منتدى الفكر والسياسة  مــوقفنـــا  فعاليات الحــزب  بيانات الحــزب  إصدارات جديدة

الرئيسية >
للطباعة أرسل لصديق


التربية قضية سياسية ومسئولية المجتمع بأسره ( القسم الأول ) - اعداد: سعيد مضية


سعيــد مضيــة

التربية قضية سياسية ومسئولية المجتمع بأسره
عن مجلة رؤى تربوية  الصادرة عن مركز القطان للبحث والتطوير التربوي
عدد30، تشرين ثاني 2009
القسم الأول

العملية التربوية في ترد متواصل وبلغت في الوقت الراهن درجة من العطالة يقر بها الجميع من خبراء تربية ومعلمين وأهالي. تتم العملية التربوية في فلسطين في أجواء غير مواتية ناجمة عن إرهاب الاحتلال الإسرائيلي والعوائق المقامة كالجدار والحواجز على الطرق والمداهمات المتواترة للمدارس والجامعات واعتقال وقتل الطلاب والمعلمين وأهالي الطلبة، ثم نهج الإفقار في  ظروف التضييق المتعمد. وكل من هذه الممارسات الفظة تؤثر سلبا على طاقة الاستيعاب والإقبال على الدراسة والتعلم، وتؤثر سلبا على التخطيط للمستقبل.  

ولكن هناك عوائق أخرى تكمن في صلب العملية التعليمية هي بعض إفرازات الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي. هنا تشترك التربية في فلسطين مع مثيلاتها في الأقطار العربية كافة، وتتماثل فيما بينها عناصر الخلل والمردود الرديء للعملية التربوية. فما بين التربية ونمط الحياة الاجتماعية تأثير متبادل وعلاقة جدلية.

أجراس الإنذار تقرع منذ عقود تفشي اختلالات عملية التعليم: تقارير التنمية الاجتماعية الصادرة عن الأمم المتحدة ، تداول الكتاب وإصداراته في العالم العربي،  خلو قوائم أفضل خمسمائة جامعة  السنوية  من أسماء جامعات عربية، ترتيب الدول العربية من حيث الاكتشافات والابتكارات، نسبة الأبحاث والدراسات العربية المنشورة في المجلات المتخصصة، أوضاع حقوق الإنسان وحقوق المرأة حسب التقارير الدولية، حالة البطالة بين الشباب خاصة الخريجين من الجامعة، الهجرة من الأوطان، الاسترخاء في ملهاة ثقافة الملاعب وبرامج التسلية والفنون المنحطة، وأخيرا وليس آخرا معدل الدخل الوطني للفرد الواحد. وفي كل هذه المؤشرات تشغل  الدول العربية فرادى ومجتمعة المواقع الدنيا في سلم الترتيب العالمي. بالمقابل تبرز إسرائيل متفوقة في المجالات المذكورة وتبرر الدول صمتها عن انتهاكات إسرائيل لحقوق الشعب الفلسطيني بإنجازاتها العلمية والثقافية.

أعطاب مزمنة في العملية التربوية، هي انعكاس لأعطاب مزمنة في المجتمعات العربية كافة. فقد فشلت التربية في إشاعة الديمقراطية واحترام البيئة والملكية العامة واحترام القانون والنظام العام،  وقصرت عن تنمية الاقتدار المعرفي والعملي للإنسان العربي.

