منتدى الفكر والسياسة  مــوقفنـــا  فعاليات الحــزب  بيانات الحــزب  إصدارات جديدة

الرئيسية >
للطباعة أرسل لصديق


سنة على رئاسة أوباما: ما الذي تغيّر؟ - بقلم: د. ماهر الشريف


د. مــاهــر الشــريـــف

سنة على رئاسة أوباما: ما الذي تغيّر؟

عندما انتخب مرشح الحزب الديمقراطي باراك أوباما للرئاسة الأمريكية، بعد حملة انتخابية طويلة جرت تحت شعار "التغيير... ممكن"، انتعشت آمال الكثيرين داخل الولايات المتحدة الأمريكية وفي العالم في أن عهداً جديداً قد بدأ، وأن الأجواء الكئيبة التي خيمت على العالم، بفعل سياسات جورج بوش خلال ولايتيه الطويلتين، باتت على
وشك الانقشاع.
فماذا كانت حصيلة إدارة أوباما بعد سنة على وجوده في البيت الأبيض، وما الذي تحقق من شعار التغيير الذي رفعه؟

إن المقارنة بين بعض المواقف التي أعلنها الرئيس الجديد، خلال الأشهر الفائتة، وبين النتائج والقناعات التي توصّل إليها اليوم، فيما يتعلق بالسياستين الداخلية والخارجية، قد تساعدنا على الإجابة عن هذا السؤال..

فعلى صعيد السياسة الداخلية، وعد أوباما، عندما تولى منصبه، المواطنين الأمريكيين بأنه سيعمل على مواجهة تداعيات الأزمة المالية التي تفجرت في عام 2008، وسيسعى، بوجه خاص، لضمان استقرار النظام المالي وإيجاد حل لمشكلة البطالة المتفاقمة، التي بلغ معدلها عشرة في المئة. ومع أنه قد نجح في الحؤول دون وقوع انهيار اقتصادي شامل، إلا أنه أقرّ، في الخطاب الذي ألقاه عن حال الاتحاد في 27 كانون الثاني الجاري، بأن النظام المالي لا يزال يئن تحت وطأة الأزمة، وهو ما يفرض على إدارته التوجه، اعتباراً من عام 2011 ، إلى تجميد الإنفاق الحكومي لمدة ثلاثة أعوام، كما اعترف بأن مشكلة البطالة ما زالت قائمة، الأمر الذي يطرح على إدارته –كما أكد- أن تجعل من توفير الوظائف والأعمال لجمهور العاطلين عن العمل المهمة الأولى على جدول أعمالها، وذلك من خلال سعيها إلى رفع مستوى صادرات البلاد ودعم الشركات المتوسطة والصغيرة.

ونتيجة هذا العجز عن تحقيق التغيير الداخلي المنشود، راحت شعبية أوباما وإدارته تتراجع في أوساط الجمهور الأمريكي، كما تدل على ذلك استطلاعات الرأي، ومنها الاستطلاع الذي أجرته صحيفة واشنطن بوست ونشرته في 17 كانون الأول الفائت، والذي بيّن بأن نحو نصف الأمريكيين يعتبرون أن أوباما لم يفِ بالوعود الرئيسية التي قطعها في حملته الانتخابية، وأنه لم يرقَ، في نظر أكثر من ثلث المستطلعين، إلى مستوى التوقعات. كما دلت على ذلك الهزيمة القاسية التي لحقت، في 19 كانون الثاني، بمرشحته إلى مجلس الشيوخ في ولاية مساتشوستس، المعقل التقليدي للحزب الديمقراطي ولعائلة كينيدي، على يد مرشح جمهوري من عائلة مغمورة. وكانت هذه الهزيمة هي الثالثة التي يمنى بها الحزب الديمقراطي، خلال ولاية أوباما، بعد هزيمة مرشحَيه لمنصب حاكم ولايتي فرجينيا ونيوجرسي في تشرين الثاني الفائت، علماً بأن أوباما كان قد فاز في هاتين الولايتين بنسبة 53 في المئة و57 في المئة من الأصوات على التوالي.

