيني في قطاع غزة. وكان من اللافت تقديم عريضة  وقّع عليها أطباء إسرائيليون طالبوا فيها الأجهزة الأمنية والجيش الإسرائيلي بقصف المستشفيات في غزة.وقال الأطباء الذين تأطروا تحت عنوان "أطباء من أجل الجنود" في رسالتهم : إن من يخلط بين المستشفيات والإرهاب عليه أن يفهم أن المستشفيات ليست مكانا آمنا بالنسبة إليه، ويجب محاربة الإرهاب في كل مكان وبكل طريقة".[3]

وأوقع الهجوم الإسرائيلي عدداً هائلاً من المصابين لا يتناسب مع حجم الفرق الطبية العاملة في المستشفيات ومراكز الإسعاف في قطاع غزة، ناهيك عن النقص الكبير في الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية بعد أسبوعين على الحرب، ولا سيما مواد التخدير، ووقود مولدات الكهرباء، وسيارات الإسعاف، ومن ثم أخذ يتزايد هذا النقص مع اشتداد الهجوم ومنع تزويد المستشفيات بالمعدات والأدوية والوقود ومضاعفة عدد المصابين، وبعد أن أُضيف إلى المستشفيات عبئاً إنسانياً نتيجة لجوء عشرات الآلاف، جلّهم من الأطفال والنساء والمسنين، إلى المجمعات الطبية والمستشفيات وفي محيطها طلباً للحماية، ظناً منهم أنها تشكل ملاذاً آمناً لهم بحسب الأعراف والقوانين الدولية، وذلك في غياب الملاجىء بعد الدمار الذي لحق بمنازلهم.

فوق كل الأزمات والتحديات التي واجهت المنظومة الصحية في قطاع غزة تحولت المستشفيات إلى هدف للقصف الإسرائيلي، وهذا ما أوضحته المتحدثة باسم منظمة اليونيسف تيس إنغرام بالقول إن استهداف المستشفيات ليس إلاّ استهدافاً للنساء والأطفال الذين يلجأون إليها من أجل الحماية.[4] وواقع الحال أن المستهدف هو دور المستشفيات ووظيفتها في الحفاظ على حياة المصابين والأبرياء المحتمين بها، إذ يتحدث آخر إحصاء عن إصابة نحو 77 ألفاً، يُضاف إليهم عشرات آلاف المصابين بأمراض، بالإضافة إلى النساء الحوامل. فعندما ينعدم الأمان الطبي من خلال تأمين العلاج والدواء والمكان الآمن للمصابين، فإن ذلك يقوض أهم ركن من أركان البقاء، وقد حرصت قوات الاحتلال على تقويضه فعلاً بالصوت والصورة، مقدمة الدليل تلو الآخر على الشروع في حرب إبادة تستهدف 2.3 مليون مواطن في غزة. وبمناسبة اليوم العالمي للصحة، في 7 نيسان/ أبريل، أصدر الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بياناً عرض فيه مأساة النظام الصحي الفلسطيني، ومن أهم ما جاء فيه:

  • تعرضت المرافق الصحية منذ 7 أكتوبر لـ 600 اعتداء.
  • خرج عن الخدمة 26 مستشفى وبقيت 10 مستشفيات تعمل بشكل جزئي؛ 4 مستشفيات في الشمال و6 مستشفيات في الجنوب.
  • توقف عن العمل 76 مركزاً من مراكز الرعاية الصحية الأولية.
  • تعمل المستشفيات بطاقة 359% من طاقتها، ما يعوق جودة وسلامة الخدمات الصحية مع ارتفاع عدد الجرحى إلى 76 ألف شخص.
  • استشهاد 489 عضواً من أعضاء الطواقم الطبية وأصحاب الاختصاص، وإصابة 600، واعتقال 310، وتدمير 26 سيارة إسعاف.
  • تعرُّض المصابين بأمراض مزمنة - ضغط وسكري وفشل كلوي وسرطان وأمراض نفسية- للخطر بسبب شح الأدوية والرعاية، بعد خروج مستشفى السرطان ومستشفى الأمراض النفسية عن العمل.[5]