الأدب والفن يرتقيان بالمعرفة والقيم وبالذوق الجمالي. إن تكامل عناصر الثقافة يطور شخصية الفرد ويحقق انسجامها ويثبت دعائم الصحة النفسية. والصحة النفسية منطلق نحو الاقتدار المعرفي وكفاءة الأداء في الحياة العملية. أما التقصير في هذا المجال فيفضي إلى ما نحن نكابده من عجز ووهن نتحايل عليه بأساليب تدبير الحال من فهلوة وتشاطر وادعاء، وأحيانا كثيرة في الغرق بالتسلية والانحرافات السلوكية، ثم التمزق والتشرذم والحيرة والارتباك أمام معضلات الواقع. الحالة العربية المتردية راهنا هي بعض حصاد قصور التربية خلال العقود الأخيرة. وقد جرى التأسيس لظاهرة العزوف عن المعرفة عندما اقتصر على الجانب النظري في التعليم، وقطع المنهاج التربوي عن حاجات المجتمع ومتطلبات رد خطر الاقتلاع وإنجاز التنمية الاجتماعية. بات  الكتاب المدرسي مملا والمدرسة سجنا يحجز الحرية وبات المعلم سلطة قمع وإكراه؛ وهي أمور منفرة تنمي القوة الطاردة عن المدرسة والثقافة، سيما وأن الاحتلال في سنواته الأولى فتح للشباب أبواب العمل في المشاريع الإسرائيلية وشجع التسرب من المدرسة. وتواصل النزف من المدرسة، لترتفع نسبة أمية الحرف وأمية الثقافة في المجتمع الفلسطيني، ولتشيع عادة الارتجال والنزق لدى تناول القضايا السياسية والاجتماعية. ونفس المظاهر تتجسد في الجامعة وتحولها إلى وسيلة لتأجيل البطالة بضع سنوات. وبالنتيجة تنمو ظاهرة البطالة بين خريجي الكليات والمعاهد العليا. وهذا وذاك ينعشان المد السلفي المناهض للعلم داخل الجامعة، ويحرفان الجهود في متاهة البحث عن حلول المشاكل الراهنة في فكر العصر الوسيط.

وكما في المضمون يتجسد  تأثير السياسة والثقافة على العملية التربوية في أسلوب التلقين واعتماد النسخ في عملية التعليم. إن أسوأ ما في العملية التربوية يتمثل في اعتمادها أسلوب التلقين والنسخ. وقد صاغ التربويون العرب المعاصرون أقذع الأهاجي في التعليم التلقيني، وعروا الغاية من الإصرار على اعتماد التلقين وسيلة للتعليم. ذلك أنها لا تربي المبادرة والإبداع بل الاعتماد والتبعية و"تطفيل" الإنسان؛ وهذا ما يتفق وأنظمة الطغيان. التعليم موضع اهتمام السياسة، كما لاحظ الدكتور هشام الشرابي. " النظام التربوي والاجتماعي يثني الطفل عن الثقة بآرائه الخاصة ويشجعه على قبول آراء الآخرين دون تردد أو سؤال. وهذا ما ينمي في نفسه الإذعان للسلطة ولكل ما هو أقوى منه أو أعلى مرتبة وجاها". [3/ 33]. يقول في نفس المقام "حياة العربي تبدأ وتنتهي بالتلقين، أما العنصر المشترك بين التلقين والعقاب فهو أن كلا منهما يشدد على السلطة ويستبعد الفهم والإدراك، أي أن كلا منهما يدفع إلى الاستسلام ، يشدد ويمنع حدوث التغيير"[3/38]، وبالنتيجة " تحل روح الخضوع محل روح الإقدام وروح المكر محل روح الشجاعة وروح التراجع محل روح المبادرة" [3/53].  

أبرز ثمار العملية التربوية داخل المجتمع الفلسطيني، شأن المجتمعات العربية كافة، هي اللفظية التي تركز على الحفظ والنسخ ، ويأسرها الماضي. وحيث أن التغيير يعتمد الممارسة أولا فإن التلقين والاستظهار يفصم الرابطة بين الفكر والممارسة. وبتأثير النسخ والنقل  في التعليم انزلقت التربية في فلسطين في أخطر المطبات، من خلال نهج التركيز على الماضي. والماضوية هروب من الحاضر ومسئولياته تحت ثقل الهزائم والأزمات. إنها آلية دفاعية حيال العجز والإرباك حيال الاحتلال الإسرائيلي، ووسيلة نكوصية لاشعورية ؛ وهي أيضا وسيلة السياسة للترويض الفكري والخنوع لسلطة الأمر الواقع. مناخ اجتماعي يشيع العزوف عن طلب المعرفة والالتزام بقضايا المجتمع.