وإزاء هذا الواقع، سيحاول أوباما التركيز، على الأغلب، خلال سنوات ولايته الثلاث القادمة على القضايا الداخلية، ولن ينشغل كثيراً بقضايا السياسة الخارجية، وهو ما برز مؤشر عنه في الخطاب الذي ألقاه عن حال الاتحاد، والذي لم تحتل فيه قضايا السياسة الخارجية سوى حيز صغير.

وفي كل الأحوال، لا يبدو بأن التغيير الذي تحقق، في السنة الأولى من ولايته، على صعيد السياسة الخارجية كان  في حجم التوقعات والآمال التي عُقدت عليه في العالم، حيث لم ينفّذ أوباما سوى عدد قليل من وعوده الكثيرة في حقل السياسة الخارجية، بل وتراجع عن بعضها، كما تبيّن المعطيات التالية.

ففيما يتعلق بالصراع العربي-الإسرائيلي، تراجع أوباما عن مواقفه السابقة وزعم- وكأنه مبتدئ في العمل السياسي- بأنه بالغ في تفاؤله بإمكانيات حل هذا الصراع.  

ففي الخطاب الذي ألقاه في جامعة القاهرة في حزيران الفائت، أعلن أوباما بأن الولايات المتحدة لن تدير ظهرها لتطلعات الفلسطينيين المشروعة في "الكرامة وإقامة دولتهم الخاصة"، وذلك بعد أن تحمّلوا "آلام النزوح على مدى أكثر من ستين عاماً"، وأكد بأن بلاده " لا تقبل مشروعية استمرار المستوطنات الإسرائيلية، وأن عمليات البناء في المستوطنات تنتهك الاتفاقات السابقة وتقوّض جهود السلام، وأن الأوان قد آن لتتوقف هذه المستوطنات "، ودعا إلى أن تصبح القدس " وطناً دائماً لليهود والمسلمين والمسيحيين، يتعايشون فيه بسلام"، كما اعتبر، في إشارة ذات مغزى، بعد تطرقه إلى"الأزمة الإنسانية المستمرة في غزة"،  بأن حركة حماس "التي تحظى بالدعم من قبل بعض الفلسطينيين"، عليها "  أن تضع حداً للعنف وأن تعترف بالاتفاقات السابقة وبحق إسرائيل في البقاء، كي تلعب دورها في تلبية طموحات الفلسطينيين وتوحيد الشعب الفلسطيني ".

لكن أوباما تراجع، بعد أشهر قليلة على إلقائه ذلك الخطاب، عن مطالبته حكومة نتنياهو بالوقف الكامل للاستيطان تمهيداً لاستئناف مفاوضات السلام مع الفلسطينيين. وعوضاً عن ذلك، صار يمارس ضغوطاته على الرئيس الفلسطيني ليقبل باستئناف المفاوضات "من دون شروط"، ثم أقرّ، في مقابلة أجرتها معه مجلة "تايم" قبل أيام قليلة من قيامه بإلقاء خطابه عن حال الاتحاد، بأنه لم يدرك صعوبة التوصل إلى حل لنزاع الشرق الأوسط. وبينما امتنع، في المقابلة نفسها، عن تحميل الحكومة الإسرائيلية مسؤولية تعثر مساعي موفده الخاص إلى الشرق الأوسط، حمّل الفلسطينيين، صراحة، قسطاً من المسؤولية عن عدم استئناف مفاوضات التسوية، عندما أشار إلى أن "عباس العلماني، صانع السلام، واجه ضغوطاً شديدة من الحركة الإسلامية الفلسطينية حماس، التي ترفض السلام مع إسرائيل، وتنتقد عباس لرفضه الكفاح المسلح ضد الدولة اليهودية"، وهي إشارة تنطوي على دلالة إذا ما قورنت بإشارته السابقة "الإيجابية"، إلى حد ما، إلى حماس في خطابه في جامعة القاهرة.

وكان غياب الصراع العربي-الإسرائيلي، بصورة كاملة، عن خطاب أوباما عن حال الاتحاد، من الأمور التي لفتت انتباه المراقبين.

