2011-05-01

محمــود شقـير
كاتب وأديب فلسطيني

محمد البطراوي... اسم كبير في الثقافة الفلسطينية المعاصرة

ها هي ذي أربعون يومًا انقضت منذ رحل الرفيق محمد البطراوي "أبو خالد". رحل المثقف الكبير الودود المثابر المحتفي دومًا بالتقدم العلمي وبالثقافة التقدمية حتى اللحظة الأخيرة من حياته الحافلة بالبذل والعطاء، وبالإيثار والمحبّة التي كان يخصّ بها أفراد عائلته ورفاقه وأصدقاءه وزملاءه.

هكذا هي سجايا أبي خالد، منذ تفتّح وعيه على الدنيا وانتمى يافعًا إلى عصبة التحرّر الوطني في فلسطين: اهتمام صادق بكلّ من عرفهم ومن عرفوه، ورعاية لم تنقطع لأجيال بعد أجيال من الكتاب والفنانين الذين كانت لأبي خالد علاقات راسخة معهم باستمرار، وقد زادها رسوخًا انجذابه للأدب في أسمى تجلياته، وللفن في أجمل تشكيلاته، وللثقافة في أبهى معانيها.

وها هي ذي الأيام تنقضي ونحن لا نصدّق أن محمد البطراوي المثقف التقدمي الذي لم يغب يومًا عن ساحة الثقافة، قد غاب جسده في اليوم الذي اختاره الفلسطينيون لكي يكون يومًا للثقافة الوطنية الفلسطينية، وهو اليوم نفسه الذي يصادف عيد ميلاد محمود درويش.

فأية مفارقة هذه، تلك التي يرحل فيها علم بارز من أعلام ثقافتنا المعاصرة في الذكرى السبعين لميلاد شاعرنا العظيم؟ وأية مفارقة هذه تلك التي يرحل فيها أبو خالد في عزّ اندلاع الثورات الشعبية العربية التي نتوقّع أن تأخذنا إلى مشارف عصر جديد، حيث الحرية والديمقراطية والدولة المدنية وتداول السلطة وحكم القانون والعدالة الاجتماعية والمساواة، وهي القيم التي ناضل محمد البطراوي طويلاً من أجلها، وظلّ مشدودًا إليها متعلّقًا بها من غير كلل أو ملل، ومن غير تراجع أو ارتداد.

أذكر أنه في حوار بيني وبينه قبل رحيله بأسبوعين، وبعد اجتماعنا الذي عقدناه في مقرّ حزب الشعب للجنة الاستشارية للحزب، كان معنيًّا بأن ننتبه إلى الأساليب الجديدة لتعميم الثقافة التقدمية، وذلك بالاستفادة من خدمات الانترنت، لكي تكون هذه الثقافة في متناول الأجيال الشابة، للتزوّد بها وللمضي على هديها نحو  المستقبل المنشود.

وكانت له تصوّرات حول كيفية تطبيق هذه الأساليب، وهي التي كان سيقدّمها في اجتماع لاحق للجنة الاستشارية. وللأسف، فقد انعقد الاجتماع، ولم يكن أبو خالد بيننا. كان جسده قد غادرنا، غير أنه كان معنا بأفكاره وبمبادراته وبدماثة خلقه وباحترامه لرفاقه واحترامهم له. وقفنا دقيقة صمت حدادًا عليه. وكنت أراه على امتداد السنوات الخمسين الماضية ونحن نقف خاشعين وفاء لذكراه.

وأذكر أنّ له فضلاً عليّ في الثقافة وفي السياسة لن أنساه. فهو الذي رعى مسيرتي الأدبية منذ ابتدأت الكتابة أوائل ستينيات القرن العشرين. كان قد انتبه إلى ما في قصصي التي رحت أنشرها تباعًا في مجلة "الأفق الجديد" المقدسية من انحياز إلى فقراء الفلاحين والعمال. وقد سعى من خلال الحوار الهادئ إلى تعزيز هذا التوجّه العفوي لدي، وسعى في الوقت نفسه إلى تعريفي بالأسس النظرية لمنهج الواقعية الجديدة.

وكنت أصبحت آنذاك واحدًا من كتّاب مجلة "الأفق الجديد" الذين يتردّدون على بيت أبي خالد الواقع في البيرة، في أوّل الشارع المقابل لملعب مدرسة الفرندز. كان البيت صغيرًا غير أنه كان يتسع لكلّ الضيوف انطلاقًا من كرم صاحب البيت وصاحبة البيت. وكانت حوارات ثقافية وسياسية شتى تدور ساعات وساعات في هذا البيت، وفي البيت الآخر الذي انتقل إليه أبو خالد وأسرته، وظلّ يعيش فيه سنوات طويلة حتى حضرته الوفاة. وأنا أتذكّر الآن، كم من كتب استعرناها من مكتبة أبي خالد، لتكون خير زاد لنا في رحلة البحث عن ألق الحقيقة وعن شرف الانتماء!

