منتدى الفكر والسياسة  مــوقفنـــا  فعاليات الحــزب  بيانات الحــزب  إصدارات جديدة

الرئيسية >
للطباعة أرسل لصديق


في رحيل خوسيه ساراماغو


في رحيل خوسيه ساراماغو

"اعتقد ان المجتمع الحالي ينقصه الفلسفه. الفلسفه كمكان وكبراح للتفكير وللتأمل.التأمل ممكن ان يكون بدون هدف معين علي عكس العلم الذي يسعي دائما لتحقيق هدف ما. ينقصنا  التأمل والتفكير. نحتاج للعمل علي التفكير. ما أراه أننا بدون أفكار لن نحقق أي شيء ولن نتحرك من أماكننا."
هذه كانت آخر جمله منشوره للكاتب البرتغالي جوزيه ساراماجو في مدونته 11(/06/2010)

جوزيه ساراماغو: وداعاً "أرض الخطيئة"
. هذه الجملة قالها وترك لنا العالم وترك لنا سيره ذاتيه غنية بالإنسانيات وبالمواقف الثابتة طوال حياته. هذا الشيوعي البرتغالي الصلب اللين المحب.

برحيل الكاتب البرتغالي جوزيه ساراماغو، يفقد عالمنا أحد أعذب الأصوات السرديّة في الرواية المعاصرة، وأحد أشرس المدافعين عن فكرة العدالة الإنسانية. إلى جوار مسيرته الروائية المتفردة، حافظ صاحب «تاريخ حصار لشبونة» على التزامٍ سياسي نبيلٍ ونادر تجاه القضايا والمشكلات التي عاصرها. خلط حامل «جائزة نوبل للآداب» (1998) بين الفانتازيا والواقع في أعماله. السياسة رافقت الكتابة وتداخلت مع مناخاتها.

التاريخ المتخيّل صار مادة روائية صالحة للوقوف في وجه التاريخ الزائف الذي تكتبه السلطات السياسية والدينية. لم يفعل ذلك في الكتابة فقط، بل تحوّل ذلك إلى سيرة شخصية أدلى فيها بانتقادات لاذعة أثارت جهاتٍ عديدة ضده، وخصوصاً الكنيسة الكاثوليكية إثر صدور روايته «الإنجيل بحسب المسيح» (1991) التي أجرى فيها تعديلات على سيرة السيد المسيح أو «ملأ الفراغات في سيرته»، بحسب تعبيره. أثارت الرواية سجالاً عنيفاً لم يتوقف مع المؤسسة الدينية حتى آخر أيامه. وكان آخر تصريح له بمناسبة صدور «قابيل» (2009) التي سخر فيها من قصة آدم وحواء، إذ وصف الكتاب المقدس بأنه «دليل للعادات السيئة»، وقال عن البابا بنديكيت السادس عشر بأنّه «يتحدث باسم الربّ لتعزيز توجهات القرون الوسطى"
ولد ساراماغو عام 1922. نشر باكورته «أرض الخطيئة» عام 1947، ثمّ انتظر عشرين عاماً كي يعود إلى الكتابة بديوان حمل عنوان «أشعار محتملة». انتسب إلى «الحزب الشيوعي البرتغالي» المحظور عام 1969، وشارك في ثورة القرنفل التي أنهت ديكتاتورية نظام سلازار، لكنّه لم يحصل على الشهرة إلا حين بلغ الستين من عمره مع رواية «الإله الأكتع» (1982(.

حظي صاحب «العمى» بحفاوة مستحقّة في العالم العربي. ليس فقط عبر ترجمة الكثير من أعماله إلى لغة الضاد، بل من خلال مواقفه الشجاعة، وأهمّها زيارته مع وفد من الكتّاب العالميين لرام الله، ومقارنته الوضع في فلسطين المحتلة بمعسكر أوشفيتز في حقبة ألمانيا النازية. موقف أثار غضب إسرائيل كالعادة، لكنّه فتح عيون العالم على الآلام الفلسطينية المستمرة برعاية أميركا وأوروبا.
غياب ساراماغو، بهذا المعنى، خسارةٌ للأدب وللضمير الإنساني معاً.
حسين بن حمزة   "الاخبار" اللبنانية

