منتدى الفكر والسياسة  مــوقفنـــا  فعاليات الحــزب  بيانات الحــزب  إصدارات جديدة

الرئيسية >
للطباعة أرسل لصديق


ندوة «الكتاب والقضية الفلسطينية»

ندوة «الكتاب والقضية الفلسطينية»

فلسطين جزء من سيرة كل المثقفين

الكاتب: صفوان حيدر

يحق لبيروت أن تزهو، في هذه الأيام، باحتضانها مجموعة من الفاعليات الثقافية الفلسطينية التي تأتي في إطار «بيروت عاصمة عالمية للكتاب» أو في سياق النشاط المتعدد الوجوه لشعار «القدس عاصمة للثقافة العربية». وفي هذا الاطار، نظمت مؤسسة الدراسات الفلسطينية ووزارة الثقافة اللبنانية مؤتمراً ثقافياً في بيروت في 8/1/2010 (فندق جفينور روتانا) تحت عنوان «الكتاب والقضية الفلسطينية» حضرته حشود من الباحثين والاكاديميين والدارسين والاعلاميين، وغابت عنه الوجوه السياسية، ولا سيما مسؤولي الفصائل الفلسطينية في لبنان، الامر الذي أكسب هذا المؤتمر طابعاً علمياً خالصاً. وقد ألقى الدكتور هشام نشابة كلمة الافتتاح، فعرض فيها تاريخ مؤسسة الدراسات الفلسطينية، ودورها في البحث العلمي، وأعاد الى الاذهان الرواد الاوائل أمثال قسطنطين زريق وادمون رباط وبرهان الدجاني وموريس الجميل ونجلاء ابو عز الدين وغيرهم. ثم تحدث الدكتور عمر حلبلب باسم وزارة الثقافة اللبنانية عن الروابط الثقافية والإنسانية والبشرية التي تربط لبنان وفلسطين، وعن دور لبنان في دعم القضية الفلسطينية، خصوصا في الحقل السياسي والاعلامي. وبعد اختتام كلمتي الافتتاح عقدت على الفور الجلسة الاولى من الجلسات العلمية الاربع التي استغرقت يوما طويلا بكامله تخلله عرض الاوراق ومناقشتها.

الجلسة الأولى
خصصت هذه الجلسة للكلام على «فلسطين في الانتاج الفكري العربي»، وتحدث فيها كل من الدكتور ماهر الشريف والدكتور كلوفيس مقصود والدكتور جميل مطر، وأدارها الدكتور فواز طرابلسي. وقد لاحظ ماهر الشريف أن قضية فلسطين ما عادت همّا فكرياً عربياً مركزياً، وما عادت الكتابات عن القضية الفلسطينية تحتل مكانة مميزة. ورأى أن في الإمكان رصد ثلاث مراحل في تطور الاهتمام العربي بفلسطين. في المرحلة الاولى ارتفع صوت نديم البيطار: «أيها العرب ليكن شعاركم، إما الفناء وإما فلسطين» وبعد حرب 1948 أصبحت فلسطين حافزاً لتغيير الاوضاع السياسية في العالم العربي. لكن المرحلة الاولى انتهت بهزيمة 1967. أما المرحلة الثانية فشهدت، ولا سيما في عقد السبعينيات، ازدهار الانتاج الفكري العربي الذي راح يتطور بالتوازي مع تصاعد نضال حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة. ثم جاءت المرحلة الثالثة بعد اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982، الثالثة وكانت سمتها الأساسية سقوط رهان التحرير عن المقاومة الفلسطينية، وراح عدد الكتب عن القضية الفلسطينية يتضاءل بالتدريج، ولم تعد نكبة فلسطين هي النكبة الوحيدة التي يعانيها العرب وأضاف الشريف: بعد فشل الرهان على الوحدة العربية يبدو أن الفكر العربي دار دورة كاملة حول نفسه، وأصبح تحرير فلسطين مرتبطا بتملك العرب أسباب الحداثة.

