2010-02-17

د. مــاهــر الشــريــف

الصهيونية وموقفها من العرب الفلسطينيين
( الحلقة الأولى )

في مناسبة سابقة، كنت قد ذكرت بأني في صدد الإعداد لكتاب جديد يتناول العوامل والأسباب التي حالت إلىاليوم دون التوصّل إلى حل عادل وشامل للصراع العربي-الإسرائيلي. وقد نشرت قبل أسابيع، على موقع الحزب هذا، سلسلة من سبع حلقات غطت فصلاً من فصول هذا الكتاب، واستعرضت دور الولايات المتحدة الأمريكية في إطار ما سمي بعملية السلام في الشرق الأوسط على مدى عقود ستة.

واعتباراً من اليوم، سأنشرعلى حلقات أيضاً محتويات فصل جديد، يتناول مشروع الحركة الصهيونية وموقفها من العرب الفلسطينيين، منذ نشأتها في نهاية القرن التاسع عشر وحتى النكبة التي حلّت بفلسطين في عام 1948، وأسفرت عن ضياع الكيان الفلسطيني وعن ترحيل القسم الأعظم من الشعب الفلسطيني خارج أرض وطنه.

فكرة الدولة اليهودية لدى الدوائر الاستعمارية الفرنسية
برزت فكرة إقامة دولة يهودية في فلسطين، لدى الدوائر الاستعمارية الفرنسية والبريطانية، قبل زمن طويل من ولادة الحركة الصهيونية، على يد تيودور هرتزل، في نهاية القرن التاسع عشر.

فبحسب محمد حسنين هيكل، بدأ الجنرال نابليون بونابرت (1769-1821) يفكر، منذ نهاية القرن الثامن عشر، بأن قيام فرنسا بدعم إقامة دولة يهودية  في فلسطين، تشكّل حاجزاً يفصل بلاد الشام عن مصر، سيخدم المشاريع الاستعمارية الفرنسية في المناطق الخاضعة للحكم العثماني.  

ويبدو بأنه قد حمل مشروع إقامة هذه الدولة معه عندما قام بحملته الشهيرة، ما بين عامَي 1798 و 1801، والتي هدفت إلى احتلال مصر والزحف منها إلى فلسطين والشام، وقطع طريق المواصلات البريطانية إلى الهند (هيكل، المفاوضات السرية، الكتاب الأول، ص 29-30).

فبعد دخول قواته إلى فلسطين، ووقوفها أمام  أسوار مدينة عكا، أصدرنابليون بونابرت، كما يذكر هيكل،  نداءً إلى يهود العالم، جاء فيه:
"من نابليون بونابرت القائد الأعلى للقوات المسلحة للجمهورية الفرنسية في أفريقيا وآسيا إلى ورثة فلسطين الشرعيين.
أيها الإسرائيليون، أيها الشعب الفريد، الذي لم تستطع قوى الفتح والطغيان أن تسلبه نسبه ووجوده القومي، وإن كانت قد سلبته أرض الأجداد فقط... انهضوا بقوة أيها المشردون في التيه. إن أمامكم حرباً مهولة يخوضها شعبكم بعد أن اعتبر أعداؤه أن أرضه التي ورثها عن الأجداد غنيمة تقسّم بينهم حسب أهوائهم...

إن فرنسا تقدم لكم يدها الآن حاملة إرث إسرائيل، وهي تفعل ذلك في هذا الوقت بالذات، وبالرغم من شواهد اليأس والعجز... إن الأمة الفرنسية التي لا تتاجر بالرجال والأوطان، كما فعل غيرها، تدعوكم إلى إرثكم بضمانها وتأييدها ضد كل الدخلاء... سارعوا! إن هذه هي اللحظة المناسبة- التي قد لا تتكرر لآلاف السنين-  للمطالبة باستعادة حقوقكم ومكانتكم بين شعوب العالم، تلك الحقوق التي سلبت منكم لآلاف السنين وهي وجودكم السياسي كأمة بين الأمم..." (هيكل، المفاوضات السرية، الكتاب الأول، ص 31-32).

ومع أن المؤرخ الفرنسي هنري لورنس يقرّ بوجود بيان كهذا، إلا أنه يشكك في صحة نسبه إلى نابليون بونابرت.

