
رحيل المفكر المصري نصر حامد أبو زيد
القاهرة - إذاعة هولندا العالمية/ توفي صباح اليوم الاثنين المفكر المصري نصر حامد أبو زيد، في مستشفى الشيخ زايد في القاهرة، اثر إصابته بمرض فايروسي الشهر الماضي. وسوف تشيع جنازته اليوم في مسقط رأسه طنطا. جاء ذلك في بلاغ صحفي عاجل وزعته السيدة مديرة تحرير الأهرام ويكلي الصادرة بالإنجليزية صباح اليوم الاثنين.
وكان الباحث المتخصص بشؤون الفكر الإسلامي د. نصر حامد أبو زيد يقيم ويعمل منذ منتصف التسعينات في هولندا، أستاذاً في جامعة لايدن العريقة. وأصدر أبو زيد عدة كتب أثارت الكثير من الجدل تناولت النص القرآني، والاتجاه العقلي في التفسير، وقضايا أخرى في تجديد الفكر الإسلامي.
وأدت طروحاته الجريئة حول تاريخية النص القرآني إلى صدور فتاوى من بعض رجال الدين في مصر باعتباره مرتداً، ومطالبتهم بالتفريق بينه وبين زوجته، وهو ما حكمت به لاحقاً محكمة مصرية. واثر صدور ذلك الحكم اضطر أبو زيد وزوجته السيدة ابتهال يونس إلى الهجرة إلى هولندا.
وآخر المواقف التي أثيرت فيها مجدداً قضية "ارتداد" نصر حامد أبو زيد كانت في الكويت، حيث منع من دخوله البلاد، التي كان مدعواً لإلقاء محاضرة فيها، بعد احتجاجات من رجال دين سلفيين.
ولعب نصر حامد أبو زيد أثناء وجوده في هولندا دوراً في الحوار الدائر في هذه البلاد حول الجاليات الإسلامية، وظواهر التطرف في أوساط الشباب المسلمين. وفي حوار حوار سابق أجراه معه القسم العربي في إذاعة هولندا العالمية اعتبر زيادة المنح الأكاديمية التي تقدمها الدول الغربية للطلاب من الدول الإسلامية لدراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية في الجامعات الغربية أفضل وسيلة لدعم التجدد الديني خصوصا وأن المناهج النقدية ستقودهم تلقائياً إلى فهم دينهم بطريقة حديثة وتاريخية تأخذ ما هو جوهري من التاريخ.
نصر حامد أبو زيد إنساناً.. ومفكراً
كتب: رؤوف مسعد*- إذاعة هولندا العالمية/ تعرفت على الدكتور نصر حامد أبو زيد حينما اقترحتّ على قناة VPRO الهولندية عمل ريبورتاج تلفزيوني عن استاذ جامعة مصري، مرفوعة ضده عدة قضايا "حسبة" بهدف تكفيره رسميا ثم تطليقه من زوجته "المسلمة " د.ابتهال يونس أستاذ الأدب الأسباني في جامعة القاهرة. لأنه إذا ثبت ارتداده عن الإسلام لا يجوز له أن يحتفظ في عصمته بزوجة مسلمة.
كان هذا عام 1994.
حجة تكفير ابو زيد انه كتب رسالة الدكتوراه عن الامام الشافعي، وناقش المذهب الشافعي علميا وخاصة بعد أن أعلن الشافعي اغلاق باب الاجتهاد في الاسلام. وكان اعتراض أبو زيد في الرسالة المقدمة للجنة الأستاذة في الجامعة لحصوله على كرسي الأستاذية، أن الشافعي بهذا أغلق واحدا من اهم واخطر ابواب الاسلام وهو الاجتهاد.
في الوقت نفسه تقدم بضعة محامين مصريين بدعوى "حسبة" ضد أبو زيد، واستندوا في دعواهم على أسباب رفض الرسالة من د. عبد الصبور شاهين بان أبو زيد سلك منهج سلمان رشدي في تحقير الصحابة.
