إسرائيل تواصل الحرب المدمرة، والولايات المتحدة تبحث عن مخارج | د. ماهر الشريف

2023-12-04

| د. ماهر الشريف *

"أقولها بوضوح: سنواصل الحرب حتى نحقق جميع أهدافنا الحربية؛ لا يمكننا تحقيق هذه الأهداف من دون مواصلة العمليات البرية التي كانت أساسية لتحقيق النتائج المحققة حتى الآن، وسيستمر القتال حتى النصر".

هذا ما صرّح به بنيامين نتنياهو رئيس وزراء حكومة الحرب الإسرائيلية مساء يوم السبت في 2 كانون الأول/ديسمبر الجاري، وذلك بعد أن كان الجيش الإسرائيلي قد استأنف، صباح يوم الجمعة، حربه العدوانية على قطاع غزة، بعد هدنة استمرت  أسبوعاً[1]. وكانت الهدنة قد سمحت بإطلاق سراح 80 محتجزاً إسرائيلياً لدى حركة "حماس"، من النساء والأطفال، و240 أسيراً فلسطينياً من السجون الإسرائيلية، من النساء والقاصرين أيضاً، ونحو ثلاثين أجنبياً أو مزدوجي الجنسية، معظمهم من العمال التايلانديين. كما أتاحت زيادة وصول المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، حيث يعاني جميع السكان البالغ عددهم نحو 2.4  مليون نسمة، وفقاً للأمم المتحدة، من انعدام الأمن الغذائي، ونزح 1.7 مليون منهم بسبب الحرب، وتعرض لأضرار أو دمر أكثر من نصف المساكن في القطاع [2].                      

من المسؤول عن إنهاء الهدنة؟

اتهم مكتب بنيامين نتنياهو  حركة "حماس" بـ "انتهاك الاتفاق"، بشأن الهدنة و "إطلاق الصواريخ" باتجاه إسرائيل، متذرعاً بأن "حماس لم توافق على إطلاق سراح الرهائن الآخرين، ولا سيما النساء، وبالتالي انتهكت شروط الهدنة"، علماً بأنه كان قد أوضح لوزرائه، في الجلسة التي عقدتها حكومة الحرب الإسرائيلية، في 21 تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، ووافقت فيها على اتفاق الهدنة، أن "الحملة الإسرائيلية الرامية إلى منع حماس من السيطرة على أي جزء من غزة ستستمر بعد وقف إطلاق النار"، وأضاف: "نحن في حالة حرب، وسنواصل هذه الحرب حتى نحقق جميع أهدافنا: تفكيك حماس، واستعادة الرهائن لدينا، وضمان عدم وجود أحد في غزة يمكنه تهديد إسرائيل"[3]. وقد تناغم الموقف الأميركي مع هذا الموقف الإسرائيلي، إذ حمّل وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن كذلك حركة "حماس" المسؤولة عن إنهاء الهدنة.

بيد أن حركة "حماس" رفضت تحميلها مسؤولية إنهاء الهدنة، وأشارت في بيان لها إلى أنها "اقترحت تبادل أسرى ومسنين" بين المحتجزين، فضلاً عن تسليم جثامين المحتجزين الإسرائيليين "الذين فقدوا حياتهم في القصف الإسرائيلي" إلى إسرائيل، لكن الحكومة الإسرائيلية، "التي اتخذت قرار استئناف عدوانها، لم ترد".وقال خليل الحية، عضو المكتب السياسي في حركة "حماس"، في مقابلة مع قناة الجزيرة إن "حماس" عرضت على إسرائيل ثلاثة عروض للإفراج عن رهائن، وأن إسرائيل رفضتها؛ ووفقاً له، قدمت إسرائيل "قائمة بأسماء النساء اللاتي تبيّن أنهن جنديات"، كما "رفضت مناقشة إطلاق سراح الأسرى البالغين مقابل إطلاق سراح البالغين المحتجزين"، وأضاف أن "حماس" وافقت على "إعادة الجثث والرهائن مقابل إطلاق سراح الأسرى الذين تم إطلاق سراحهم كجزء من صفقة جلعاد شاليط ومن ثم أعيد اعتقالهم، لكن إسرائيل رفضت العرض"[4].

الموقف الأميركي: ضوء أخضر لاستمرار الحرب، ولكن!