تكشف صور الأقمار الصناعية المقارنة مع صور 7 أكتوبر وبعده تضرر 24 مستشفى موزعة على عدة مناطق؛ 6 مستشفيات في الشمال و10 مستشفيات في مدينة غزة و7 في خان يونس ومستشفى واحد في المنطقة الوسطى.[6]  وتعترف بيانات المؤسسات الدولية بالنتائج المأسوية لاستهداف المستشفيات، بما في ذلك خروجها عن الخدمة؛ ففي بيان مشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة جاء أن 84% من المستشفيات والمنشآت الصحية خرجت عن الخدمة، ولا يحصل السكان إلاّ على الحد الأدنى من الرعاية الصحية أو الأدوية أو العلاجات المنقذة للحياة.[7] 

بدورها، أوضحت منظمة الصحة العالمية أنه بين المستشفيات الرئيسية الـ36 في قطاع غزة، هناك عشرة مستشفيات فقط تعمل جزئياً،[8]  وأشار جيريمي لورانس المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان في مؤتمر صحفي في جنيف- إلى مقتل ما يقرب من 200 من العاملين في المجال الإنساني في غزة حتى الآن، بما في ذلك زهاء 180 من موظفي الأمم المتحدة.[9] وضمنهم 7 من العاملين في منظمة المطبخ الدولي الإنساني.

وفي مجال حساس كشف رئيس مركز بسمة للخصوبة في قطاع غزة د. بهاء الدين الغلاييني عن خسائر غير متداولة بالقول إن قذيفة إسرائيلية واحدة أصابت زاوية المركز وفجرت مختبر الأجنة في الطابق الأرضي. ولا يعرف إن كان الهجوم استهدف المختبر عن عمد أم لا. وأضاف الغلاييني أن "كل هذه الأرواح قُتلت أو أُزهقت. خمسة آلاف روح في قذيفة واحدة."[10]  ويندرج هذا العمل كبند من بنود حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل بعد 7 أكتوبر حتى الآن.

وتمنع سلطات الاحتلال دخول معدات ومواد طبية هي من صلب عمل الجهاز الصحي، كأجهزة الأشعة السينية، وأجهزة الموجات فوق الصوتية الطبية، وثلاجات طبية تعمل بالطاقة الشمسية، وأسطوانات ومركزات الأكسجين، ومولدات كهرباء للمستشفيات، وعقاقير التخدير، والقساطر القلبية، وجهاز اختبار المياه، وغير ذلك.[11]  وما تقدم يشير إلى حرب بلا هوادة تشنها دولة الاحتلال ضد المستشفيات والجهاز الصحي، بما يخالف الأنظمة والبروتوكولات والقوانين ومواقف منظمة الصحة الدولية والصليب الأحمر ومنظمات حقوق الإنسان، والتي أدانت جرائم الحرب وتعارض المبررات التي تسوقها إسرائيل لتدمير الجهاز الصحي الفلسطيني.

مستشفى الشفاء في مركز الاستهداف

رأى المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس غيبريسوس أن "تدمير مستشفى الشفاء أدى إلى نزع قلب النظام الصحي في قطاع غزة"، وأضاف: "تمكّنت منظمة الصحة العالمية وشركاؤها من الوصول إلى مجمع الشفاء الذي كان ذات يوم العمود الفقري للنظام الصحي في غزة والذي أصبح الآن هيكلاً فارغاً إلاّ من المقابر البشرية بعد الحصار الإسرائيلي الأخير." وقال إن أعضاء الفريق لمسوا أيضاً أن غالبية مباني المجمع الاستشفائي لحق بها دمار هائل وأن الأصول تضرّرت بغالبيتها أو تحوّلت إلى رماد. وتابع: "إن استعادة الحد الأدنى التشغيلي على المدى القصير تبدو غير ممكنة"، وأعرب غيبريسوس عن أسفه لأن الجهود التي تبذلها منظمة الصحة العالمية ومنظمات إغاثية أُخرى لاستئناف الخدمات الأساسية في مستشفى الشفاء بعد أول غارة مدمرة شنتها إسرائيل على المستشفى في تشرين الثاني/ نوفمبر العام الماضي "ذهبت سدى، وحُرم الناس مرة أُخرى من الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية المنقذة للحياة."[12]