المثال الصارخ على فصم المعرفة عن الممارسة نجده في منهاج مقترح للتربية الوطنية والتربية الدينية ونصوص المطالعة للصف الثامن. والصف الثامن يدشن مرحلة فورة الطاقات الفيزيولوجية، التي ينبغي تفريغها واحتواؤها في أنشطة عملية. ونظرا لسوء التوجيه وتمويه القيم يحدث اضطراب في المشاعر. في هذا السن ينفتح الفرد على الواقع الأوسع من بيئته المباشرة ويستوعب مفهوم الوطن كبيئة اجتماعية يحرص على أن تكون مجالا حيويا آمنا . وهو بذلك بحاجة إلى قيم وطنية ملموسة متعينة بمهمات المرحلة الاجتماعية – التاريخية، حتى   يدرك الطالب مضمون السيادة الوطنية والنضال من اجل التحرر الوطني والديمقراطية والتنمية. في سن تهيج المشاعر والطاقات ينبغي أن توجه الطاقات نحو الخدمة الوطنية والاجتماعية. والقصص الملهم بقوة المثال في هذه المرحلة تحكي عن الرواد التاريخيين والمناضلين الوطنيين والمكتشفين والمخترعين.  

في مرحلة النشاط الفيزيولوجي الاستثنائي، تتفجر طاقات ينبغي استيعابها في أنشطة عملية على حساب الدروس النظرية. والفرد في بداية مرحلة المراهقة بحاجة إلى ما يوطد ثقته بقدراته ويقدم له معرفة واقعية تتيح له المعالجة الناجحة لواقعه المتعين. وهذا ما لا نجد  له أثرا في المنهاج المدرسي أو الجامعي. في مثل هذه الحالة يرتد هيجان المشاعر خيبات وحالة من الكبت والانطواء المفضي إلى الاكتئاب وتبخيس الذات. يقبع الفرد حيال عوالم الواقع ويحدث الاضطراب في الوعي القاصر عن الإحاطة بالواقع المتعين، ويعيد عثرات الحياة إلى حظ بائس وطالع سيئ ." يسلب من الشباب حقه في امتلاك الدور في قضايا الوطن سواء من حيث التطفيل( إبقاؤه في حالة اعتماد طفولي) أو من خلال الإلهاء بمختلف ألوان التسلية والإثارة. .. أو يترك الشباب في ’الفراغ الوجودي‘ وحياة اللامعنى نتيجة لهذا التهميش عن القضايا العامة، اللذين يفاقمهما هدر طاقاته وكفاءاته"(2/218)

يتضمن الكتاب المقرر للتربية الوطنية معلومات عن يوم الأرض والاستيطان الصهيوني ومصادرة الأراضي والمؤسسات الصهيونية المساندة لحركة الاستيطان ومصادرات الأراضي بعد الاحتلال ثم قضية اللاجئين. قضايا تنطوي على أهمية مصيرية بالنسبة للجيل المندفع إلى الحياة؛ لكنها لا تقدم للجيل بوصلة وحافزا للعمل. والمهم معرفة هل يرتبط المنهاج بالحياة المدرسية، هذا المنهاج الدراسي الخفي كما يصفه التربويون؟ أم أن التركيز على الشهادة كجواز مرور إلى وظيفة يعطي الأولوية لاستظهار المعلومة حتى تفريغها على ورقة الامتحان؟ هل تنفتح المدرسة على المجتمع ويحدث التفاعل بين الطلبة والمؤسسات المدنية المعنية بمقاومة الاستيطان ونهب الأراضي؟ "الشخص الجيد هو من يتعلم جملة من المعايير والقيم الاجتماعية التي تجعل سلوكياته في إطار لائق. أما المواطن الجيد فهو من بتعلم كيف يتحمل المسئوليات ويمارس الحقوق المكفولة له في المجتمع. من هذا المنطلق فإن المشاركة تعد عنصرا أساسيا في تعريف المواطنة(7/102).