فبحسب لورنس، ، نشرت الجريدة الفرنسية شبه الرسمية "المونيتور أونيفرسيل" بالفعل، في 22 أيار 1799، أي بعد حوالي شهرين على بدء القوات الفرنسية حصارها لمدينة عكا، خبراً مفاده أن " بونابرت أصدر، في 17 نيسان 1799، بياناً يدعو فيه كل يهود آسيا وأفريقيا إلى الانضواء تحت رايته لإحياء القدس القديمة. وقد سلّح حتى الآن عدداً كبيراً منهم، وباتت فرقهم تهدد مدينة حلب ". وفي عددها الصادر في 27 حزيران 1799، أعادت الجريدة نفسها ذكر هذا الخبر، مشيرة إلى " أن من المحتمل أن يكون بونابرت قد قام بغزو الإمبراطورية العثمانية"، وأن قيامه بغزو سوريا، في حال تأكده، "لم يكن فقط من أجل أن يعيد القدس إلى اليهود " (لورنس، قضية فلسطين، الجزء الأول، ص 14-15).

لكن  لورنس يؤكد أن الأبحاث المختلفة في أعماق المحفوظات الفرنسية تدل على أنه لم يكن شيء من هذا القبيل في برامج بونابرت. فمن الصحيح أن عدداً من الكتاب والصحفيين الفرنسيين قد طرحوا أفكاراً من هذا النوع، وبخاصة عشية الحملة الفرنسية على مصر، وكتبوا أن اليهود يمكنهم أن يشكّلوا "جيشاً للأمة" في فلسطين ويكونوا  سنداً للإمبراطورية الفرنسية في المشرق، إلا أن بونابرت لم يتبعهم أبداً في هذا الطريق، وذلك على الرغم من استعداده لوضع مخططات جريئة وكبيرة. ومن ناحية أخرى، فإن الجالية اليهودية في فرنسا، التي كانت تتكوّن من بضعة آلاف في تلك الفترة، كانت عاجزة – كما يضيف لورنس- عن أن تقدم الموارد البشرية اللازمة، وكانت تعتقد، كغيرها من السكان اليهود السائرين على طريق الانعتاق، بأن " صهيون الحديثة" ليست سوى البلد الذي مكّنهم من الانعتاق. كما لم يكن من الممكن الحديث عن وعي قومي يهودي في نهاية القرن الثامن عشر (لورنس، قضية فلسطين، الجزء الأول، ص 15).

وبعد أن يشير لورنس إلى أن رجال الدين اليهود كانوا يؤكدون، في ذلك الوقت، أن العودة إلى الأرض المقدسة ستتحقق عبر إرادة إلهية عند ظهور "المسيح"، يذكر بأنه، في عام 1754، أعلن المدعو جاكوب فرانك نفسه "المسيح"، وتبعه عدد من اليهود في بولونيا وبوهيميا، ويرجّح أن يكون بعض أنصاره، الذين علموا بأمر الخبر المنشور في جريدة "المونيتور"، دون أن يجدوا نص بيان بونابرت المفترض، هم الذين كتبوا هذا البيان بالعبرية ليدعموا حججهم بالحصول على وطن يهودي. وبعد أن انتشر هذا البيان خلال فترة قصيرة، اختفى من التداول ثم  عاود الظهور في أربعينيات القرن العشرين بترجمة ألمانية (لورنس، قضية فلسطين، الجزء الأول، ص 16- 17).

ولتدعيم رأيه هذا، يؤكد لورنس أنه لم تكن لدى نابليون، عند دخوله فلسطين، أي مصلحة خاصة في كسب ود  يهود المنطقة الذين كانوا يقفون إلى جانب حاكم عكا الجزّار. ويرى أن التفسير الوحيد للخبرين المنشورين في جريدة "المونيتور" هو أنهما من صنع دوائر من البروتستانتية الأنغلو-ساكسونية، وأن الفرنسيين  قد أعادوا نشر مضمونهما من دون الإشارة إلى مصدرهما. ومهما يكن، فإن  فشل حصار عكا قد وضع حداً لحلم بونابرت المشرقي (لورنس، قضية فلسطين، الجزء الأول، ص 18).