ومستشفى الشفاء هو أكبر مؤسسة صحية؛ يضم 3 مستشفيات متخصصة هي: الجراحة، والأمراض الباطنية، والتوليد. ويعمل فيه 25% من العاملين في القطاع الصحي داخل قطاع غزة، أي نحو 500 طبيب وطبيبة و700 ممرض وممرضة وطواقم إسعاف، وفيه وحدة غسيل الكلى، وبنك دم، وعيادات تخصصية، ويستقبل آلاف المرضى. فعلى سبيل المثال أجرى مجمع الشفاء 6700 عملية ولادة، و2312 عملية قيصرية خلال نصف عام 2023، كما أجرى 150 ألف خدمة متنوعة؛ 9611 صورة أشعة و3792 صورة رنين مغناطيسي، و1327 صورة ثدي، وغير ذلك. ويستقبل مستشفى الشفاء وفود كسر الحصار والتضامن مع الشعب الفلسطيني من مختلف أنحاء العالم؛ فقد استقبل قبل 7 أكتوبر وفداً من منظمة أطباء بلا حدود، ووفداً طبياً أميركياً أجرى 16 عملية جراحية.[13]

فمجمع الشفاء، ذلك الصرح الطبي المميز بقدرته على العطاء والتطور وتحمل مسؤوليات إنسانية مثيرة للإعجاب في وقت الحرب والهُدن على حد سواء، تختزله الرواية الإسرائيلية بتهمة أنه "مركز لقيادة ʾحماسʿ"، ويوجد أسفله "أكبر شبكة أنفاق لإطلاق الصواريخ ضد إسرائيل." وهي تهمة من طرف واحد لم تتمكن قوات الاحتلال من تقديم أدلة مقنعة عليها، إذ إن المنظمات الدولية، كمنظمة الصحة العالمية والصليب الأحمر الدولي وأطباء بلا حدود، لم تأخذ بالرواية الإسرائيلية. لقد أساءت حكومة العدوان للمنظومة الصحية الدولية عندما تجاهلت دورها في التحقق من المزاعم الإسرائيلية وإيجاد بدائل ممكنة لاقتحام المستشفيات وارتكاب المجازر داخلها وفي محيطها وإخراجها عن الخدمة، ما أدى إلى مفاقمة عدد الضحايا، إذ كان يمكن تشكيل لجنة تحقيق ولجنة رقابة دولية لضمان الدور الوظيفي للمستشفيات.