حينما قال لي جدي سننام تحت شجرة التين
كان اخر كتاب اصدره الروائي البرتغالي المعروف وحائز نوبل عام 1998 خوسيه ساراماغو (1922 -2010)، هو 'المفكرة'، وهو عبارة عن مدونات ومقالات سياسية تشجب إسرائيل وجورج بوش وسيلفيو برلسكوني والأصولية. وبه أنهى ساراماغو حياة حافلة في النشاط الأدبي والسياسي، وجعلته الصوت الباحث والموثق لروح البرتغال في ماضيها وحاضرها. وبالنسبة لمؤيدي إسرائيل في الغرب فقد ربطوا بينه وبين تصريح ألقاه عام 2002، أثناء زيارة تضامنية قام بها مع عدد من الكتاب إلى رام الله، ووصف فيها معاملة إسرائيل للفلسطينيين بأنها لا تختلف عن الهولوكوست. وقام هذا الكاتب اليساري النزعة، الذي توفي يوم الجمعة (18 حزيران (يونيو)) في لازارناتو في جزر الكناري بالمنافحة عن التاريخ وبؤس الإنسان وعذاباته. فعبر سلسلة من الروايات التي جمعت بين التجريبية السيريالية والحياة الريفية، وبين الطلائعية والتقليدية، إضافة لأعمال شعرية ومسرحية أخرى، قدم ساراماغو تاريخا روائيا للعنف والديكتاتورية ومحاكم التفتيش، وقدم صوته وصورته في عدد من الشخصيات الروائية، وهو وان بدأ ينشر أعماله الأدبية في سن مبكرة إلا انه انتظر طويلا كي يحفى به وبأعماله.

فقد كتب مرة انه لو مات في سن الستين لمات وكأنه لم يكتب شيئا، ذلك ان اول عمل روائي لقي نجاحا، كان روايته 'دليل للرسم والخط' (1977). وتمثل حياته الأدبية خطا من التقدم والعمل الجاد في الكثير من الأعمال، أولها ميكانيكي لمساعدة عائلته الفقيرة، ومصحح في دار نشر وكاتب غير متفرغ ومترجم بعدها في دائرة للتحرير والإنتاج في دار نشر؛ وعمل في عدد من الصحف المحلية، منها فترة قصيرة محررا أدبيا في جريدة 'سيرا نوفا'، وعمل بعد وفاة الديكتاتور انطونيو سالازار عام 1970 معلقا سياسيا في صحيفة 'دياريو ليسبوا'، ونظرا لمواقفه الثابتة وأفكاره اليسارية، حيث انضم إلى الحزب الشيوعي الممنوع في البرتغال عام 1969، فقد تم طرده من عمله عام 1975. وكان الطرد بمثابة الرحمة المزجاة له، لأنه كرس حياته للكتابة والتأليف.  وتذكر ساراماغو الحادث قائلا: 'كان طردي أحسن حدث 'حظ' في حياتي'، ومضى يقول 'لقد جعلني أتوقف مليا وأفكر، وكان بداية لحياتي كاتبا'. كل هذا على الرغم من انه مارس الكتابة كهواية وعمل يومي في سن مبكرة، ولكن الكتابة لم تكن خيارا محبوبا بالنسبة لشاب ينتمي للطبقة الكادحة وابن عائلة فلاحة هاجرت للمدينة كانت بحاجة للمال والدعم اليومي لتوفير لقمة العيش. وكان أول كتاب أصدره عام 1947، وهو كتاب 'ارض الإثم'، الذي نفدت نسخه من المطابع ولم يلق الكتاب النجاح الكبير في حينه، حيث عبر عن ارتياحه لاختفاء العمل من المجال العام. وانتظر ساراماغو عشرين عاما أخرى كي ينشر كتابا جديدا، ليس من اجل تأكيد إبداعيته، ولكن لأنه أصبح معارضا لنظام سالازار. ومن هنا انخرط في سلك الكتابة الصحافية، التي ظلت الطريقة الأثيرة لدى الكاتب كي يعبر ويسجل مواقفه تجاه أحداث الساعة وما يجري في العالم، فمن خلال الكتابة الصحافية كان قادرا على النقد والتعليق على ما يجري في العالم من انتهاكات وخروقات لحقوق الإنسان. وفي الوقت الذي واصل فيه ساراماغو كتابته الصحفية كفعل يومي سياسي، فقد تطورت كتابته الأدبية وطرأ عليها الكثير من التغييرات. ففي الفترة ما بين عام 1966 - 1976 نشر ثلاثة أجزاء ضمت أشعاره، ونشر مجموعة أخرى من أربعة أجزاء ضمت أعماله ومقالاته التي تناولت الكثير من الموضوعات السياسية والاجتماعية. واخذ ساراماغو وقتا طويلا في التجريب الروائي قبل أن يتوصل الى أسلوبه الخاص.

