من غزة.. ليلة ساخنة بالدم والدموع في ربوع غزة

2023-12-04

| وليد العوض*

منذ ان انتهت الهدنة المؤقتة عادت أصوات المدافع وزئير الدبابات وأزيز الطائرات لتغطي مساحة قطاع غزة، واستأنفت دولة الاحتلال هجومها الذي لم ينقطع على القطاع، بشكلٍ أكثر عنفاً مما سبق.

فقد عاش سكان قطاع غزة من شماله وحتى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، ليلة سوداء أوحت وكأن الحرب بدأت للتو، فقد توالت الاحزمة  النارية العنيفة التي تحدث انفجارات متتالية على معظم المناطق السكنية، كما لم تتوقف غارات الطائرات ومنصات وقذائف الدبابات والزوارق الحربية للحظة، مع استمرار استهداف ما تبقى من مستشفيات ومراكز الدفاع المدني ومحطات المياه، بالترافق مع دعوة الاحتلال للسكان الصامدون في بيوتهم لإخلائها والتوجه لاماكن تدعي أنها آمنة وهي ليسك ذلك

وترافق مع كل هذا الجحيم، توغل مكثف لآليات الاحتلال  ودباباته في أكثر من محور، خاصة في شرق مدينة غزة ومحافظة الشمال وشرق محافظتي خان يونس ودير البلح، رغم المقاومة الشجاعة التي تواجهها قوات الغزو  الصهيونية.

ليلة ساخنة بكل معنى الكلمة شهدها كل متر مربع من القطاع، خلالها حصدت آلة الحرب الاسرائيلية مئات الشهداء والجرحى، العديد منهم بقي تحت الأنقاض لساعات أو مازال. ليلة ذرفت فيها الدموع وسال فيها الدم مدرارا يروي ربوعها الطيبة.

مساء يوم أمس الاحد وعند الساعة السادسة إلا ربع، وبينما كان الناس يتجولون في ساحة مركز الإيواء يستعدون لمتابعة اخبارهم المتداولة على شاشات التلفاز، ويتأهبون لتعبئة المياه بعد تشغيل المولد لساعتين، كما اتفق، فإذا بصوت انفجار رهيب يهز أرجاء المكان نتيجة قصف طيران الاحتلال لمسجد أبو أيوب الأنصاري الملاصق تماما لسور جمعية الشبان المسيحية، بأكثر من ثلاث صواريخ تحمل أطنان من المتفجرات، تطايرت نتيجتها الواح الزجاج وتناثرت الشظايا وشبكة المياة التي تحولت إلى سيوف مشحوذة تنغرس في البطون والرؤوس إذا ما صدمتها.

السنة اللهب ارتفعت وغطى الدخان والغبار المكان، اختنق الصغار والفتية والفتيات، وداهمت موجات السعال والاستفراغ العديد منهم، بالتزامن مع تعالى الصراخ من الكبير والصغير، كما نحيب النساء واستغاثة الاطفال وكل يبحث عن ولده وعن أمه وأبيه ومعارفه والأصدقاء الذين توطدت علاقاتهم إبان الحرب.

لنصف ساعة أو يزيد، انقشعت سحب الغبار وخفتت السنة اللهب، وبدأت آثار القصف بالظهور للعيان، احتضن كلٌ عائلته التي فقد التواصل معها طيلة وقت الغارة ونتيجتها، استجمع الشباب عزيمتهم وبدأوا بإزالة الركام الذي انهار على ركن تحتمي به أسر نازحة. وبهمة عالية أزالوها واخرجوا ثلاث مصابين جروح اثنين منهم خطيره، نقلوهم على الواح خشبية لاحد الصالات لإجراء بعض الإسعافات الاولية.

وبعد أن هدأت وتيرة القصف العنيف، تم الاتصال بالإسعاف الذي بقي يعمل في مستشفى المعمداني، وقد تحرك طاقمه بشجاعةٍ، إلى أن باغتته قذيفة دبابة دمرته، وحالت دون استكمال مهمته الإنسانية. بدأ الجرحى يصارعون الموت، يئنون وسط نحيب ذويهم وأطفالهم حتى ساعات الفجر، حيث استشهد أحدهم - والد "الفتى مصطفى سالم" الذي سبق وكتبت عن مرؤته وشجاعته في مقالٍ سابق .

هكذا انتهت ليلة ساخنة من عشرات الليالي التي يمضيها الناس في ظل العدوان المتواصل في كل زاوية من زوايا غزة المعتمة، بانتظار الموت المحلق في السماء، متمسكون بالأمل، عاقدوا العزم على العيش بحرية وكرامة كباقي شعوب الارض.

* عضو المكتب السياسي حزب الشعب الفلسطيني