وتتجاهل الرواية الإسرائيلية الجهود الهائلة التي تبذلها المستشفيات وفرقها الطبية المتفانية العاملة ليلاً نهاراً بطاقة 359%، والتي تستحق أن يطلق عليها لقب "الجيش الأبيض" الذي يضم عشرات الآلاف، وهو نقيض للجيش الإسرائيلي الذي يمارس حرب إبادة ويحول حياة الأبرياء إلى جحيم لا يطاق. فالجيش الذي يبيد ويدمر ويصنع الكوارث لا يريد للجيش الأبيض أن ينقذ أحداً، بل أصبح الأخير جزءاً من عملية الاستهداف. ولا يريد جيش الاحتلال أن يقدم الجيش الأبيض رواية الضحايا حول الجرائم التي تُرتكب بحقهم على مدار الساعة، ولا أن يستقبل الأطباء المتطوعين وما يحملونه من أجهزة وأدوية يحتاج إليها الجرحى والمصابون لإنقاذ حياتهم. وكما تشيطن الرواية الإسرائيلية 2.3 مليون فلسطيني وتتعامل معهم كـ "إرهابيين"، وتشيطن 13 ألف عامل وموظف في الأونروا بجريرة بضعة موظفين متهمين بالمشاركة في هجوم 7 أكتوبر، تشيطن المستشفيات، وخصوصاً مستشفى الشفاء في غزة ومستشفى ناصر في خان يونس، لتبرير الـ "جينوسايد" الذي تمارسه آلة الحرب الإسرائيلية ضد المستشفيات، ووضع ذلك في خدمة تدمير ركائز ومقومات بقاء المواطنين في قطاع غزة كهدف لحرب الإبادة التي تمارسها دولة إسرائيل. وفي مواجهة المزاعم الإسرائيلية خلصت مراجعة دولية حول الأونروا إلى أن إسرائيل لم تقدم حتى الآن أدلة تدعم ادعاءاتها أن 450 موظفاً هم عناصر مسلحة تنتمي إلى حركة "حماس" والجهاد وغيرهما، وهو ما دفع دولاً مانحة إلى إعادة النظر في تجميد الأموال.[14]  وقد استأنفت إسبانيا وفرنسا وألمانيا واليابان ودول أُخرى دعمها للأونروا، إذ يجوز القول إن نتيجة أي تحقيق محايد ومستقل بشأن المستشفيات ستكون شبيهة بالمراجعة الدولية بشأن الأونروا.

احتل مجمع الشفاء مركز ثقل الدعاية الإسرائيلية المعادية، إذ تعرض للهجوم في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي وجرى اقتحامه من قبل القوات الإسرائيلية بعد قصف بالطيران أدى إلى تدمير قسم أمراض القلب، وتعطيل قسم العناية المركزة. وقد توقفت الطواقم الطبية عن العمل، وصولاً إلى خروج المستشفى عن الخدمة، وتهديد حياة 37 طفلاً يعيشون بواسطة الأجهزة. ولم تتورع قوات الاحتلال عن تهديد حياة 2300 شخص يعيشون داخل مجمع الشفاء وفي محيطه، حيث أوقع القصف الإسرائيلي مئات الإصابات بين قتيل وجريح، ناهيك عن خلق حالة من الرعب الشديد. وبينما كان مستشفى الشفاء يستعيد القليل من قدراته العلاجية، باغتته قوات الاحتلال بهجوم جديد استغرق أكثر من أسبوعين، مخلفاً مقابر جماعية ودماراً شاملاً.[15] 

وقد وصفت بعثة منظمة الصحة التي وصلت إلى المكان بعد انسحاب قوات الاحتلال المشهد بالقول: إن مستشفى الشفاء أصبح "الآن هيكلاً فارغاً"، إذ تعرضت معظم المباني لأضرار بالغة أو دُمرت بالكامل، كما أن أغلبية المعدات غير صالحة للاستخدام. وقال المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة لشبكة "سي إن إن"، في 9 نيسان/ أبريل، إن عناصره انتشلت 400 جثة، وهي آخر حصيلة من محيط مستشفى الشفاء، ولا يشمل هذا الرقم الأشخاص المدفونين في أرض المستشفى، إذ اعترف الجيش الاسرائيلي بقتل 200 "مسلح" واعتقال 500 آخرين.[16]