وفيما يتعلق بالوضع في أفغانستان، كان أوباما قد تعهد بالبدء في سحب القوات الأمريكية من أفغانستان في تموز 2011، لكنه تراجع عن موقفه هذا عندما قرر، في خطاب ألقاه  في أكاديمية " ويست بوينت " العسكرية في مطلع كانون الأول الفائت، وقبل  تسعة أيام على تسلمه جائزة نوبل للسلام، إرسال 30 ألف جندي إضافي إلى أفغانستان في النصف الأول من عام 2010 بأسرع وتيرة ممكنة، حتى " يمكنها  استهداف التمرد وتأمين المراكز السكانية ". وفي الخطاب الذي ألقاه في أوسلو لدى تسلمه جائزة نوبل للسلام، في 13 كانون الأول 2009، دافع أوباما عن فكرة  أن بعض الحروب التي جرت "  كانت ضرورية وعادلة "، وأكد بأن استخدام القوة، في حالات معيّنة، " لا يكون ضرورياً فحسب بل مبرراً أخلاقياً أيضاً "، وتفادى تكرار كلمة "انسحاب" من أفغانستان، معتبراً بأن الموعد الذي حدده سابقاً لسحب قواته من أفغانستان سيمثّل  تحولاً في المهمة الأمريكية حين تبدأ القوات الأمريكية في نقل المسؤولية إلى الشعب الأفغاني. وهو الموقف الذي أعاد التأكيد عليه، في خطابه عن حال الاتحاد، عندما ذكر بأن القوات الأمريكية ستنقل مهماتها اعتباراً من تموز 2011 إلى القوات الأفغانية، وستعمل على دعم " الحكم الرشيد"  و" تقليص الفساد"  في هذا البلد.

وبخصوص المشكلة العالقة مع إيران، كان أوباما قد أبدى استعداده للانفتاح على الحوار مع القيادة الإيرانية، وأعلن، في خطابه في جامعة القاهرة، بأن بلاده " لن تتقيد بالماضي في علاقاتها مع إيران بل هي مستعدة للمضي قدماً كي تتغلب على فقدان الثقة "، وأشار، بصورة ضمنية، إلى القلق الناجم في المنطقة عن امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية، عندما اعتبر بأن " البعض يعترض على حيازة بعض الدول لأسلحة لا توجد مثلها لدى دول أخرى "، مؤكداً بأن الولايات المتحدة "  ملتزمة بالسعي من أجل عدم امتلاك أي من الدول للأسلحة النووية "، وأنها تحترم " حق كل دولة، بما في ذلك إيران، في امتلاك الطاقة النووية السلمية ". لكن الرئيس الأمريكي، تراجع عن مواقفه هذه في الآونة الأخيرة، حيث راح يصعّد من لهجته في التعامل مع القيادة الإيرانية، ويحذّرها من "عدم  الالتزام بمطالب المجتمع الدولي إزاء برنامجها النووي"، ويلوح باللجوء إلى عقوبات، أمريكية ودولية، أشد بحقها، بل ذهب بعض قادته العسكريين إلى حد التلويح باحتمال اللجوء إلى القوة لوقف برنامجها النووي.

ولكن كيف يمكن تفسير هذا التراجع؟ هل هو يعود إلى قلة خبرة الرئيس الأمريكي وعدم درايته بتعقيدات الشؤون الدولية، أم يعود إلى ثوابت تحكم السياسة الخارجية الأمريكية؟
من المرجح أن المسألة لا تتعلق بخبرة الرئيس أم لا، وإنما تتعلق ببعض ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية التي لا تتيح للرئيس سوى هامش محدود جداً من حرية الحركة في إطارها.

ففيما يتعلق بالصراع العربي-الإسرائيلي، اصطدم الرئيس، كما يظهر، بثابت التحالف الوثيق القائم بين بلاده وإسرائيل، والذي يحول، لأسباب عديدة، دون قيام الإدارات الأمريكية بممارسة ضغوطات جدية على حكامها.