فقد عانت محاولاته الأولى، التي بدأت تظهر منذ عام 1970، من مشكلة حشد الكثير من المعلومات التاريخية والسياسية في الرواية الواحدة كما بدا في روايته 'الانبعاث من الأرض' (1980) ويبدو الكاتب متأثرا في هذه المرحلة بالكتابة الروائية الاجتماعية عند كل من بلزاك وزولا. ومع مرور الوقت بدأ يكتشف ويستكشف أرضا للرواية، التي صارت تأتي له عبر فكرة او اسم أدبي أو حتى جنس من الجناس الكتابية، وهو ما بدا في روايته 'دليل للرسم والكتابة' و'عمى'.

وكانت أولى رواياته، التي حققت نجاحا، هي 'عام موت ريكاردو ريس '(1984)، التي قامت على واحد من الأسماء المستعارة، التي كان يستخدمها الشاعر المعروف فردينادو بيسوا. وعادة ما قارن النقاد أعماله هذه بكتابات فرانز كافكا وخورخي لويس بورجيس. تناول ساراماغو في رواياته الكثير من الموضوعات، منها محاكم التفتيش وشرور الامبراطورية والاستعمار. ومع الاهتمامات السياسية ونقد الدين، حيث لم تكن الفاتيكان ولا المؤسسة الثقافية في البرتغال راضية عن كتاباته، أضاف ساراماغو، خاصة في أعماله الأخيرة ابعادا فلسفية وقيامية، كما في روايتي 'كل الأسماء' (1997) و'المغارة' (2002) وهما الروايتان اللتان تناول فيهما الكاتب فكرة موت الفرد بسبب البيروقراطية. ومعها اهتم ساراماغو بقوة الكلمة وأثرها كوثيقة عن الحياة وكسجل، ومن هنا فالتفاصيل الصغيرة تظل مهمة، والباحثون في حياته وجذور عائلته لاحظوا ان كاتب سجلات اخطأ وأضاف اسم ساراماغو، وهو لقب عائلته إلى اسمه الأول خوسيه ولم ينتبه احد الى هذا الخطأ إلا بعد أن انضم عام 1929 الى المدرسة. وهنا خطأ آخر وهو ان تاريخ ولادته في شهادة الميلاد في يوم 18 تشرين الثاني (نوفمبر) بدلا من 16 من الشهر نفسه.

الكاتب والشخصية والمتدرب
وهذا الحس الباحث عن الحقيقة والتاريخ والواعي للماضي يظهر في مقال كتبه ساراماغو عن تجربته الروائية والبذور التي أدت لولادتها من قاع التجربة في الريف ومن جذور تاريخ 'الامبراطورية البرتغالية' والسلب والنهب ومحاولة تصحيح الماضي والمستقبل والحاضر الديكتاتوري. ففي المقال الذي ترجمته للانكليزية مارغريت جول كوستا عام 1999 تحت عنوان 'كيف أصبحت الشخصية معلما والكاتب متدربا'. ألقى فيه خوسيه ظلالا على تجربته الروائية، ورحلته من قرية صغيرة وعائلة فلاحة من قلب البرتغال ليصبح أهم كاتب برتغالي في القرن العشرين، وقد منحته نوبل الجائزة عام 1998 بعد أن كان أشهر كاتب حي في الأدب الناطق باللغة البرتغالية. وفي المقال إضاءة على أهم المحطات التي رافقت تجربة الكاتب، الذي عمل في أكثر من مهنة وأصبح موثق تاريخ وحاضر البرتغال، واتسمت أعماله ببحث تاريخي عن أسباب العنف وحس تاريخي بالظلم وجشع الإنسان وبيروقراطية المؤسسة، التي غيرت اسمه وتاريخ مولده ووثائقه وسجلاته الرسمية.