استهداف مجمع ناصر الطبي

يعد مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس ثاني أهم مجمع طبي بعد مجمع الشفاء في قطاع غزة، وقد تعرض للعدوان الإسرائيلي المباشر بتهمة استخدامه كمركز لقيادتي "حماس" والجهاد الإسلامي، وهي التهمة ذاتها التي أُلصقت بمستشفى الشفاء وبكل المستشفيات التي أمرتها قوات الاحتلال بالإخلاء. ويضم مجمع ناصر أعداداً كبيرة من المصابين بفعل المجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال في خان يونس ومخيماتها، كما أنه تحمل قسطاً من دور مستشفى الشفاء الذي أخرجته قوات الاحتلال عن الخدمة في وقت سابق. وتعرض المستشفى لقصف إسرائيلي ألحق دماراً بجزء من الغرف والجدران، وتحطمت بعض المعدات الطبية، وكادت قذيفة مدفعية عيار 155 ملم أن تلحق دماراً هائلاً بقسم الولادة لكنها لم تنفجر. ومُنع المستشفى من الحصول على الوقود، وعلى حاجاته من المعدات والمستلزمات الطبية والأدوية، كما تعرض لهجوم مباشر بتاريخ 15 شباط/ فبراير الماضي وتحول إلى ثكنة عسكرية، وخرج عن الخدمة ولحقت به خسائر بشرية ومادية كبيرة. بعد الانسحاب الإسرائيلي، في 7 نيسان/ أبريل، تعرف العالم على محنة المصابين والمرضى الذين اتخذوا من المستشفى ملاذاً آمناً، إذ جرى اكتشاف مقابر جماعية في ساحة مستشفى ناصر، قال الناطق باسم الدفاع المدني -في مؤتمر صحفي- إنه انتشل حتى الآن نحو 392 جثمانا من 3 مقابر جماعية في ساحة مجمع ناصر بعد انسحاب قوات الاحتلال منه، وذلك منذ بدء عمليات انتشال الجثامين قبل أسبوع.

وأفاد الدفاع المدني بأن 58% من الجثامين المنتشلة لم يتم التعرف عليها، وأن هناك جثامين لأطفال بعضها مقطوع الأطراف، قائلا إنه لا يملك تفسيرا لوجود جثامين لأطفال بالمقبرة الجماعية. ولفت إلى أنه عثر على آثار تعذيب على جثث بعض الشهداء في المقبرة الجماعية بمستشفى ناصر، مضيفا أن نحو 10 جثث كانت مكبلة الأطراف، كما أن المصل الطبي كان لا يزال معلقا ببعض الجثث، ما يشير إلى إمكانية دفن الضحايا أحياء وقال إنه يعتقد أن قوات الاحتلال دفنت 20 شخصا على الأقل بالمقبرة الجماعية وهم على قيد الحياة، مشيرا إلى أن الاحتلال دمر جميع مختبرات الطب الشرعي في القطاع، لذا لا يمكنهم التأكد من ذلك. [17]

وقالت الناطقة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة رافينا شامدساني خلال مؤتمر صحافي إن "جثث الضحايا طُمرت عميقاً في الأرض وغطيت بالمخلفات، وعُثر على جثث لكبار السن ونساء ومصابين وكان البعض مكبل الأيدي وبلا ملابس."[18]  ونقلت "هآرتس" عن المتحدثة باسم المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، أنه شعر بالذعر من تدمير منشأتي ناصر والشفاء الطبيتين في غزة، ومن التقارير عن اكتشاف مقابر جماعية هناك.[19]

لقد تعرضت مجموعة من المستشفيات شمال قطاع غزة للحصار والقصف والاقتحام واعتقال عدد من الأطباء والممرضين والجرحى، ما أدى إلى خروجها عن الخدمة، كالمستشفى المعمداني، والمستشفى الأهلي، ومستشفى كمال عدوان، ومستشفى العودة، ومستشفى الصداقة التركي، ومستشفى الأمل التابع للهلال الأحمر والمتخصص بالأمراض النفسية. 

الآثار الخطرة

"هذه الحرب الوحشية كسرت كل إحساس بالإنسانية المشتركة" ميريانا سبولياريتش / رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر.[20]

يشير استهداف المستشفيات، بصورة متعمدة، في قطاع غزة إلى "جينوسايد" مستشفيات وثيق الصلة بـ الـ "جينوسايد" الذي يتعرض له 2.3 مليون فلسطيني، كونه يساعد في تحقيقه. فلا معنى لحياة الناس بدون مستشفيات تعالج وتسهر على صحة المواطنين وتحقق الأمن الصحي الذي لا غنى عنه في حياة البشر. ويلاحَظ أن المستشفيات في شمال القطاع تقع في مركز الاستهداف، وقد جرى إخراج أهمها عن العمل، والسبب يعود إلى بناء مراكز سيطرة إسرائيلية وحزام أمني داخل أراضي القطاع، ويرتبط بإفراغ المكان من السكان.