وهو الذي هداني إلى الحزب الشيوعي. كنا أنا وزملاء مجلة "الأفق الجديد" نعرف أنه شيوعي ذو تجربة متشعّبة في العمل الحزبي والسياسي، وأنه جرّب الاعتقال والنفي والتشريد والفصل من العمل بسبب قناعاته وأفكاره. وكنت في تلك الفترة واحدًا ممن يضمرون العداء للشيوعية، بسبب تأثّري بالأفكار القومية الناصرية، وبسبب الدعاية التي كانت تضخّها في عقولنا أجهزة الإعلام الغربية الاستعمارية المتناغمة مع أجهزة الإعلام العربية الرسمية. ومع ذلك، لم ينسحب عدائي للشيوعية على علاقتي الشخصية بأبي خالد. كان الرجل دمث الخلق لا يفرض أفكاره على الآخرين فرضًا. وكان الحوار العقلاني الرصين هو وسيلته لإيصال أفكاره. وكان إلى جانب قدرته على إدارة الحوار قادرًا في الوقت نفسه على الإصغاء لوجهة النظر الأخرى والتعاطي معها باحترام رغم اختلافه معها.

وأذكر أنه في مرحلة من مراحل حوارنا الذي استمر طويلاً، عرض علي أن أقرأ جريدة الحزب السريّة. كان اسمها "التقدم"، وكانت صغيرة الحجم من صفحتين اثنتين، بحيث يسهل طيّها وإخفاؤها عن أعين رجال المباحث في زمن القمع ذاك. تهيبت للوهلة  الأولى من حيازة جريدة سريّة لحزب محظور تمّ القبض على كثيرين من قادته وكوادره، وحكم عليهم بالسجن مددًا تتراوح بين  خمسة عشر وتسعة عشر عامًا، وتم إيداعهم في سجن الجفر الصحراوي البعيد.

أذكر أنني أخذت الجريدة من باب التأدّب، وكي لا أوصف بأنني أخشى العواقب إلى هذا الحدّ غير المتوقّع، وأنا الذي يدافع في قصصه عن العمال الكادحين والفلاحين الفقراء. قرأت الجريدة ووجدت فيها عرضًا لمشكلات الناس بلغة بسيطة واضحة، وهي مشكلات حقيقية لا يمكن لذي عقل سليم أن يعترض عليها بأيّ حال.

داومت بعد ذلك على قراءة الجريدة. وفي إحدى المرات، لم أضعها في جيبي. بل إنني خلعت حذائي وطويتها بعناية وخبأتها في الحذاء. أخبرت أبا خالد بأنّ رجل المباحث القبيح، الذي يمضي وقته في التسكّع من شارع إلى شارع متعقّبًا حركة الناس، سألني قبل أيام حينما كنت أنتظر الباص الذاهب من رام الله إلى القدس، عن مكان عملي.

وقلت: يبدو أنه وضعني ضمن قائمة الأشخاص الذين سيقوم بمراقبتهم أثناء تجواله في شوارع رام الله والبيرة. طمأنني أبو خالد إلى أنّ مهماته الحزبية السرية تجعله بعيدًا عن مراقبة رجال المباحث، ما جعلني مطمئنًا إلى حدّ ما. واستمر الحوار بيننا من العام 1963 حتى أوائل العام 1965 . ثم تقدّمت بطلب انتساب للحزب.

بعد ذلك، تعدّدت الأنشطة الحزبية والسياسية والثقافية التي خضناها معًا. كان محمد البطراوي ثاقب البصيرة قادرًا على رؤية الأمور على نحو صحيح مهما تعقّدت الأوضاع. ومنذ سنوات مجلة "الأفق الجديد" والدور الريادي الذي مارسه فيها ناقدًا وصديقًا مرشدًا للكتّاب الشباب، وحتى سنوات زمالتنا الحميمة في وزارة الثقافة، وما بعد وزارة الثقافة في الحزب وفي المناسبات الثقافية والسياسية والاجتماعية المختلفة، ظلّ أبو خالد هو هو، الرجل نفسه الذي عرفته قبل خمسين سنة، بما جُبل عليه من تواضع وابتعاد عن الأضواء وزهد في الشهرة، ومن رغبة في خدمة الآخرين والعناية بهم، والفرح لنجاحاتهم كما لو أنها نجاحاته هو، بل أسمح لنفسي بالقول إنّه كان صاحب فضل على كثيرين من الكتاب والفنانين الفلسطينيين الذين كانوا على صلة دائمة به.

وكم كان الشأن الثقافي مهمًّا وحيويًّا بالنسبة لهذا الرجل الموسوعي الثقافة، الواسع الأفق، المتعدّد مصادر المعرفة، التقدمي، الإنساني النزعة! وكم كان هذا الرجل محبًّا للحياة مقبلاً عليها حتى غدت ابتسامته التي لم تكن تفارق وجهه السمح علامة على تفاؤله، وعلى صدق انتمائه لكلّ ما في الحياة من خير وأمل وحبّ وجمال وثراء!
فيا رفيقي العزيز أبا خالد. وأنا أقف هنا في أربعينك لكي أعدّد بعضًا من فضلك علي، وأنوّه بأقلّ القليل من واجبي تجاهك، فإنني يا رفيقي سأظلّ ما حييت مخلصًا لذكراك، حافظًا لمآثرك، مقدّرًا في الوقت نفسه ما بذلتْه من جهد وتعب، وأبدتْه من كرم وترحاب، تلك الإنسانة الطيبة، رفيقة دربك المخلصة عايدة البراقوني، أم خالد.

لها كلّ  التقدير والاحترام، ولها وللعزيزة زويا وللأعزّاء خالد وسامي ووليد، وللآخرين من أبناء العائلة وللرفاق والأصدقاء وافر العزاء بفقيدنا الكبير محمد البطراوي، الذي لن يغيب اسمه من سماء بلادنا وأرضها على مرّ الزمان.

*ألقيت في حفل التأبين في مسرح القصبة/ رام الله/ 23 / 4 / 2011 .

1/5/2011