والمشاركة لا تنتظر التخرج ودخول الحياة العملية ؛ المشاركة قيمة اجتماعية تتجسد في أسلوب التدريس غير التلقيني، كما تتجلى في نمط الحياة المدرسية القائم على إشراك الطلاب عبر أنديتهم أو اتحادهم في توجيه عملية التعليم . وحين تنتقل المعلومة إلى خبرة وممارسة تغدو جزءا من المخزون الثقافي.  "  الثقافة العربية الراهنة تتسم بالتركيز على الكلام من دون ربطه بالعمل، حتى أصبح أداء الواجب في كثير من الأحيان يتمثل بالخطب والشعر، بدلا من الفعل والإنجاز، وأصبحت اللفظية أحيانا بضاعة رائجة في سوق الثقافة"(1/151).

الحركات الشعبية الجامعة لإرادات الشباب والرجال والنساء كفيلة بوقف حركة الاستيطان وإنقاذ الأرض من التسرب التدريجي لأيدي المنظمات الصهيونية بشتى الوسائل والأساليب. ولكن الفعل الشعبي يعد احد تابوهات التربية.  ينعقد الأمل على النخبة معقد الرجاء! في يوم الأرض الأول قدم الشباب روحه فداء للأرض ـ الوطن، وسقط الشهداء. وتتتالى مناسبات يوم الأرض بأنشطة هزيلة تجري بعيدا عن اهتمامات الشباب والطلبة. كما يجري الحديث عن محنة اللاجئين ولا تطرح السبل العملية الكفيلة بمنع تهجير البقية الباقية من شعب فلسطين إلى ديار اللجوء، وهو ما لا تخفيه الخطابات الصهيونية وممارساتها على الأرض!!

ضمن هذه الرؤية يتم تقييم العملية التربوية ومناهج التدريس. في  مناهج علوم الطبيعة والرياضيات يفتقد الجانب التطبيقي حتى في المرحلة الجامعية. الجامعات العربية فقيرة في المعدات والمختبرات والكتب المراجع.

واللفظية تركز على العلوم الإنسانية والأساليب القهرية في التدريس.  "التعليم عن طريق العمل والتدريب المهاري، اللذين يعنيان الانتقال من الاعتماد على اللفظية والكتب إلى التعلم  الحسي المباشر، ما زالا غير شائعين ، حيث ينتشر في كثير من المدارس الطابع  اللفظي القهري للتدريس، الذي يعتمد على حشو أذهان الطلبة بمعلومات كثيرا ما يستظهرونها مجبرين ، من دون تدبر أو تحليل أو نقد أو مناقشة" (1/149).

تتمثل خطورة تغييب المنهجية العلمية عن التعليم في كون العلم يتطور بوتائر متسارعة ويمر بتحولات عاصفة، ينقض ذاته ويدخل المجتمعات العاملة بالعلم ومنهجيته في أطوار متقدمة تحتمل تعدد الاحتمالات ونسبية المعارف وطابعها النقدي المحفز للتطور. والجامعات في البلدان المتقدمة تخدم اضطراد التقدم وتعزيز القدرات المادية والروحية، بينما في بلداننا يقتصر التدريس على تلقين مواد الكتاب المقرر وربما بمعلومات باتت عتيقة وتجاوزها الزمن؛ ذلك أن"الاستبداد وعصبياته يهتمان أكثر باحتكار وكالات الاستيراد وسمسرات المشاريع، ولذلك لا نرى حاجة إلى الأبحاث العلمية والتطوير والتنمية. فليس من عجب أن يقع الإنتاج البحثي العلمي دون خط الفقر المعرفي تبعا للمعايير الدولية . ذلك جانب آخر من هدر الفكر والطاقات العلمية. ... ويفاقم من هدر البحث العلمي وما يسببه من خسائر فقدان فرص حقيقية لتكوبن الفكر العلمي. أكد احد علماء البحث في السرطان أكثر من مرة أن الهدف من البحث العلمي ليس فقط تحقيق اكتشافات علمية بل يأتي قبلا تكوين الفكر العلمي ، أو إعداد العقل البحثي الذي يشكل الثروة الأثمن على الساحة الدولية راهنا"(2/177).