إن حرب الإبادة في غزة، والتصفية في الضفة الغربية، وضعت الحل الفاشي للقضية الفلسطينية في حيز التطبيق، إذ يتعامل جنود من خريجي معاهد دينية، ومن المنتمين إلى شباب التلال والمستوطنين والمنظمات الكهانية، بعقلية الثأر والانتقام من كل فلسطيني؛ هؤلاء المجبولون بالكراهية والعنصرية يبادرون إلى القتل والتدمير والنهب. فالجنود الذين يحملون معهم تعليمات الحاخام إلياهو مالي، رئيس المعهد الديني التوراتي "شيرات موشيه" في يافا الذي يزود الجيش الإسرائيلي بالجنود، يتعاملون بوحشية لافتة انسجاماً مع تعاليم الحاخام التي تقول: "لا تبقوا أحداً حياً في هذه الحرب، فالنساء ينجبن مخربين والأطفال اليوم هم أطفال وغداً مقاتلون."[21] 

وبالمثل، فإن الجنود الذين يخضعون لتعليمات وأفكار وزراء وأعضاء كنيست، أمثال بن غفير وسموتريتش وغيرهم، يتعاملون كقبائل وجماعات قتل وتدمير منفلتة، ولا يتوانون عن ارتكاب مجزرة الطحين وتدمير المستشفيات وقتل الطفلة هند رجب والمسعفين الذين ذهبوا لإنقاذها وغير ذلك من جرائم. هؤلاء يَفلتون من المساءلة والمحاسبة والعقاب، بزعم أن الجيش الاسرائيلي يلتزم بالقانون الدولي ويحاسب جنوده على كل انتهاك وتجاوز. ويقول بيان للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أنه وَثَّقَ 140 مقبرة جماعية أو عشوائية أو موقتة في قطاع غزة، وفي العديد من الحالات تم تسجيل حالات دفن نفذتها قوات الاحتلال لأشخاص تم إعدامهم ميدانياً.[22] 

ولوحظ أن العديد من المقابر وُجدت في ساحات المستشفيات ومحيطها، وما يعنيه ذلك من تدمير الوظيفة الإنسانية لها، إذ تُعتبر هذه الأفعال جرائم بحق الإنسانية ونظام الصحة العالمي. ورداً على اكتشاف مزيد من المقابر الجماعية دعت جمهورية جنوب أفريقيا المحكمة الجنائية الدولية إلى البدء بتحقيق عاجل وشامل ومحايد بشأن المقابر الجماعية التي تم اكتشافها في مجمعي الشفاء وناصر الطبيين، وتقديم المسؤولين عنها إلى المحاكمة، كما دعا كل من الاتحاد الأوروبي، ومسؤولون في الأمم المتحدة، ومكتب حقوق الإنسان، والناطقة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة، من مواقع منفردة، إلى ضرورة إجراء تحقيقات مستقلة، بإشراك محققين دوليين، في شأن المقابر الجماعية، وذلك لتجاوز سياسة الإفلات من العقاب.[23]

إن المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة يدفع الثمن الباهظ من حياة الأبرياء، ومن معاناته وعذابه، إذ تقول التقارير إن 11 ألف جريح بحاجة إلى السفر للعلاج لإنقاذ حياتهم من إصابات خطرة؛ 10 آلاف مريض سرطان يواجهون خطر الموت هم بحاجة إلى علاج بعد إخراج مستشفى السرطان عن الخدمة، و350 ألف شخص مصاب بأمراض مزمنة، بالإضافة إلى تفشي الأمراض المعدية، وخصوصاً التهاب الكبد الوبائي[24]

قالت منظمة "أنقذوا الأطفال" في بيان لها إن أكثر من 10 أطفال في المتوسط يفقدون إحدى ساقيهم أو كلتيهما كل يوم في غزة منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، في حين تتم العديد من عمليات البتر دون تخدير.وقال جيسون لي، المدير الإقليمي لـ "أنقذوا الأطفال" في الأراضي الفلسطينية: "إن معاناة الأطفال في هذا الصراع لا يمكن تصورها، بل أنها غير ضرورية ويمكن تجنبها بالكامل. كما أن قتل الأطفال وتشويههم أمر مدان باعتباره جريمة خطيرة... ويجب محاسبة مرتكبيها".