ومن جهة أخرى، وبينما يقدّر محمد حسنين هيكل أن نابليون بونابرت قد أعاد طرح مشروع إقامة الدولة اليهودية في فلسطين، في عام 1807، بعد أن أصبح إمبراطوراً لفرنسا، وذلك عندما  دعا إلى عقد مجمع يهودي يحضره ممثلون عن الطوائف اليهودية في أوروبا، بهدف العمل على لم " شمل الأمة اليهودية " (هيكل، المفاوضات السرية، الكتاب الأول، ص 37)، يورد هنري لورنس مبادرة بونابرت تلك بصيغة مختلفة، إذ يذكر بأن نابليون، بعد أن أصبح إمبراطوراً، سعى إلى أن يضفي على الديانة اليهودية، وعلى غرار الديانات االأخرى المنتشرة في فرنسا، طابعاً ثقافياً جديداً، ودعا، في هذا الاتجاه، إلى عقد اجتماع لوجهاء اليهود، كما جمع مجمعاً يهودياً كبيراً بغرض تصفية كل التقاليد التي كانت تتعارض، ضمن الديانة اليهودية، مع قيم العالم الحديث، وذلك عبر تأكيد التفوق المطلق للقانون المدني على كل الشرائع الدينية (لورنس، قضية فلسطين، الجزء الأول، ص 28).  

فكرة الدولة اليهودية في مشاريع بريطانيا الاستعمارية
وبغض النظر عن هذا التباين في تفسير هيكل، من جهة، ولورنس، من جهة ثانية، لموقف نابليون من فكرة الدولة اليهودية، إلا أن من الواضح بأن فكرة إقامة مثل هذه الدولة في فلسطين، تكون سنداً  لفرنسا في المشرق، كانت متداولة داخل بعض الدوائر الاستعمارية الفرنسية. ثم أخذت هذه الفكرة نفسها تروج  لدى الدوائر السياسية البريطانية، وبخاصة بعد قيام جيوش والي مصر محمد علي، بقيادة ابنه إبراهيم، باحتلال بلاد الشام ما بين عامَي 1831 و 1840.

وقد بادرت إلى طرح هذه الفكرة، بوجه عام، أوساط مسيحية، اندرجت في إطار ما سُمّي بالصهيونية المسيحية، وذلك على قاعدة الجمع ما بين التصورات الدينية، التي تقوم على الاعتقاد بأن قيام دولة يهودية سيسرّع " عودة المسيح"، ومطامع السيطرة الاستعمارية الأوروبية. وبحسب الوثائق البريطانية العائدة إلى تلك الفترة، يبدو بأن اللورد بالمرستون (1784-1865)، وزير الخارجية ورئيس الوزراء القادم، قد بدأ يتبنّى بصورة صريحة هذه الفكرة بعد نجاح الضغط البريطاني، والأوروبي، بإجبار الجيوش المصرية على الانسحاب من بلاد الشام.  ففي 11 آب 1840، بعث بالمرستون إلى سفيره في استانبول اللورد بونسونبي بتعليمات جاء فيها: " عليك أن تقنع السلطان [العثماني] وحاشيته بأن الحكومة الإنجليزية ترى أن الوقت أصبح مناسباً لفتح أبواب فلسطين أمام هجرة اليهود إليها. لقد حان الوقت لكي يعود هذا الشعب المشرد إلى أرضه التاريخية... ومن المعروف  جيداً أن يهود أوروبا يمتلكون ثروات كبيرة، ومن المؤكد أن أي قطر يختاره اليهود ليستوطنوا فيه سوف يحصل على فوائد عظيمة من ثروات هؤلاء اليهود. فإذا عاد الشعب اليهودي تحت حماية ومباركة السلطان إلى فلسطين، فسوف يكون ذلك مصدر ثراء له، كما أنه سوف يكون حائلاً بين محمد علي، أو أي شخص آخر يخلفه، وبين تحقيق خطته الشريرة في الجمع بين مصر وسوريا وتهديد الدولة العلية..." (هيكل، المفاوضات السرية، الكتاب الأول، ص 44-45؛ شاتنير، إسرائيل، النزاع الآخر، ص 83-84؛ لورنس، قضية فلسطين، الجزء الأول، ص 52 و ص 57).

