الديبلوماسية الشعبية تغير الرأي العام لصالح التضامن مع غزة

2023-11-29

| ريما كتانة نزال

 الصورة المرعبة الخارجة من قطاع غزة على الملأ بالصوت والصورة بعد الهدنة الانسانية، كشفت عن الحقيقة، واظهرت الوحشية الاسرائيلية، الصورة والحقيقة أديا تدريجيا إلى إحداث تغيير في اوساط الرأي العام العالمي، وباتت غزة قضية حاضرة على مصراعيها، تُجادل بأصل الرواية وتاريخها وحضارتها وعذاباتها وإنسانيتها من بحرها إلى نهرها، مؤكدة أصالتها وبراءتها من جميع الاتهامات الموجه لها، فحصلت على التضامن مع حقها في الحرية واستقلال، وأدين المجرم الحقيقي.

ولا شك ان الصورة لعبت دورها في كشف حقيقة العدوان، لكن الصمود الغزّي في وجه القصف الهمجي، أعاد طرح القضية الفلسطينية التي غابت لمدة طويلة إلى صدارة الأحداث والاهتمامات الدولية والاقليمية، سبقه الصبر الغزي على الحصار الصارم المفروض بالاتجاهين، الدخول والخروج من المعابر للدراسة والعلاج وانسياب البضائع الذي كان بمثابة عقاب جماعي للسكان.

لقد استطاعت غزة مواجهة الموقف المعادي ومعسكره المخلص لتاريخه الاستعماري بعد مضي عشرات السنين على التحرر منه في المنطقة العربية على الأقل، لقد بدت بعض الدول الاستعمارية كالذي لا يستطيع خلع جلده الاستعماري، فرفع فاتورة الموت والدمار إلى مستويات لا يمكن تخيلها، بوصول نسبة الشهداء إلى أكثر من 1% من اهل القطاع حتى نهاية تشرين الثاني 2023، بينما بلغت نسبة القتلى في الحرب العالمية الثانية حوالي 2.5% من سكان العالم التي استمرت أربع سنوات.

بعد أسبوع على العدوان وارتكاب عديد المجازر ضد المدنيين والمستشفيات والمدارس ودور العبادة بدأ التغيير التدريجي على وجهات النظر، التقط المؤيدون وحركات التضامن الدولية أنفاسهم ونزلو الى الشوارع والساحات العامة بوضوح كاشف ودون التباس مواقفهم السياسية والانسانية المنادية بحرية فلسطين والمنددة بالاحتلال الصهيوني، ساعد في ذلك إعلانات القتل العنصرية للفلسطينيين وتوعدهم بالحرق والتدمير لدرجة الدعوة للتخلص منها بضربة نووية قاضية أو رميهم بوجه العالم.

  لقد وضع العدوان الصهيوني الهمجي على غزة المجتمعات الانسانية امام مفترقات، وأصبح الموقف السياسي والانساني يؤشر بصراحة إلى هويتها ويموضعها بين محددين لا ثالث لهما، إما مع الحرية والاستقلال والكرامة الانسانية أو ضدهم، مع العنصرية أو ضدها، مع الشرعة الدولية لحقوق الإنسان فعليا أو مع شريعة الغاب.. وعليه تدحرجت كرة الثلج ضاغطة على مراكز القرار فسمعنا لغة جديدة من مسؤولين في الاتحاد الأوروبي ومحكمة الجنايات. وقفنا أمام رقم جديد يعلن أن 95% من الشعوب مع غزة الفلسطينية و5% مع اسرائيل، وهو حصاد يُحسب للديبلوماسية الشعبية وفضلها.

لا شك أن غضبة الشعوب العابرة للحدود العربية دفعت الجماهير العربية المقموعة غالباً تحت الاستبداد لنفض غبار الجمود عن أكتافهم، وتخرج الى الشوارع  لتعبر عن تأييدها لغزة وفلسطين وتتجاوز مواقف وخذلان حكامهم وحيادية بعضهم عن الانحياز الى حق الشعب فلسطين في الحرية والاستقلال وإظهار موقفهم القومي والعروبي اتجاه إنهاء الاحتلال بشكل واضح، وهو ما لم يَحُلْ دون خروج الجميع بتنوعه، السياسي والديني والفكري والثقافي، لإدانة العدوان وتأييد المقاومة الفلسطينية وحركة حماس في الدفاع عن الوجود الفلسطيني ضد حرب الابادة والتطهير العرقي،

وحري بالقول إن انتفاضة الشعوب حول العالم الرافضة لمواقف أنظمتها كونها نظرت لها واعتبرتها مواقف ظالمة ومنحازة للاحتلال وبأنها لا تعبر عنها، وبالتالي هي خرجت لإدانة القتل على الهوية، وعبرت عن سخطها من الصمت الدولي الذي يمارس عليه الابتزاز الصهيوني ورمي الاتهامات باللاسامية جزافاً، في وجه كل من يعارض الاحتلال وانتهاكاته المستمرة.