الجد والجدة كأبطال في الرواية
وبالعودة للمقال ففيه يصف علاقته مع جده وجدته لامه وحياته اليومية معهما، التي كانت تبدأ في قرية ازينغا من اقليم راباتيخو قبل الفجر، ومعه يبدأ روتين الحياة الزراعية اليومي من فلاحه ورعاية للماشية التي كانت في حالة جده رعاية الخنازير. ويصف جده، الذي يرى انه من احكم الناس الذين عرفهم، بالأمي الذي لم يكن يقرأ أو يكتب، وكيف كان هذا الجد واسمه جيرمينو وجدته جوزيفا في ليالي البرد القاسية يذهبان إلى حظيرة الخنازير ويأخذان اصغر خنزير ويضعانه في فراشهما كي يمنحاه من الدفء الإنساني ما يقيه شر البرد في الحظيرة، وهو رأى في هذا العمل جزءا من طبيعتهما الإنسانية ولم يكن دافعهما الرحمة، مع أنهما لم يكونا شخصين سيئين.

حياة خوسيه في القرية كانت مثل كل حياة الفلاحين، ندح الماء من البئر او عين القرية العامة وحمله على الكتف، ومن ثم حمل المجراف والمضي لمساعدة جده الراعي. وخوسيه الصبي في تلك الأيام كان يعين جده في حفر وحراثة الأرض حول البيت وقطع الأخشاب من اجل نار المساء والطبخ. وكان يجمع العيدان اليابسة من حقول القمح كي تستخدم كفراش تنام عليه الحيوانات. كان للصيف جوه الخاص، ففي الأيام الصافية يختار الجد مع حفيده شجرة تين معروفة كي يناما تحتها ويتمتعا بهدوء الليل ونسيم القرية العليل، حيث يقول الجد: 'خوسيه، في هذه الليلة سننام تحت شجرة التين. كان خوسيه يعرف أي شجرة تين من الشجرتين المعرشتين حول البيت. والسبب في اختيار الجد لتلك الشجرة بالتحديد لأنها الأقدم عمرا والأكبر و'لأنها كانت دائما في مكانها، شجرة تين' كما يقول.

حكايات لا نهاية وبداية لها
في تلك الليالي كان الجد يحكي للحفيد، الذي يدمن على السؤال، حكايات يختلط فيها الحسي بالخيالي ويظهر فيها أبطال أسطوريون، حروب بالعصي وكلمات تستعيد حكمة الأجداد ووشوشات الذاكرة، التي كانت تبقيه مستيقظا حتى يهزمه النوم. يقول خوسيه انه لم يكن يعرف ان كان جده يتوقف عن الحكي بعد نومه حتى لا يترك الأسئلة، التي طرحها الحفيد بدون جواب، والتي كانت تأتي على صيغة 'ثم ماذا حدث بعد ذلك'، ام لا، لكنه يواصل قائلا ان الجد الحكيم ربما كان يحكي القصص لنفسه حتى لا ينساها او يعيد صياغتها بطريقة جديدة. وكأي صبي نشأ خوسيه وهو يحمل فكرة ان جده هو حامل كل المعرفة في العالم. وفي الصباح كان يستيقظ خوسيه ويطوي غطاءه ويمشي حافيا، حيث كانت قهوة جدته وفتافيت من الخبز تنتظره للفطور، ويشير هنا الى انه ظل يمشي حافيا في القرية حتى بلغ سن الرابعة عشرة. وكان السؤال الأول الذي توجهه له جدته على طاولة الفطور: هل نمت جيدا؟ وان كان رأى منامات مرعبة بسبب قصص جده، لتذكره أن الأحلام تظل خيالات وأحلاما غير حقيقية. وعلى الرغم من احترامه لجدته ومعرفتها بالحياة، الا انه كان يرى أنها لم تكن على مستوى المعرفة التي يملكها جده، الذي كان يحرك العالم بكلمتين. وعلى خلاف كلماتها المشجعة اكتشف خوسيه ان الجدة كانت تؤمن بالمنامات، فعندما كانت تغلق الباب كانت تعلق ان العالم جميل، ويسكنها الحزن للتفكير أنها ستتركه يوما وتموت. فهي لم تقل انها كانت خائفة من الموت، بل كانت حزينة لأنها ستموت كما يقول. ويتذكر الروائي جده حاكي الروايات وناسج الذكريات ان الجد عندما أحس بقرب الموت ذهب لكل شجرة من أشجار بستانه يحضنها ويقول لها وداعا.