مساء يوم السبت في الثاني من هذا الشهر، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قصف "أكثر من 400 هدف" في قطاع غزة، في الشمال وفي الجنوب، وتحديداً في خانيونس ورفح، منذ استئناف القتال يوم الجمعة، وهو ما خلّف ما لا يقل عن 240 شهيداً، بحسب مدير الصحة في حكومة حركة "حماس"، بينما أعلنت فصائل المقاومة أنها أطلقت "وابلاً من الصواريخ" يوم السبت مستهدفة عدة مدن في إسرائيل، بما فيها تل أبيب. كما استؤنفت المواجهات العسكرية بين الجيش الإسرائيلي وقوات حزب الله، بعد أن كانت قد توقفت خلال أيام الهدنة.

بيد أن الجيش الإسرائيلي يواجه، في حربه المتجددة على قطاع غزة، معضلة كبيرة في جنوب القطاع، وهي وجود أكثر من مليون فلسطيني كانوا يعيشون في الشمال من القتال ولجأوا إلى الجنوب بعد بدء الحملة البرية، وهو ما قد يوقع الآلاف من الضحايا بين صفوف المدنيين، ويشكّل "مصدر قلق كبير" للإدارة الأميركية. فهذه الإدارة، التي استمرت في تزويد إسرائيل بالأسلحة، بما فيها القنابل الثقيلة القادرة على اختراق الأنفاق، وجدّدت تأكيد حق حليفتها في "الدفاع عن نفسها"، واتفقت معها على "تفكيك" حركة "حماس"، صارت تخشى، أمام ضغط قطاعات واسعة من الرأي العام الأميركي والعالمي، أن تكرر إسرائيل في جنوب القطاع عمليات القتل والتدمير الوحشية التي ارتكبتها في شماله. وهو ما نبّه إليه وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، خلال اجتماعه مع رئيس وزراء حكومة الحرب، بعد وصوله إلى إسرائيل فجر يوم الخميس في 30 تشرين الثاني/ نوفمير الفائت، إذ قال إنه أبلغ بنيامين نتنياهو أن إسرائيل "لا يمكنها أن تكرر في جنوب غزة الخسائر البشرية الفادحة والنزوح الجماعي للسكان في شمال القطاع".

وأثناء المناقشات التي دارت، مساء اليوم نفسه، في اجتماع مجلس الحرب الإسرائيلي بمشاركة وزير الخارجية الأميركي، قدّر رئيس الأركان الجنرال هرتسي هاليفي أن الحرب "ستستمر أكثر من بضعة أسابيع"، فأشار أنتوني بلينكن، رداً على ذلك، إلى أنه "ليس من المؤكد أن لدى إسرائيل الكثير من الوقت قبل أن تتصاعد الضغوط الدولية عدة مرات لتنفيذ وقف دائم لإطلاق النار"، وشدّد على أنه "من الضروري أن تتصرف إسرائيل وفقاً لقوانين الحرب وتمنح الفلسطينيين النازحين في الجنوب خيار العودة إلى الشمال بمجرد أن تسمح الظروف بذلك". أما كامالا هاريس نائبة الرئيس الأميركي فقد قالت، خلال مشاركتها في "قمة المناخ" في دبي، إنه "يجب على إسرائيل أن تفعل المزيد لحماية المدنيين الأبرياء" [5].

وفي محاولة للالتفاف على هذا "الضغط" الأميركي، نشر الجيش الإسرائيلي خريطة على موقعه الإلكتروني باللغة العربية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي لتحذير سكان قطاع غزة من مناطق القتال الجديدة، وهي خريطة تقسم القطاع الفلسطيني إلى 620 منطقة، وتطلع المدنيين الفلسطينيين على مواقع الاشتباكات الجديدة مع حركة "حماس"، وعلى المناطق والأحياء التي من المفترض أن يكون السكان الفلسطينيون "آمنين فيها". كما أسقطت الطائرات الإسرائيلية، يوم الجمعة، منشورات باللغة العربية على الأحياء الشرقية لمدينة خان يونس، تأمر السكان بإخلاء المنطقة والتوجّه إلى رفح، الواقعة إلى الجنوب، وهي مدينة مكتظة بالسكان أصلاً، وورد في تلك المنشورات: "عليكم الإخلاء فوراً والذهاب إلى الملاجئ في رفح؛ خان يونس منطقة قتال خطيرة، لقد تم تحذيركم" [6].

الولايات المتحدة الأميركية واليوم التالي للحرب

بينما تتخبط حكومة الحرب الإسرائيلية في حربها العدوانية على قطاع غزة، وتطرح أهدافاً غير قابلة للتحقيق في الواقع، ولا تعرف بالضبط ما هي خطتها لليوم التالي للحرب، تسعى إدارة الرئيس جو بايدن إلى بلورة بعض السيناريوهات لليوم التالي للحرب.