وبدون أدنى شك، للحراكات الاحتجاجية في ابعادها العالمية والاقليمية والعربية هدف واضح يتمثل بالدفاع عن حق غزة بالحياة ووقف إطلاق النار. والتظاهر في الشوارع كفضاء مفتوح يحقق أهدافا غاية في الأهمية: التعبئة السياسية وتعزيز الوعي الجمعي بالموقف السياسي والتحريض على الاحتجاج بالشعارات المرفوعة علاوة على وظيفته في طرح المطالب من أصحاب القرار السياسي والالتفاف حولها كموقف شعبي خاص بكل دولة، كما يضغط على الدول ويطالبها بتبنيها وحملها إلى المحافل الدولية لتحقيقها، من أجل وقف العدوان وحماية الشعب الفلسطيني، في الوقت نفسه فإن التظاهر في الشوارع يروم التأثير على الطبقات السياسية في الدول من أجل التدخل باسم الجماهير لتحقيق مآربه وغاياته في الضغط من أجل تغيير موقفها المحايد من القضية الفلسطينية أو المنحاز والمناهض لها، نحو تبني موقفاً ايجابيا على أساس حقوقي باتجاه تحقيق العدالة ورفع الظلم وإنهاء الاحتلال وحق الشعب في الدفاع عن نفسه بالمقاومة.

وقد دلّت الشعارات المرفوعة على تجذر وعي المتظاهرين بتفاصيل القضية الفلسطينية وانغراسها في ضميرهم، وإدراكه محاور الصراع مع دولة الاحتلال. واللافت أنّ الفاعلين في مشهدية التظاهر لم ينخرطوا في دوّامة التعصّب الأيديولوجي ضد حركة حماس، بل اجتمعوا تحت راية فلسطين ومن أجل حق الشعب في تقرير مصيره ووقف إطلاق النار وفتح المعابر لمرور المساعدات.

لم يقتصر التغيير على تضامن الشارع على الاحتجاج على القتل والعدوان بل تعداه نحو رفض استمرار الاحتلال، والدعوة المتزايدة لإنهائه، وقد لعبت"السوشال ميديا" و"الفضاء السيبراني" في دورا في غاية الاهمية لإحداث نقلة في الوعي، تمثل في اجتياح شبكات التواصل الاجتماعي والانترنت، وانتشار الوسوم الفلسطينية على جميع المواقع بشكل مدهش يشي بأشكال التعاطف الجمعي مع المقاومة الفلسطينية.

ومن نافلة القول ان هذا الحضور الشعبي الهادر في مختلف ساحات العالم وشوارعها ولا سيما الغربي منها قد عكس التغير الحاصل في الراي العام والمتمثل في ارتفاع الوعي والتأييد للقضية الفلسطينية وادانة دولة الاحتلال وسياساتها العنصرية، وهو ما أدى إلى تزايد الغضب في أوساط دولة الاحتلال المصابة بالإدمان على قتل المدنيين، وازدياد العزلة الدولية على مستوى الشعوب وبعض النخب، حيث دفع على مستوى تغيير مواقف بعض الأنظمة المنحازة كليا لإسرائيل باتجاه تغيير مصطلحاتهم وابداء بعض التوازن النسبي. وفي المقابل زاد من صمود الغزيين وتمسّكهم بالأرض، وعزّز في اوساط الشعب الفلسطيني الثقة ان نضاله المتراكم بات يحدث تغييرا في النظرة وبات يحاصر المحتل وسياساته الاجلائية والعنصرية.

ختاماً، في يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني علينا قوْلها بأعلى صوت، أن غزة المقاومة الواثقة من نفسها والفخورة بذاتها بقوة إيمانها بأوراق قوتها وقدرتها على توظيفها لصالحها، استطاعت إذكاء روح التضامن العالمي، مع القضية الفلسطينية عموما، ونجحت في فرض عزلة دولية واقليمية على دولة الاحتلال، مثلما جعلت المؤيدين لدولة الاحتلال والمنحازين لها الإمساك بالعصا من منتصفها في محاولة لدرء الضغوط عنهم وعن مظلتهم الحامية لدولة الاحتلال بالتلويح بضرورة ايجاد حل للقضية الفلسطينية، ولكي لا نقع مجددا بالوهم فان الفعل الشعبي المتنامي على وقع الصمود والمقاومة الفلسطينية والتمسك بالحقوق الوطنية وامتلاك قوة فعل قادرة على توليد ضغط فعلي هو الكفيل بتحقيق اهداف شعبنا الفلسطيني في اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس. ما دون ذلك سيبقى سرابا..