في منهاج التربية الدينية (الجزء الثاني) للصف الثامن الأساسي يقتصر المنهاج على الدين الإسلامي. والأديان جميعها دعوات للخير والصلاح؛ والاقتصار على دين بعينه يربي النزعة الطائفية.  وقد أوصت  اليونيسكو عام 1974الدول الأعضاء باتخاذ الخطوات الكفيلة بجعل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقية الدولية بشأن إزالة جميع أشكال التمييز عنصرا جوهريا في تكوين شخصية كل طفل ومراهق وشاب وراشد.
  
يغلب على الآيات القرآنية المقررة للدروس 1-4 ترشيدها للتعامل مع النبي في حياته. أما الآيتان 9و10فتقران بحقوق غير المسلمين،الأمر الذي ينقض التعصب والاستبداد. وتخاطب الآية 13 الناس كافة بما يناقض التعصب والتزمت المميزين للعصبيات الدينية الممزقة للشعوب الإسلامية.
بينما على النقيض من ذلك نسمع في خطب الجمعة وداخل الأحياء التي يعيش فيها مسيحيون مواقف تناقض النصوص المقدسة ودعوتها إلى احترام الإنسان.

تفرض علينا حساسية الموقف الراهن تمتين اللحمة الوطنية. فعندما توجه المطاعن لبرامج التقدم والتنمية، عندما يكفر التعليم غير المسلمين فهذه جريمة وليست نقيصة، وعندما يدمر التعليم الانتماء الوطني وينكر على الناس حقهم في المواطنة المتكافئة فهذه كارثة على مستقبل الوطن كله. وعلى كل من يتصدى للصالح العام أن يدرك أن إسرائيل تعمل على تهجير المسيحيين من فلسطين وتخفيض نسبتهم لأدنى حد ممكن كي تحرف حقيقة الصراع الراهن إلى صراع حضاري مزعوم تقف فيه إسرائيل قلعة أمامية للحضارة اليهودية – المسيحية بوجه "البربرية الإسلامية". أما نشر الكراهية والتشظي الطائفي فيناقض كليا ثقافة التسامح ودعوة الوحدة الوطنية .

في الفكر السياسي هناك مؤسسات،  يطلق عليها مؤسسات التنشئة الاجتماعية يتعلم فيها الفرد التلاقي مع غيره على أرضية المصالح المشتركة دون نظر أو اعتبار لما بينهم من اختلاف في العرق أو الدين أو الجنس. والمدرسة تقف في مقدمة هذه المؤسسات. إن ديمقراطية التعليم ، أو التعليم من اجل الديمقراطية يفرض أن يكون مناخ المدرسة غير طائفي ولا يقبل بأي تمييز عرقي أو عشائري أو إقليمي. "المناخ الطائفي ينشأ عن وعي طائفي يجعل المدرسة في حالة تحالف غير مقدس مع بقايا عناصر المجتمع الطائفي. وهي حالة ينبغي الخروج منها حتى تصبح المدرسة هي الوعاء الأول الذي يتعلم فيه الفرد مبادئ المواطنة، وتتحول المدرسة إلى مؤسسة مجتمعية رائدة في التغيير المجتمعي ـ السياسي والثقافي والاجتماعي(7/99).