أما كلوفيس مقصود فقد تحدث عن المناورات اللفظية في مصطلحات الصراع العربي ـ الصهيوني استناداً الى تجربته في الامم المتحدة، ودعا الى ضبط المصطلحات، خصوصا في جولات المفاوضات وتساءل: هل النزاع مع إسرائيل نزاع عربي ـ إسرائيلي ام هو نزاع فلسطيني ـ إسرائيلي؟ وقال: تكمن المشكلة في ان إسرائيل «لا تعترف بكونها دولة محتلة، وليس لها حدود محددة. وهي تعتبر الاستيطان حقا لها. فحق الملكية يعبر عن نفسه بحق الاستيطان. ثم ان إسرائيل تعتبر المقاومة تمرداً على سلطتها لا مقاومة لها»، ورأى ان «السياسة الواقعية العربية تحولت الى وثيقة عربية تمثلت في مصيدة اتفاق أوسلو».

ثم تناول جميل مطر «الصراع العربي ـ الإسرائيلي في الفكر السياسي المصري»، فلاحظ ان الاهتمام المصري بهذا الصراع بدأ متدنيا ولا يزال متدنيا. ومنذ سنتين فقط استحدثت الجامعات المصرية دبلوما لدراسة فلسطين وإسرائيل، وكانت الدراسات الاكاديمية المصرية خلال ثلاثين عاماً منصرماً تدور على التاريخ السياسي للإسلام. وما حدث في مصر بعد عام 1973 كان واضحا جداً: طريقنا هو الولاء لأميركا. وهذا الولاء يمر بالسعودية. لذا جرت محاربة اليسار والناصرية معاً. وأظهر النقاش تساؤلات جوهرية من أن غياب الديموقراطية في العالم العربي كان له شأن مهم في انحسار الاهتمام بالقضية الفلسطينية. علاوة على انحسار دور الكتاب أمام اتساع دور الإعلام. كما ان بروز منطق الكيانية الاقليمية بعد انحسار الحركة الناصرية والفكر القومي قلل الاهتمام بفلسطين. ورأى البعض ان الرد يكون بتعريف العروبة بالمواطنة وليس باللغة أو بالعرق أو بالدين.

الجلسة الثانية
أدار هذه الجلسة الدكتور محمد برادة، وعقدت تحت عنوان «فلسطين والصراع العربي ـ الصهيوني في الانتاج الأدبي العربي»، وتحدث فيها كل من الدكتور فيصل دراج والدكتورة يمنى العيد والدكتورة رضوى عاشور، فرأى فيصل دراج أن الأجناس الأدبية العربية لم تتوكد فروقاتها إلا بعد منتصف القرن العشرين، بينما كان الأدب العربي قد بدأ في التعامل مع فلسطين منذ وعد بلفور. وهناك كم هائل من القصائد ذات المحتوى الديني مثل قصائد «أبو سلمى» (عبد الكريم الكرمي) وابراهيم طوقان وعلي محمود طه والأخطل الصغير والجواهري وعمر ابو ريشة، ورأى دراج ان فلسطين لعبت دوراً مميزاً في تغيير الوعي الشعري العربي، فمنحت هزيمة 1967 نزار قباني والشعراء العرب موضوعات سياسية جديدة. وفي هذا السياق ظهر سعد الله ونوس منذ مسرحيته الاولى مشغولا بالهم الفلسطيني، وتمكن من تشريح بنية الايديولوجيا الصهيونية لاحقا في مسرحيته «الاغتصاب». وبعد هزيمة 1967 ردت الرواية العربية على الايديولوجيا الرسمية بأشكال أدبية جديدة، كما تمثلت لدى اميل حبيبي وإدوار الخراط. وخلص دراج الى نقطتين: ان قضية فلسطين شكلت جزءاً عميقاً من السيرة الذاتية للمثقفين العرب وان الرواية العربية رأت في ثنائية الاستبداد والتخلف أساساً لهزيمة عام 1967.