وأضاف لي: "إن تأثير رؤية أطفال يعانون من هذا القدر من الألم وعدم توفر المعدات والأدوية اللازمة لعلاجهم أو تخفيف الألم هو تأثير كبير جدًا حتى على المهنيين ذوي الخبرة. وحتى في منطقة الحرب، لا يمكن تجاهل مناظر وأصوات أطفال صغار مشوهين بالقنابل"[25] وسيعانون من اضطراب ما بعد الصدمة لبقية حياتهم. ولا يُعرف ما هو مستقبلهم. وتقول صحيفة هآرتس، أن التلوث الإضافي للمياه الجوفية، وتلوث الهواء والأرض، والنفايات الخطرة، بما في ذلك الذخائر والمواد السامة والمواد الكيماوية المنبعثة من القنابل والتلوث الناجم عن تدمير شبكة الصرف الصحي، كل ذلك يهدد الحياة الصحية في ظل تدمير نظام الرعاية الصحية.[26] متجاهلا دور بلاده في حرب الإبادة ونتائجها الكارثية على الشعب الفلسطيني، يقول وزير الخارجية الأميركي انتوني بلينكن: بحسب أكثر المعايير الموثوقة يعاني 100%من سكان غزة من مستويات مرتفعة من انعدام الامن الغذائي الحاد وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تصنيف شعب بأكمله على هذا النحو".[27] 

موت العدالة

ما يجري على الأرض من "جينوسايد" للمستشفيات بوتائر سريعة ومتصاعدة لا يتناسب أبداً مع الإجراءات البيروقراطية البطيئة لمحكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات، ومن شأن استمرار الهوة بين الممارسة الإسرائيلية لـ "الجينوسايد" على الأرض وبين ضرورة قطع الطريق عليها ومحاسبة مرتكبيها أن تقود لنهاية كارثية.

يُلاحظ أنه يجري الالتفاف على كل معارضة وتدخّل لمنع جرائم حرب إضافية، فتدمير المستشفيات التي هي جزء من بنية المجتمع يستعاض عنه بمستشفيات ميدانية منفصلة عن بنية المجتمع، قد يتم إنهاء عملها بقرار. وعلى أهمية المستشفيات الميدانية، إلاّ إنها لا ينبغي أن تشكل بديلاً عن إعادة ترميم وتشغيل المستشفيات وتزويدها بكل المقومات تحت إشراف جهات الاختصاص الدولية، كمنظمة الصحة الدولية والصليب الأحمر الدولي وغير ذلك.

والحديث عن معاقبة شكلية لكتيبة متطرفة في جيش الاحتلال أو بضعة مستوطنين لا يشكل بديلاً عن محاكمة الرؤوس المسؤولة عن ارتكاب جرائم حرب، ووقف تزويد آلة الحرب التي تمارس حرب الإبادة بالسلاح والمال. إن الإجراءات الرمزية لا تؤثر في مسار الـ "جينوسايد" الذي تطرحه المؤسسة العسكرية وتطبقه. ويبدو أن حلفاء إسرائيل الاستراتيجيين الذين يتشاركون "القيم" معها، ما زالوا يأخذون بمقولة غولدا مئير الشهيرة: "لا يمكننا أن نغفر للفلسطينيين، لأنهم أجبرونا على قتل أطفالهم." هذا النص الذي يساوي موت العدالة والأخلاق معاً.

* كاتب وصحافي فلسطيني.