نعثر في صفحة 39 على عبرة في المشورة تؤكد الطابع العلماني للإسلام، ولا يجري إلقاء الضوء عليها . الرسول أقر، وهو ما زال يتلقى الوحي، أن اختياره لمكان منازلة بدر نوع من الحيلة والمكيدة. أقر لأحد أصحابه حق الاعتراض واقتراح البديل. فكيف يرفض المشورة المستبدون باسم الدين في هذا الزمن المضرج بالنكبات والانتكاسات؟! وتعاليم الدين قيم أخلاقية مطلقة تصلح لكل زمان ومكان، أي أنها تتطلب الاجتهاد لدى تطبيقها الحسي لمراعاة الظرف الواقعي. وهذه أهم قاعدة في الإفتاء. أي أن المرء ينبغي أن يتوفر على إلمام علمي يالوقائع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية قبل أن يتصدى لمهمة الإفتاء .

النصوص الواردة في باب الأحاديث النبوية تدعو لمكارم الأخلاق وتحث على قيم لا تجد في حاضرنا ما يرسخها في السلوك العام. وما لم تتهيأ التربة الاجتماعية لمكارم الأخلاق فستظل بلا جدوى المواعظ بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. بالعكس تشيع ممارسات " تدبير الحال" والسلوكات المختلة فتختل القيم ويشيع التفسخ الاجتماعي، وتشيع الشكليات في ممارسة النفاق الاجتماعي. فمن الأجدر النضال من أجل إحداث تغيير اجتماعي يحقق الوفرة والكفاية ويفتح الباب لتحقيق العدالة الاجتماعية التي تستنبت مكارم الأخلاق. استطاع  الحنابلة في العصر الوسيط ، وضمن أوضاع اقتصادية وسياسية ملائمة، الاستئثار بالسلطة واضطهاد بقية المذاهب، وزوروا على الرسول الحديث " من رأى منكم منكرا فليقومه بيده..." إلى آخر القول المدسوس بينما الآية القرآنية تحذر " لا إكراه في الدين". وما زال المثال الحنبلي قدوة للحركات السلفية كافة. وتنطلق في الوقت الراهن دعوات مخلصة للدين تطالب بمراجعة الأحاديث المنسوبة إلى الرسول وتنقيتها مما يشوه ويحرف؛ ولا يعلم بشأن تلك الدعوات الحريصة على د والوعي الاجتماعي طلبة المدارس والمعاهد الدينية.

في كتاب المطالعة للصف الثامن الأساسي لا تجد ما يعكس هموم الناس ويحفز للمشاركة في المصير الوطني، ويؤهل لمواجهة التحديات، ناهيك عن تحفيز التفكير والبحث. الأخلاق السليمة تستنبت في البيئة الاجتماعية السليمة، بيئة الديمقراطية والتكافل الاجتماعي والعدالة الاجتماعية. عبثا نفتش عن أثر للبيئة السليمة في نصوص المطالعة أو في منهاج التربية الدينية أو منهاج التربية الوطنية.  الكتب المقررة تخلو من نصوص الثقافة الحية، ثقافة العمل وممارسة النشاط الإنتاجي او الخدمة الاجتماعية.

وبدون الممارسة نظل نتأمل الواقع في ظاهره ونجهل جوهر مجرياته. يتعذر بالتالي التحكم بعناصر الواقع والسيطرة على سيرورتها . القديم هو القدوة والمثال . الدين الإسلامي دعوة لمكارم الأخلاق وكذلك كل دين . والبيئة الاجتماعية العربية ليست مهدا لمكارم الأخلاق، ولم تكن كذلك عبر قرون القهر وأحكام السلاطين الطغاة.