احد الأجداد بربري من شمال إفريقيا
هذه الذكريات عادت اليه عندما ادخل جده وجدته التي كانت تتمتع بجمال غير عادي في الأعمال الروائية، كان يقوم مثل جده بمحاولة استعادة الحكايات والتأكيد انه لن ينسى وجوه أحبابه والأيام الجميلة. ويصف عملية تشكيل وجهي جده وجدته وتلوين حياتهما ذات الإيقاع البطيء الممل، بانها مثل محاولة إعادة تشكيل خريطة غير متماسكة. وشبّه المحاولة هذه بمحاولة أخرى لاستعادة احد أجداد أجداده، الذي يقول انه كان من البربر، من شمال إفريقيا. فالمحاولة قادته الى وصف لصورة قديمة لوالده ووالدته، صورة تعود إلى 80 عاما، ومن خلال نظرات ووقفة الوالد والوالدة أمام الكاميرا يستعيد حس الرهبة من الكاميرا، والجدية البادية والحياء على الوجهين والسلام والجمال. متذكرا أن اليوم التالي بعد الصورة سيطوى مثل أي يوم آخر. ومثل أي كاتب حدث نفسه قائلا أن اليوم سيأتي لكي يكتب عن هذه الأشياء، جد كبير من شمال إفريقيا وجد راع للخنازير وجدة جميلة وآم وأب وسيمان.

كان خوسيه يعتقد ان محاولة استعادة الصور والأشياء الجميلة هي طريقة سهلة لقراءة التحولات في الشخص الذي كانه والذي آل إليه، لكنه اكتشف ان الأمر ليس بهذه السهولة لان البيولوجيا والجينات لا تحدد الخط الذي يتخذه الشخص في الحياة. فبالنسبة لخوسيه، ما افتقدته شجرة العائلة ليس الأشجار التي تصله بالحياة التي انفصلت عن 'قرمية' الشجرة، ولكن الشخص الذي يحفر في أصل الشجرة، والقادر على الكشف عن طبقات التربة وطبيعة الفواكه. وتظل محاولته تشكيل صورة جده وجدته في عالم الرواية وتجريدهما من اللحم والشحم طريقة مناسبة له كي يبدع في وقت لاحق شخصياته الروائية، وهي الرموز أيا كانت جماليتها وكفاءتها، جيدة ام سيئة تؤشر للشخص الذي وصل إليه ساراماغو اليوم وأمس وغدا 'خالق الشخوص الروائية ومخلوقها' في الوقت نفسه.

مبدع الشخصية الروائية ومخلوقها
وعليه فهو يقول 'حرفا بعد حرف وكلمة بعد كلمة وصفحة بعد صفحة وكتابا بعد كتاب، فالشخوص التي ابتدعتها تجذرت او جذرت نفسها في الشخص الذي صرته' وبدونهم او بدون الشخصيات، التي صنعها وصنعته، يشك في إمكانية وجوده. وخوسيه في رسمه الطريقة التي يتفاعل الكاتب الراوي مع شخوصه ويمسك بالضرورة بأقدارها هم في الحقيقة من قادوا طريقه وحددوا قدره وهذا باد في شخصية خطاط غير محترف اسمه 'اتش- حرف هاء'، وهو بطل روايته 'دليل للرسم والخط'، فالبطل يمثل رحلته ورحلة المؤلف معا ـ لانه علمه الصدق وكيف يحترم بدون حزازة أو شعور بالإحباط، وعلمه حدوده كبشر: فهو ان كان غير قادر على المغامرة والخروج خارج حدود قطعة أرضه فقد اختار الحفر فيها وعميقا، ومع الحفر البحث في جذور العالم وهو مشروع كبير. نتائج الحفر والكتابة، التي نبعت منها تظل جزءا من التراث الإنساني فليس لخوسيه، وهو يعترف بهذا الحق، بالحكم عليها ولكنه له الحق بالقول ان كل الكتابات التي أنتجها سياسية، اجتماعية أو إبداعية ظلت وفية للهدف والمبادئ التي آمن بها ونافح عنها.