هكذا كان لقائي الأول بأبو زيد في شهر ديسمبر من عام 1994 في بيته - أولا - بمدينة ستة اكتوبر الصحراوية على اطراف القاهرة، ثم في مكتبه بالجامعة بعد أن حصلنا على إذن خاص بتصويرنا اياه في الجامعة وإثناء إلقائه محاضراته على طلاب قسم اللغة العربية.
بالطبع أيضا قابلنا دكتور شاهين وسجلنا رأيه. ثم قدمت جامعة لايدن في وقتها عرضا له بالحضور والانضمام إلى اساتذتها ليشرف على طلاب الدكتوراه في الجامعة في قسم الدراسات الإسلامية.
وبعدها بسنوات عرضت على ابو زيد أن أقدم كتابا مبسطا عن الإسلام، بحيث أقوم أنا بدور محامي الشيطان (أي بالهجوم التقليدي على الإسلام) ويقوم هو بصفته مفكراً إسلامياً أكاديمياً بتفنيد حججي وكانت فكرة الكتاب هي تقديم رؤيا بسيطة عن الاديان بشكل عام وعن الاسلام بشكل خاص. رحب أبو زيد بالفكرة.
عملنا سويا في الكتاب لبضعة اشهر وسجلت ساعات حوار طويلة تبلغ الثلاثين ساعة. وصدر الكتاب في المغرب بعنوان " الإسلام لابني ". ولكي أكون في مستوى يسمح لي بمناقشة ابو زيد فقد طلبت منه إعطائي كل مؤلفاته وانكببت عليها اقرأها وأسجل ملاحظاتي.
كانت هذه الدراسة بالنسبة لي أول دراسة ممنهجة عن الاسلام وعن كتابات "التأويل" التي تخصص فيها مفكرون منهم أبو زيد. وتعرفت على مصطلحات مثل الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول وعلى تاريخ الصراع التفسيري للإسلام، وهو صراع كان الخلفاء والسلاطين يمسكون بطرف منه، والمفكرون بطرف آخر، خاصة المعتزلة الذين تأثروا بالفلسفة الإغريقية وطبقوا منهجها على تأويلهم للآيات القرآنية وخاصة تلك التي تحض المسلمين على شق عصا الطاعة عن الوالي أو الخليفة الظالم ..الخ.
نال أبو زيد تكريما أكاديميا رفيع المستوى من جامعات هولندا ومن الدوائر الأكاديمية الاستشراقية الغربية المهتمة بالتأويلات والدراسات المعاصرة للإسلام.
كان أبو زيد يقول أن الدراسات والإنجازات العلمية والفلسفية الغربية وخاصة تلك التي اهتمت ببنية اللغة والدلالات والرموز، قدمت للباحث في الدراسات الإسلامية منهجا علميا صارما وهاما يستطيع أن يحقق به انجازات علمية وتأويلية.
كان أبو زيد يتمتع بحس فكاهي راق وإنساني.. واسع الإطلاع، كثير السفر لإلقاء محاضرات في عواصم العالم الغربي، شغوفا بالعلاقات الإنسانية، والموسيقى والأفلام.
وهكذا بعد سنوات طوال من الهجرة الإجبارية، استطاع أبو زيد أن يرجع إلى مصر منذ سنوات قليلة، وان يلقي ببضعة محاضرات في مكتبة الإسكندرية، وان يلتقي مرة أخرى بتلاميذه ومريديه.
لكن القدر لم يمهله طويلا.
اذكر اني سألته ابان حواراتنا الطوال عن امنيته العزيزة إلى قلبه فقال "أن التقي بتلاميذي المصريين والعرب في الجامعة المصرية وان اُدفن في مصر."
وكانت الأقدار به رحيمة - بطريقتها – فحققت له أمنيته في السنوات ألأخيرة من حياته القصيرة، التي كرسها للدفاع عن معتقداته وان كلفه هذا الدفاع، الكثير!
رحمه الله رحمة واسعة.
5/7/2010