قد يقال أن العملية التربوية تخضع لتدخلات الاحتلال وحلفائه، ويصعب تحويل المدرسة إلى وسيلة تحريض. والرد على ذلك أن إسرائيل لا تكف عن التحريض على العرب وتحقيرهم في كتب الأطفال والكتب الموجهة لمختلف الأجيال. يُستدعى الأطفال إلى المواقع العسكرية كي يكتبوا "رسائلهم" هدايا على الصواريخ الموجهة إلى البيوت والأحياء العربية!  وكما تدرس وثيقة حقوق الإنسان يمكن تدريس اتفاقية جنيف الرابعة بشان حماية المدنيين أثناء الحرب وتحظر إجراء أي تغيير على الأوضاع في ظل الاحتلال الأجنبي، خاصة تملك الأرض. ويمكن للمعلم المطلع أن يتناول هذه الموضوعات حتى لو لم تثبت في المنهاج. لماذا لا تدخل في البرامج الدراسية وثيقة فتوى محكمة العدل الدولية، والتي تنتصر بشكل مطلق للحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني في أرضه؟! وإذا تعذر إدخالها في النصوص فيمكن مقاربتها في الأنشطة اللامنهجية والمطالعات الإضافية، لكن ليس بأسلوب التلقين.

يمضي النقص في مواضيع النصوص حتى مقرر التوجيهي.  نتناول كتاب المطالعة للصف الثاني الثانوي (التوجيهي). نقلة هامة تضمين الكتاب المقرر إبداعات أدبية لأدباء فلسطينيين.  ونثمن إيراد أدب المقاومة الفلسطينية لأن تنمية ثقافة المقاومة ركن أساس في التربية الوطنية.
ولكن النقد الأدبي الوارد في المنهاج لا يربي لدى الطالب تذوق جمالية الأدب ولا يشجع ملكة النقد. فالصيغ النقدية مصبوبة في قوالب جامدة، شأن قواعد النحو؛ وهي بذلك لا توصل الطالب إلى مهارة تحليل النص الأدبي، والإحاطة بلغة الفن وعناصره المضمنة في النص، وتناسق المضمون والشكل. النقد الأدبي يتحرى الصدق الفني المقترن بضرورات التطور الاجتماعي. والأدب مرآة الواقع الاجتماعي المتطور باستمرار. "مهمة المناهج لم تعد تزويد الطلبة بالمعلومات والمعرفة فقط، بل أصبحت تشمل المهارات الإيجابية التي على الطلبة اكتسابها كالتفكير الناقد والتفاعل والمرونة والاتصال والقدرة على اتخاذ القرارات وحل المشكلات وحب الاستطلاع الذهني والاستعداد لتحمل المسئولية، وتعلم كيفية التعلم..."(1/147).

على أن النقص الأفدح في المنهاج يتجلى في تغييب ثقافة التنوير الفلسطينية ورموزها، أمثال محمد روحي الخالدي ونجيب نصار وخليل السكاكيني وخليل بيدس وبندلي الجوزي وكلثوم عودة ومحمد إسعاف النشاشيبي والدكتور توفيق كنعان ونجيب عازوري. هؤلاء الرواد تنبهوا لخطر الاستيطان الصهيوني وسعوا إلى التغيير للخروج من تخلف العصور وتبديد حلكة الظلام الموروثة عن عصور الظلام بأفكار التنوير. ألف محمد روحي الخالدي في الأدب المقارن وفضح واقع الكبت المعطل لنمو الإبداع. واستثمر الخالدي عمله نائبا في مجلس المبعوثان وقام بجولات على المستوطنات. ومن منبر المجلس حذر من خطورة الاستيطان اليهودي في فلسطين ووضع كتابا عن الصهيونية لم ير النور إلا بعد أن تجسدت نبوءاته في الواقع المأزوم. توفي مبكرا عام 1913.

وكتب نجيب نصار، شيخ الصحفيين الفلسطينيين، ضد الاستيطان وشهر بتواطئ الحكومات العثمانية معه، وحذر من بيوع الأراضي وهاجم الحركة القومية الفلسطينية لأنها ضمت عناصر تسهر مع المندوب السامي البريطاني وتخطب في الوطنية أثناء النهار.