وقد استتبع بالمرستون رسالته هذه إلى سفيره في استانبول بمنشور سري وزع على كل القناصل الإنجليز في دمشق وحلب والقدس وبيروت وحيفا، جاء فيه: "إننا خرجنا بعد هزيمة محمد علي وإخراجه من الشام ونحن والأتراك حليفان وبيننا تعاون لا بد أن نحرص عليه... إن الأتراك يعرفون ما ينبغي عليهم عمله تجاه اليهود في هذه المنطقة، ولكنه من المتعين علينا أن نتابع ذلك بجهد منظم هدفه أن نتأكد من أن اليهود لا يتعرضون هناك لأي تمييز ضدهم أو اضطهاد. ونحن مطالبون الآن بأن نجعل اليهود يثقون بنا، وأن يتأكدوا أن حكومة إنجلترا تعتبر نفسها مسئولة عن سلامتهم وراغبة في حمايتهم ومصممة على ذلك... [وأنه] يحق لهم ان يلجأوا إلى القنصل البريطاني لحمايتهم في حالة تقصير قناصل دولهم الأصلية عن توفير هذه الحماية. فكلهم يجب أن يستقر في وعيه أن إنجلترا هي حامية اليهود" (هيكل، المفاوضات السرية، الكتاب الأول، ص 56).

واتّخذ المشروع البريطاني الرامي إلى تشجيع استيطان اليهود في فلسطين بعداً جديداً بعد احتدام التنافس البريطاني-الفرنسي للسيطرة على مصر.

فبعد أن نجحت فرنسا في رعاية مشروع حفر قناة السويس، وراح نفوذها يتعاظم في عهد الخديوي إسماعيل (1863-1879)، لجأ رئيس الوزراء البريطاني بنيامين ديزرائيلي (1804-1881)، الذي كان يعتنق الديانة اليهودية قبل أن يتحوّل إلى المسيحية  ويؤمن بفكرة " عودة اليهود" إلى فلسطين، في عام 1875 إلى مساعدة عائلة روتشيلد، كي تشتري حكومته الحصة المصرية في شركة قناة السويس. وبعد مضي سبع سنوات، كانت القوات البريطانية تقوم باحتلال مصر.

وفي السنة نفسها، وبتمويل من عائلة روتشيلد، نٌظّمت أول هجرة جماعية يهودية إلى فلسطين، رفعت تعداد اليهود فيها من ثمانية آلاف إلى 24 ألفاً (هيكل، المفاوضات السرية، الكتاب الأول، ص 61-62).

انتشار فلسفة الأنوار بين يهود أوروبا
كان شعور الحنين إلى" صهيون"، هذه الهضبة في القدس التي رمزت إلى "الأرض المقدسة "، شائعاً في أوساط بعض المتدينين اليهود قبل قرون من ولادة الحركة الصهيونية الحديثة. بيد أن هذا الحنين، مهما كان عظيماً، لم يدفع بالضرورة إلى الهجرة إلى فلسطين والإقامة فيها ، وبخاصة في ظل بروز معارضة تلمودية لأي مشروع  يقضي بالعودة الجماعية إلى فلسطين، واللجوء إلى القوة لاستيطان " أرض إسرائيل " (شاتنير، إسرائيل، النزاع الآخر، ص 55 و ص 59).

وحتى نهاية القرن الثامن عشر، كان اليهود والديانة اليهودية غير منفصلين، إذ كانت اليهودية دين اليهود وحدهم، وديانتهم الوحيدة. ولم تنقطع هذه الصلة إلا بعد بروز فلسفة الأنوار "هاسكالاه" بين أوساط اليهود في أوروبا، حيث شكّك أنصار هذا التيار في سلطة الحق الإلهي، المنزرعة في التقاليد، وأعطوا الأولوية لاستقلالية الفرد، كما انتقدوا النظام السياسي المطلق والتصوّر السائد للتاريخ. وقد  آذن بروز فلسفة الأنوار هذه بنهاية الملاحقات التي كان يتعرض لها اليهود  في أوروبا، وإلغاء القوانين التمييزية والمذلة بحقهم، وفتح أمامهم إمكانية ممارسة المهن التي كانت محرّمة عليهم، وضمان حقهم في العيش في بعض المناطق التي طردوا منها وعدم حصرهم في غيتوات مدينية (شاتنير، إسرائيل، النزاع الآخر، ص 65-67).