فبعد استئناف إسرائيل حربها العدوانية على قطاع غزة، أعلن البيت الأبيض يوم الجمعة أن الولايات المتحدة ستواصل الضغط من أجل تمديد الهدنة في غزة، وقال متحدث باسم مجلس الأمن القومي: "نواصل العمل مع إسرائيل ومصر وقطر لإحياء الهدنة الإنسانية في غزة".

أما أنتوني بلينكن، فقد نقل عنه موقع "تايمز أوف إسرائيل" قوله، بعد وصوله إلى دبي يوم الجمعة للمشاركة في افتتاح "قمة المناخ" ولقائه مع عدد من الوزراء العرب: "كيف نفكر فيما يحدث في غزة؟ كيف يتم حكمها؟ من يضمن الأمن؟ كيف يمكننا البدء في إعادة البناء؟ وقبل كل شيء، كيف يمكننا أن نسير على الطريق المؤدي إلى السلام العادل والدائم؟... بالنسبة لنا، يجب أن يؤدي هذا إلى دولة للفلسطينيين"، وتابع قائلاً: "إن هذا يتطلب عملاً شاقاً وقرارات صعبة والتزامات يتعيّن على العديد من البلدان أن تتعهد بها"، في إشارة على ما يبدو إلى الأمل الأميركي في أن يتولى الحلفاء العرب مسؤولية الأمن في غزة خلال فترة انتقالية، وذلك إلى أن تصبح السلطة الفلسطينية مستعدة لتولي المسؤولية. وقال: "نعلم من خلال سنوات خبرتنا العديدة أن أياً من هذا لن يكون سهلاً، لكنني أعتقد أنه ضروري أكثر من أي وقت مضى" [7].

وفي مقال مطوّل بعنوان: "الولايات المتحدة تفتقر إلى استراتيجية بديلة"، نشرته المجلة الإلكترونية الفرنسية "أوريان 21" في 1 كانون الأول/ديسمبر الجاري، قدّر الصحافي المعروف سيلفان سيبل، أن "قائمة الإخفاقات الدبلوماسية لواشنطن منذ 7 أكتوبر طويلة بالفعل"، إذ هي فشلت في "إقناع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي باستقبال عدد كبير من سكان غزة (مليون؟ مليونان؟) مقابل 25 مليار دولار (23 مليار يورو)، وهو ما كان سينُظر إليه في جميع أنحاء العالم على أنه عملية تطهير عرقي"، كما إن فرصتها في إنشاء "محور استقرار" في الشرق الأوسط تضاءلت جراء دعمها إسرائيل الهادفة إلى "القضاء على حماس".

ثم يعرض الصحافي نفسه مضامين ثلاثة مقالات نشرتها مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، المرتبطة بمجلس العلاقات الخارجية المتخصص في العلاقات الدولية، يتساءل مؤلف الأول منها، وهو رجل القانون الشهير بريان فينوكين، عما إذا كانت واشنطن "مسؤولة عما تفعله إسرائيل [في غزة] بأسلحتها الأميركية؟"، ويجيب بنعم، مقتبساً من جوش بول، المدير السابق لمكتب الشؤون السياسية في وزارة الخارجية الأميركية، الذي استقال في تشرين الأول/أكتوبر الفائت احتجاجاً على تقديم واشنطن السلاح لإسرائيل في حربها على غزة، قوله: "لا يعرف العديد من كبار المسؤولين جيداً  كيف تستخدم إسرائيل حالياً الأسلحة التي نزوّدها بها، ولكنهم يعترفون سراً بأن [ما ترتكبه] هو جرائم حرب".

أما المقال الثاني، فهو يركّز على ضرورة قيام الولايات المتحدة بمراجعة سياستها في الشرق الأوسط، وأعدّه الأكاديميان ماريا فانتابي وفالي نصر، اللذان اعتبرا أن رد فعل واشنطن على حرب إسرائيل على غزة تمثّل في "الدعم المطلق تقريباً لهجوم وحشي، بحيث كانت النتيجة الغضب المناهض لإسرائيل والولايات المتحدة في جميع أنحاء الشرق الأوسط"، وأن إيران هي "المستفيد الأول" مما يحدث، لأن المنطقة برمتها تغرق في "حالة عدم ثقة عميقة" بالولايات المتحدة التي تبدو غير قادرة "على قيادة المنطقة نحو الاستقرار"، الأمر الذي يفرض على واشنطن "أن تراجع افتراضاتها الأساسية"، وأن تقوم بـ "إعادة بناء استراتيجية شرق أوسطية تأخذ في الاعتبار الحقائق التي تم تجاهلها منذ فترة طويلة، على أن يكون حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني محور هذه الجهود"، ليخلصا إلى أنه "لكي تحظى مفاوضات واسعة النطاق في الشرق الأوسط بفرصة النجاح، يجب على الولايات المتحدة أن تهتم على نطاق أوسع بمصير الفلسطينيين، بدلاً من تجاهل قضيتهم، وذلك من خلال المساهمة في إنشاء دولة فلسطينية مستقبلية قابلة للحياة".