أما يمنى العيد فعمدت في ورقتها الى استنطاق النصوص الروائية من دون تحاكمها. واعتبرت العيد أنه لا أثر للذاكرة الروائية العربية في دينامية السرد. وأن الزمن الروائي العربي، ولا سيما عند واسيني الاعرج والياس خوري، مغلق سردياً. وان السرد الروائي في رواية «الحب في المنفى» لبهاء طاهر وفي «ربيع حار» لسحر خليفة، ينحو الى تأثيم الذات الراوية وتوبيخها، وعقدت العيد مقارنات مضمونية بين «المتشائل» لاميل حبيبي «وعائد الى حيفا» لغسان كنفاني، رأت فيها ان المنظور التأليفي كان يتشكل بدينامية سردية تفضي الى ضرورة المقاومة. ولاحظت ان القضية الفلسطينية تحولت في بعض الروايات الى مجرد ذاكرة يستعيدها الراوي عبر التذكر مثل رواية «باب الشمس» لالياس خوري، ومثل رواية «سوناتا لأشباح القدس» لواسيني الأعرج.

أما رضوى عاشور فقد قارنت أعمال غسان كنفاني وحسين البرغوتي واميل حبيبي، ورأت ان خطاب سحر خليفة الروائي خطاب ملتبس، فعندها «يتساوى القمع الذكوري مع القمع الإسرائيلي». ورأت عاشور ان اختزال القضية الفلسطينية بامرأة مقموعة يقزم هذه القضية، وهو تزوير ودفاع زائف عن حرية المرأة. وخلصت الى القول: «إن فلسطين القضية المركزية للعرب أصبحت كليشيه يتكرر بشكل ممجوج، مع ان واقع الحال، أي مركزية حضور فلسطين بعنادها الملحمي الثقيل (الحروب والمجازر والاقتلاع والهزائم وأشكال المقاومة واللحظات الصاعدة والانتكاسات المزلزلة) شكل التجربة الوجدانية الاكثر تجذرا وتشعبا في حياة الكاتب العربي المعاصر وإنتاجه الأدبي».

الجلسة الثالثة
تحت عنوان «فلسطين والصراع العربي ـ الصهيوني في الانتاج الفكري الفرنكوفوني» عقدت الجلسة الثالثة التي أدارها الصحافي والدبلوماسي الفرنسي إيريك رولو. وقدم هنري لورانس تحليلاً لحوالى مئة كتاب نشر باللغة الفرنسية عن فلسطين. وأشار لورانس الى ان حرب غزة عام 2009 أثارت دفقا من الكتب التي كتبها فرنسيون يعملون في منظمات دولية كرست جهدها لإغاثة أهالي غزة. وتحدث لورانس عن نفسه فقال انه أنجز ستة مجلدات تتحدث عن جوانب القضية الفلسطينية كلها: الاول يغطي وصول نابليون برنابرت الى فلسطين عام 1798، والثاني يغطي مرحلة الانتداب البريطاني، والثالث يبدأ من عام 1947 ويعتمد منهجية التأريخ اليومي. والرابع لم يجد له عنوانا بعد. وهو يحكي عن عالمية القضية الفلسطينية. أما المجلدان الخامس والسادس فيعكف لورانس حاليا على تأليفهما. وسينشر «المركز الوطني للترجمة» في مصر هذه المجلدات باللغة العربية. أما إيلان هاليفي ممثل م.ت.ف. لدى الأممية الاشتراكية فقد تناول الاعمال الفرنسية المطبوعة التي تتماهى مع أحد طرفي النزاع.