وكانت التعبيرات الأولى عن فلسفة الأنوار "هاسكالاه" قد ظهرت في ألمانيا في حدود عام 1780 بدفع من الفيلسوف موسس مندلسون، الذي كان رجلاً يمارس الشعائر الدينية اليهودية، لكنه يؤيد فصل الدين عن الدولة، ولا يرى تعارضاً بين العقل وبين اليهودية، بوصفها تشريعاً موحى به. وعلى الرغم من المقاومة التي برزت في العالم المسيحي، وبين صفوف بعض الأوساط التقليدية اليهودية، لانعتاق اليهود، إلا أن الثورة الفرنسية، في عام 1789، اعترفت بحقوق اليهود، ولكن فقط على المستوى الفردي وليس بوصفهم أمة، واستقبل  اليهود بحماسة كبيرة إعلان حقوق الإنسان الصادر عنها (شاتنير، إسرائيل، النزاع الآخر، ص67- 68).

فخلال النقاشات الأولى، التي دارت في الجمعية الوطنية التأسيسية، حول مسألة انعتاق اليهود، أكد كليرمون-تونير،  في 23 كانون الأول 1789، على "ضرورة  رفض حق اليهود في أمة "، في مقابل " منحهم كل شيء بوصفهم أفراداً، يجب أن يكونوا مواطنين".  وبعد نقاشات حامية وطويلة، أقرّت الجمعية التأسيسية، في 28 أيلول 1791، قراراً يؤكد حق كل مواطن، يستوفي الشروط الضرورية للمواطنة الفرنسية كما حددها الدستور،  بالتمتع بكل الامتيازات التي يضمنها الدستور، ويلغي كل الاستثناءات والقيود الواردة في المراسيم السابقة بخصوص الأفراد اليهود " الذين يؤدون القسم المدني " (لورنس، قضية فلسطين، الجزء الأول، ص 27-28).

رواد الفكرة الصهيونية
إن الصهيونية- الحركة من أجل عودة اليهود إلى " أرض إسرائيل " ومن أجل ضمان سيادتهم على هذه الأرض – قد ظهرت بالارتباط الوثيق مع الإيديولوجيات القومية التي ازدهرت في أوروبا في القرن التاسع عشر، وما رافقها من مشاريع استعمارية. كما نشأت، بحسب مؤسسيها، كردة فعل على انبعاث ظاهرة معاداة السامية التي ولدّتها تلك الإيديولوجيات القومية.

فوفقاً لبعض الباحثين في التاريخ اليهودي، لم يبرز مفهوم "الأمة اليهودية"، بصورة صريحة، إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

وعلى خطى قوميي أوروبا  في ذلك الزمن، الذين استلهموا عصراً ذهبياً لإثبات " وجود أممهم الأزلي وماضيها المجيد"، استلهم المعبّرون الأوائل عن فكرة الأمة اليهودية " أنوار مملكة داود الأسطورية التي بقيت مشعة خلال القرون في قلب أسوار الإيمان الديني". فقد اعتبر سيمون دوبنوف، الذي ولد في روسيا البيضاء ، بأن الأمم تتميّز بأنها " تحمل ثقافة روحية قديمة تعيد إنتاجها من جيل إلى جيل "، ورأى أن الحفاظ على  الديانة والثقافة اليهوديتين كان بمثابة " الشرط الحيوي لاستمرار وجود الأمة اليهودية". لكنه لم يحبذ فكرة هجرة اليهود الجماعية إلى فلسطين لإقامة دولة لهم فيها، وإنما  كان يعتقد بأن من الأفضل لهم " أن يخلقوا  فضاءً  يتمتع بالاستقلال الذاتي في مناطق تواجدهم" (ساند، كيف اختُرع الشعب اليهودي؟، ص 128-136).

أما الرواد الثلاثة الذين بشّروا بالصهيونية السياسية، قبل ظهورها على مسرح الأحداث في نهاية القرن التاسع عشر، فقد كانوا الحاخام السفاردي يهودا ألكالاي (1798-1878)، والحاخام الاشكنازي زفي هيرش كاليشر (1795-1874)، والكاتب موسس هس (1812-1875)، علماً بأن  كتاباتهم لم تترك، عند صدورها، أصداء مباشرة في الأوساط التي عاشوا فيها.

فقد رأى الحاخامان ألكالاي وكاليشر، وكانا يعيشان على التوالي، في صربيا وبولونيا، بأن العودة إلى " أرض إسرائيل " تمثّل مرحلة على طريق خلاص الشعب اليهودي، وأن على اليهود ان لا ينتظروا " عودة المسيح بصورة سلبية". بيد أن تصوّرهما بقي دينياً في الأساس، ولم يكن الفعل السياسي يمثّل، بالنسبة إليهما، أكثر من " أداة للخلاص" (شاتنير، إسرائيل، النزاع الآخر، ص85- 89).