فقراء خرجوا من قاع الأرض
فأبطال رواياته هم من نفس عينة الفلاحين والبسطاء الملتصقين بالأرض والذين خرجوا من تربة سهول الينتيخو وهم من نفس عينة جده جيرمينو وجدته جوزيفا، ممن اجبروا على الكدح كي يعيشوا وينالوا الفتات في ظروف صعبة وغير إنسانية. ويقول إن هؤلاء البسطاء الكادحين كانوا ضحية للكنيسة 'الدين المؤسس' والدولة وملاك الأراضي، والظلم الذين حل بهؤلاء الأبرياء الذين حاكمتهم عدالة عشوائية المنهج. وجاء التعبير الأول والحقيقي عن هذا الحس الملتمس والملتصق بالفقراء في روايته 'انبعاث من الأرض'، التي تتحدث عن ثلاثة أجيال من عائلة مو- تيمو- منذ بداية القرن العشرين حتى عام 1974، أي الثورة التي أطاحت بالديكتاتورية. هؤلاء علموه الصبر والاستمرار في الحياة حتى وان كانت ظروفها قاسية، وهم من علموه إضافة إلى رجال وشعراء البلاد، خاصة ذلك الذي كتب مجد البلاد ورثى سفنها المحطمة والآمال المتعثرة، والذي كان عبقري اللغة البرتغالية وعميدها الأول، ويشير الى معاناة الشاعر الذي دق على أبواب كل النبلاء والملوك، ويلاحظ ان كل العظماء عانوا في مرحلة ما في حياتهم من ذل اللحظة وقسوتها، العظماء الكتاب الذين كانوا يحملون تحت آباطهم روائعهم وينظرون حولهم، وهم الفقراء وغيرهم الأغنياء، ممن عانوا مع سفن 'الاكتشاف' حتى العميان، وهم يتساءلون أي الفقراء الكتاب ما الذي سنفعله في هذا الكتاب؟

بيسوا العالم 'فرجة'
شعر خوسيه بالدين للجد والجدة والتاريخ والماضي، الا انه تعامل مع التاريخ بعين الناقد، فهو في روايته 'بالتسار وبيلموندا'، التي تعتبر رائعته حاول أن يؤكد أهمية توازن العالم بين سبع شموس وسبعة أقمار، وهو ما يعنيه اسما البطل والبطلة بالتسار وبيلموندا، احدهما كان مخترعا لآلة لا تطير إلا من خلال الإرادة الإنسانية وامرأة كانت ترى ما يقبع تحت الجسد الإنساني، وخلالهما ملك يبني اكبر كنيسة في الدنيا، وفي داخل الرواية استعادة لتاريخ البرتغال في القرن الثامن عشر. فهذه الرائعة جاءت نتاجا، كما يقول للقصص التي استمع من جده في القرية، ومن دروس الشعر التي تلقاها من أستاذه وهو في الكلية التكنولوجية في لشبونة، ومن الكتب والأشعار التي قرأها في المكتبات العامة وهو عامل ميكانيكي، حيث كان يقرأ بدون إرشاد أي كتاب يقع في يديه. وفي المكتبة العامة ولدت رائعته الأخرى 'العام الذي مات فيه ريكاردو ريس' وهو الاسم الذي استعاره من قصيدة نشرت في مجلة 'اتينا'، واكتشف لاحقا أن الاسم مستعار، وهو واحد من أسماء عدة استخدمها فريناندو بيسوا، وهو الشاعر الذي حفظ كاتبنا أشعاره وكتب ان العالم هو 'فرجة' واختار خوسيه له عام 1936 كي يعيش آخر أيامه، وهو العام الذي احتلت فيه قوات النازية أراضي الرين وأعلن فرانكو الحرب في اسبانيا وانشأ فيه سالازار الميليشيا الفاشية في البرتغال. وأنهى الكاتب الرواية بعبارات متشائمة وقاتمة تقول 'هنا حيث ينتهي البحر وتنتظر الأرض'، مما يعني أن عصر الاكتشافات البرتغالية قد انتهى وقدرها هو الانتظار. لكن الكاتب المتدرب- خوسيه شعر بان هناك إمكانية للخروج من ارق الانتظار وجر اليابسة، وهي شبه جزيرة ايبريا الى البحر جنوبا، حيث نزعها من سياقها الأوروبي ونقلها لتتوسط بين مستعمراتها القديمة البرازيل وانغولا ليذكرها بالتاريخ والاستغلال وحملت الرواية اسم 'الطوف الحجري'. فرحيل أوروبا جنوبا جاء من اجل تصحيح الخطأ القديم الذي ارتكبته ضد الجنوب. ويعتقد ان الفكرة جاءته بعد لقاء مع الصحافية الاسبانية بيلار ديل رويو، التي تزوجها فيما بعد وقررا الانتقال والاستقرار في جزر الكناري، وأصبحت الصحافية مترجمته الرسمية للاسبانية. أبطال الرواية رجلان وثلاث نساء وكلب يرحلون في شبه الجزيرة المتحركة وفي الرحلة بحث عن النفس والتحول الذي ستتعرض له الشخصيات بعد استكمال الرحلة.