وكتب خليل السكاكيني في التربية من اجل التحرر. وأشرف عام 1928على طباعة مؤلف " الحركات الفكرية في الإسلام" لصديقه، ابن القدس، بندلي الجوزي. وفي منتدى المثقفين (مقهى الصعاليك) تمت مناقشة الكتاب والترويج له. كان السكاكيني رائدا في مختلف مجالات الحياة الفلسطينية. أما خليل بيدس فقد كان الرائد في نشر وإبداع الفن القصصي الفلسطيني على قواعدٍٍ اجتماعية، وكرس مجلته الرائدة " النفائس العصرية" منبرا للحوارات الأدبية ونشر إبداعات الكتاب المحليين والأجانب.

ولا يكتمل الحديث عن التنوير الفلسطيني بدون الإشارة إلى "مقهى الصعاليك" ، كما أسماه نجمه خليل السكاكيني. داخل المقهى تجمع الكتاب الفلسطينيون من مختلف الاتجاهات، فتحول المقهى بسرعة إلى ندوة للحوار والنقاش في مختلف شئون الأدب، ومركزا للالتقاء مع الكتاب العرب الزائرين لفلسطين وعنوانا للمراسلة.

إن دراسة أنشطة المنورين في فلسطين تدحض الكثير مما ورد في كتاب المطالعة عن الأدب والشعر العثمانيين. فهي تلقي الضوء على جمود الحياة الاجتماعية والأدبية في ظل سلاطين بني عثمان. في كتاب " يقظة العرب " الصادر عام 1905 لنجيب عازوري يتضح كم كانت شقية وبائسة حياة الفلاح العربي المناط به مسئولية الحفاظ على الأرض بوجه أطماع الاستيطان الوافد. والحكومة تنشر الخراب وتقيم حاجزا ما بين الإنسان والكرامة. وحين أجرى الخالدي مقارنة بين أوضاع الفلاح العربي وحالة الرفاه التي عاشها اليهود في المستعمرات، فهو في الحقيقة ينذر قومه من مستقبل قاتم . وحين تطالع مؤلفات الدكتور توفيق كنعان بصدد تعلق الناس بالمزارات من حجر وشجر ومواقع طلبا للشفاء من مرض أو تلبية حاجة ملحة تكتشف خلف هذه الخرافات والشعوذات جهود عملاء بني عثمان من حركات تصوف ورجال دين مرتزقة لإعفاء الحكم من مسئولية توفير الخدمات الأساس للبشر المسحوقين.

المصادر والمراجع:
1ـ د. يزيد عيسى السورطي:السلطوية في العملية التربوية/ عالم المعرفة 362ـ إبريل 20092-

 2ـ د. مصطفى حجازي: الإنسان المهدور، معهد الإنماء العربي، ط2، 2006

3 ـ د. هشام شرابي: مقدمات لدراسة المجتمع العربي

4ـ  د. مصطفى حجازي: الصحة النفسية، المركز الثقافي العربي،ط3، بيروت 2006

5- سعيد إسماعيل علي: نظرات في الفكر التربوي، القاهرة مركز ابن خلدون 1992

6ـ د.كمال نجيب ـ كلية التربية جامعة الاسكندرية: ثقافة الاستبداد في المدارس المصربة، مجلة اليسار الجديد ، عدد 76، شتاء 2005

7ـ د. شبل بدران: التعليم ومكانة حقوق الإنسان، الدور الوطني للتعليم، التعليم والعدالة الغائبة ،  المصدر السابق

17/1/2009









الرئيـــــسية
  حزب الشعـب
  برنامج الحزب
  فكـر الحزب
  مؤتمرات الحزب
  سجل الخـالدين
  ارشيف الاغاني
معرض الفيــديو
معرض الصــور
روابـــط
إتصل بنــا

إستطلاع الرأي
  هل قرار تأجيل الإنتخابات المحلية يساعد على:
تحقيق المصالحة
تعميق الديمقراطية
القضاء على الديمقراطية