وأشار الى الكتب والمسرحيات والاعمال الاذاعية والتلفزيونية باللغة الفرنسية التي تناولت الصراع العربي ـ الإسرائيلي. وعدد هاليفي محاولات إسرائيل الافلات من العقاب على مجازرها الجماعية بحق الفلسطينيين، وكيف ان هذا الافلات يعبر عن فجوة مخيفة بين النخبة والرأي العام الفرنسي التي يزداد شرخها. يوما بعد يوم، أما مداخلة فاروق مردم بك فكانت بعنوان «المفكرون الفرنسيون والقضية الفلسطينية»، التي تناول فيها مواقف عدد كبير من المثقفين والأدباء الفرنسيين من قضية فلسطين، ومنهم جان بول سارتر وألبير كامو وبول ريكور وأندريه مالرو.

الجلسة الرابعة
كانت الجلسة الرابعة مسك الختام في ذلك اليوم الطويل الذي بقي حضور المهتمين به كثيفا وحاشدا على الرغم من طول الجلسات وقد عالجت هذه الجلسة موضوع «فلسطين والصراع العربي ـ الصهيوني في الانتاج الفكري الانكلوسكسوني» وأدارها سليم تماري أستاذ علم الاجتماع في جامعة بيرزيت، وتحدث فيها رشيد الخالدي وبشارة دوماني ولكس تكنبرغ.

رأى الخالدي ان بريطانيا والولايات المتحدة الاميركية كانتا القوتين الرئيستين في تحديد مصير فلسطين. فالولايات المتحدة الاميركية كانت تعتبر إسرائيل الحليف الاول لها ضد الاتحاد السوفياتي. وبعد هزيمة 1967 كان هناك تضخيم لقوة العرب وتركيز على اليهود في الاعلام الانكلوسكسوني بوصفهم ضحايا وإذا كان هناك غياب شنيع في المواد المكتوبة عن فلسطين باللغة الانكليزية، فالسبب هو ضعف الجامعات العربية ودور النشر العربية في سوق القراءة الانكلوسكسوني، علاوة على ضعف الكتاب العرب في الكتاب بالانكليزية. أما اليوم فهناك إمكانية متاحة لاختراق الاحتكار الصهيوني للكتاب الانكلوسكسوني. وأشار الخالدي الى ان الأدبيات الانكليزية عن الوضع القانوني للفلسطينيين في المهجر الانكلوسكسوني ساعدت في منحهم المزيد من الحقوق التي يطالبون بها منذ زمن بعيد.

كما ان الكتابات باللغة الانكليزية في التاريخ الحديث، والسياسة، والاعلام والأدب، التي تناصر الفلسطينيين وتؤيد قضيتهم بدأت تتزايد في العقدين الاخيرين مخترقة الاحتكار الصهيوني للثقافة السياسية الانكلوساكسونية. ثم قدم بشارة دوماني، وهو أستاذ التاريخ في جامعة كاليفورنيا، مطالعة وافية عن الدراسات الانكلوساكسونية لقضايا الصراع العربي ـ الصهيوني. وكانت نهاية الكلام مداخلة ليكس تاكنبرغ، وهو باحث هولندي وقانوني يعمل مع الاونروا، عن أحوال اللاجئين الفلسطينيين في القانون الدولي، فرأى أن حق العودة والحق في التعويض ليس عن أملاك الفلسطينيين فحسب، بل ايضا عن جرائم الحرب التي ارتكبها الصهيونيون بحق الفلسطينيين، فضلا عن الحق في تقرير المصير، هي عناوين أساسية لا تستطيع القوانين الدولية وشرعة حقوق الإنسان أن تتجاهلها أو تتخلى عنها مهما طال الزمن.
 
 

المصدر: السفير، بيروت، 11/1/ 2010







الرئيـــــسية
  حزب الشعـب
  برنامج الحزب
  فكـر الحزب
  مؤتمرات الحزب
  سجل الخـالدين
  ارشيف الاغاني
معرض الفيــديو
معرض الصــور
روابـــط
إتصل بنــا

إستطلاع الرأي
  هل قرار تأجيل الإنتخابات المحلية يساعد على:
تحقيق المصالحة
تعميق الديمقراطية
القضاء على الديمقراطية