تاريخ حصار لشبونة
والرواية وان كانت محاولة من الكاتب البحث عن أوروبا الأخلاقية بتصحيح التاريخ وذات طابع مستقبلي الا انه تذكر انه عمل في مرحلة من حياته مصححا في دار نشر، ومن هنا قرر العودة للأرشيف وهناك إمكانية لتصحيح الماضي وعليه جاءت روايته 'تاريخ حصار لشبونة'، وبطلها ريموندو دي سيلفا ـ رجل عادي ما يميزه انه يرى ان هناك وجهين للحقيقة، احدهما خفي والأخر ظاهر، وانه لا يمكن معرفتها بدون النظر إليها ـ اي الحقيقة ـ من كل الجوانب، ومن بطل الرواية تعلم خوسيه الشك بالتاريخ والدين، ومن هنا جاءت روايته 'الانجيل بحسب السيد المسيح'، والرواية لا تبحث في تناقضات العهد القديم، بل تطرح أسئلة عن الشهادة والفداء والانتظار. في هذه المرحلة من حياته الروائية يشير خوسيه الى أن مشاهد او لحظات كانت تقوده لكتابة رواية او مسرحية، فالاحتفال بمرور 1200 عام على حرب بين المعمدانيين والكاثوليك في ألمانيا قادته الى كتابة عمل عنها وعن العمى الذي يصيب المؤمنين، الذين خاضوا حربا دينية ليس من اجل الهين او آلهة، ولكن من اجل اله واحد. فهذه الحرب الدينية أدت لاقتناع الكاتب المتدرب او المجرب ان الدين عوضا ان يجمع الناس ويقربهم يتحول الى عامل تفرقة وانقسام، فالدين يؤدي الى عمى، ومن هنا جلس الكاتب لكتابة 'عمى'، وهي محاولة لتذكير البشر أنهم عندما يتخلون عن عقولهم فسيخسرون كرامتهم التي ستهان كل يوم ممن يتمتعون بالسلطة. ثم وفي محاولة أخرى ومن اجل التطهر من شرور العمى جلس الكاتب وكتب روايته 'كل الاسماء'، عن شخص يبحث عن اخر لاعتقاده ان الحياة لا شيء فيها مهم ويستحق السؤال.

عمى: الفيلم
يذكر انه في عام 2008 قام المخرج فرناندو ميرليز بتحويل روايته عمى الى فيلم سينمائي، وكانت الحكومة البرتغالية قد احتجت على ترشيح روايته 'الانجيل حسب السيد المسيح' لجائزة الاتحاد الأوروبي الأدبية. ويظل ساراماغو من أهم كتاب الرواية في القرن العشرين ومن أعظم الكتاب البرتغاليين الذين حققوا شهرة خارج حدود بلدهم، خاصة إن أهم الأعمال الروائية بهذه اللغة لم تأت من البلد الأم، ولكن من كتاب امريكا اللاتينية، البرازيل تحديدا، حيث بيعت أكثر من مليوني نسخة من أعماله حول العالم، فيما يباع أكثر من 150 الف نسخة من كل طبعة من رواياته في بلده وأمريكا اللاتينية.

إبراهيم  درويش   'القدس العربي'

21/6/2010







الرئيـــــسية
  حزب الشعـب
  برنامج الحزب
  فكـر الحزب
  مؤتمرات الحزب
  سجل الخـالدين
  ارشيف الاغاني
معرض الفيــديو
معرض الصــور
روابـــط
إتصل بنــا

إستطلاع الرأي
  هل قرار تأجيل الإنتخابات المحلية يساعد على:
تحقيق المصالحة
تعميق الديمقراطية
القضاء على الديمقراطية