وبخصوص أفغانستان، اصطدم أوباما، على الأغلب، بثابت آخر يتمثّل في الدور المؤثر الذي تلعبه القيادات العسكرية الأمريكية في صنع قرار الحرب والسلم، حيث واجه ضغوطاً شديدة من هذه القيادات لثنيه عن تنفيذ وعده بسحب القوات الأمريكية من أفغانستان، ولدفعه إلى زيادة عددها. ومن المحتمل بأن تكون القيادات العسكرية نفسها، وبعض مراكز القوى داخل المؤسسة الحاكمة، هي التي حالت، كذلك، دون فتح صفحة جديدة في العلاقات مع إيران.

لقد أعطى أوباما، في وقت ما، الانطباع بأنه عازم على تغيير وجهة السياسة الخارجية الأمريكية من "الأحادية"، التي طبعتها في عهد إدارة جورج بوش، إلى " التعددية" و"الشراكة " و "الإجماع الدولي".

ومع أنه قد قام ببعض خطوات في اتجاه الانفتاح أكثر على شركائه في دول الاتحاد الأوروبي، وحاول التخفيف من قلق القيادة الروسية من مشروع " الدرع الصاروخي" وشرع في مفاوضات معها حول اتفاقية جديدة لتقليص الأسلحة النووية، كما أقرّ بأهمية علاقات بلاده السياسية والاقتصادية مع الصين الشعبية ورفض الانسياق وراء الدعوات التي طالبته، من داخل الكونغرس، بربط مستوى هذه العلاقات بمسألة حقوق الإنسان؛ إلا أنه، على الرغم من ذلك كله، بقي محكوماً بأحد  ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية، وهو المتمثّل في إضفاء طابع استثنائي وفريد على الدور الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية في " قيادة العالم".

هل هذا يعني بأنه لم يتغيّر شيء في سنة أوباما الأولى في البيت الأبيض؟
إن من التجني القول بأن شيئاً لم يتغيّر... فعلى مستوى مضمون الخطاب الأمريكي وأسلوبه حصل تغيّر لا شك فيه، إذ غابت عن خطاب الرئيس الجديد، وإدارته، تعابير من  نوع "الحرب الشاملة على الإرهاب"، ودول " محور الشر"، والمواجهة " بين قوى الخير وقوى الشر"، ليحل محلها التعبير عن عزم الولايات المتحدة على الدفاع عن نفسها  على قاعدة " احترام سيادة الدول وحكم القانون "، وعلى الالتزام " بقواعد أخلاقية للسلوك حتى في النزاعات المسلحة" التي تخوضها، وسعيها إلى إقامة علاقات جديدة مع العالم الإسلامي استناداً إلى "المصلحة المشتركة " و "الاحترام المتبادل ". كما اتخذت إجراءات لمنع اللجوء إلى التعذيب، في المعتقلات الأمريكية، وللعمل على الإيفاء بوعد إغلاق  سجن غوانتانامو خلال الأشهر القادمة.

وإذا كان هذا التغيير، على مستوى مضمون الخطاب وأسلوبه، قد ساهم في تنقية الأجواء الدولية إلى حد ما، إلا أنه  لم يفتح، كما بيّنت أحداث السنة الفائتة، الطريق أمام حل أي من الصراعات القائمة والمشكلات الدولية العالقة.

في أوسلو، وأمام مكاتب لجنة جائزة نوبل، التي اجتمعت لتسليم أوباما جائزتها للسلام، رفع المتظاهرون من منظمات السلام النرويجية والمناهضين للأسلحة النووية لافتة كتب عليها: " أوباما لقد فزت بالجائزة، عليك أن تثبت إنك تستحقها".
فهل سيثبت أوباما، خلال سنواته الثلاث القادمة في البيت الأبيض، بأنه يستحق جائزة نوبل للسلام، وهل سيمتلك الشجاعة الكافية للتحرر من قيود ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية؟

30/1/2010







الرئيـــــسية
  حزب الشعـب
  برنامج الحزب
  فكـر الحزب
  مؤتمرات الحزب
  سجل الخـالدين
  ارشيف الاغاني
معرض الفيــديو
معرض الصــور
روابـــط
إتصل بنــا

إستطلاع الرأي
  هل قرار تأجيل الإنتخابات المحلية يساعد على:
تحقيق المصالحة
تعميق الديمقراطية
القضاء على الديمقراطية