بينما أوضح كاتب المقال الثالث، وهو جوست هيلترمان مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لمجموعة الأزمات الدولية، أن الحرب التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة لن تسفر عن "نتائج إيجابية" لا لإسرائيل ولا للولايات المتحدة، جراء "عدم وجود أهداف واضحة لها"؛ فالخيار الوحيد للجيش الإسرائيلي "الغاضب" كان استخدام "القوة غير المتناسبة" ضد المدنيين الفلسطينيين في تطوير لـ "عقيدة الضاحية" لسنة 2006، لكن إسرائيل، كما يتوقع، قد تجد نفسها "غير قادرة على تحقيق طموحها المتمثل في تدمير قدرات حماس العسكرية ما لم تتورط في عملية إعادة احتلال لقطاع غزة، من شأنها أن تجبرها على تسلم الحكم المباشر على السكان المشردين اليائسين"، وتكون  النتيجة "عكس ما تريده إسرائيل تماماً". ثم يعرض هيلترمان ​​الخيارات الأخرى التي يمكن تخيلها، وهي: إرسال "قوة حفظ سلام عربية" إلى غزة، وهو خيار "لا يغوي أحداً"؛ إعادة تثبيت السلطة الفلسطينية في غزة، ولكن "إذا كانت السلطة الفلسطينية تكافح من أجل حكم الضفة الغربية، فكيف يمكننا أن نتصور أنها ستعمل بشكل أفضل في غزة؟.

أما خيار إعادة محمد دحلان المنشق عن حركة فتح، والذي "يحظى بشعبية كبيرة في واشنطن وأبو ظبي ويعتبر مقرباً من الأجهزة الإسرائيلية إلى غزة"، فيبدو "وهمياً تماماً"؛ في حين أن اندفاع إسرائيل نحو الطرد الجماعي لسكان غزة، "يمكن أن يولّد سيناريوهات مختلفة، بما في ذلك التوسع الهائل في الحرب الحالية، ومن المؤكد أن [جو] بايدن لا يريد ذلك".

ويخلص المحلل نفسه إلى أن إدارة الرئيس جو بايدن، إذا كانت "تريد إصلاح الضرر الهائل الذي ألحقته بمصداقية الولايات المتحدة من خلال دعمها غير المشروط لإسرائيل"، فيجب عليها أن تفهم أن أي حل "سيتطلب الضغط الأميركي على إسرائيل، بصورة أكبر مما كان عليه في أي وقت مضى"، وهو خيار "غير محتمل التحقق"، الأمر الذي يعني أن رفض إسرائيل "إنهاء هيمنتها على شعب آخر سيحكم بلا شك على أجيال من الإسرائيليين والفلسطينيين بتحمل المزيد من الفظائع نفسها" [8].

خاتمة:

منذ أسابيع يشير مسؤولو الإدارة الأميركية إلى أن هدفهم، بعد انتهاء هذه الحرب العدوانية، هو إحياء "عملية السلام" الرامية إلى إقامة دولة فلسطينية وذلك بعد "تأهيل" السلطة الفلسطينية و "تجديدها" كي تكون قادرة على تسلم الحكم في قطاع غزة؛ والمدخل إلى ذلك هو القضاء على حركة "حماس" و"تفكيك" سلطتها!!

فهل هناك عاقل بين الفلسطينيين يمكن أن يتجاهل حقيقة أن الحرب العدوانية التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة وسكانه لا تستهدف حركة "حماس" فحسب، بل تستهدف الشعب الفلسطيني بأسره، وأن هزيمة المقاومة في غزة ستعني هزيمة المشروع الوطني الفلسطيني، وأن احتمال قيام دولة فلسطينية أصبح اليوم، وكما قدّر سيلفان سيبل نفسه، "غير قابل للتصديق مثله مثل احتمال قيام دولة مشتركة"، وأن كلا الخيارين سيظل "مستحيلاً حتى تتخذ الولايات المتحدة قراراً بإجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي الفلسطينية بصورة نهائية ومن دون تأخير؛ وهو أمر صعب".

* باحث ومؤرخ - مؤسسة الدراسات الفلسطينية - بيروت.