أما موسس هس، الذي كان اشتراكياً ألمانياً قبل أن يرتد  بصورة مفاجئة إلى أصوله اليهودية، فقد قدّر في كتابه: "روما والقدس، المسألة القومية الأخيرة"، الصادر في عام 1862، بأن التاريخ هو في الأساس " تاريخ صراع الأقوام "، ثم يأتي، في الدرجة الثانية، صراع الطبقات، وأن " الأمة اليهودية " حافظت على استمراريتها  بفضل الدين في المقام الأول، بحيث تطبعت الديانة اليهودية، " بطابع قومي "، حال دون اندماج اليهود في الأمم الأخرى. ومن ناحية أخرى، توقع هس ولادة نزعة معاداة السامية الحديثة، وأدرك بأن موجة من حركات التحرر القومي المناهضة للامبراطورية العثمانية ستغيّر خريطة الشرق الأوسط، معتبراً بأن قيام دولة يهودية في قلب الشرق الأوسط " سيخدم المصالح الامبراطورية الغربية، وسيساهم في نشر الحضارة الغربية في الشرق المتخلف " (بني موريس، ضحايا، ص 29؛ شاتنير، إسرائيل، النزاع الآخر، ص 89-90).

ليو بنسكر و"الانعتاق الذاتي"
دخلت الفكرة الصهيونية، قبل أن تتخذ طابعاً سياسياً مُنظّماً مع تيودورهرتزل، مرحلة جديدة في تطوّرها على يد طبيب يهودي روسي يدعى ليو بنسكر (1821-1891).

ففي الإمبراطورية الروسية، كان يعيش أكبر تجمع يهودي في العالم، يصل عدده إلى أكثر من خمسة ملايين نسمة، يتجمعون، في الغالب، في مناطق إقامة خاصة بهم تركّزت في محافظات الغرب (بولونيا، وأوكرانيا، وليتوانيا، وروسيا البيضاء).

وقد تعرض أولئك اليهود، خلال عامَي 1881 و 1882، لموجة من "البوغرومات"، أعقبت قيام مجموعة من الشبان الثوريين الروس، في مطلع آذار 1881، باغتيال القيصر ألكسندر الثاني، ومسارعة بعض الأوساط السياسية إلى نشر إشاعة تحمّل اليهود مسؤولية الوقوف وراء تنفيذ عملية الاغتيال تلك.  وقد شكّلت تلك "البوغرومات" صدمة لقطاعات من اليهود الليبراليين والثوريين، الذين كانوا يراهنون على أن " إسقاط النظام القيصري سيفتح أمامهم أبواب الانعتاق "  (بني موريس، ضحايا، ص 29-30).

لقد كان ليو بنسكر، في الماضي، من أنصار فلسفة الأنوار اليهودية ومن المؤمنين باندماج اليهود في المجتمع ومن دعاة نشر اللغة الروسية بين صفوفهم، إلا أن أحداث العامين 1881 و 1882 دفعته إلى تغيير مواقفه هذه. ففي أيلول 1882، نشر بنسكر، باسم مستعار في برلين، كتاباً بعنوان: " الانعتاق الذاتي: نداء من يهودي إلى إخوانه"، رأى فيه بأن اليهود سيبقون " أناساً غرباء وغير مرغوب فيهم طالما بقوا في الشتات"،  وأن  " البوغرومات " قد أظهرت " عجز اليهود والذل الذي يقاسونه "، كما أكدت أن معاداة السامية ستظل قائمة لأن وضع اليهود " غير طبيعي ومصطنع". واعتبر بنسكر بأن خلاص اليهود وانعتاقهم لا يمكن أن يتحققا إلا  بصورة جماعية، وذلك عن طريق الهجرة والتجمع في وطن، بحيث  " تعيش الأمة اليهودية فوق أرضها، وفي بلد يكون لها "، يمكن لها أن تشتريه وتستوطنه بصورة تدريجية (بني موريس، ضحايا، ص 30-31؛ شاتنير، إسرائيل، النزاع الآخر، ص 70-71).

بيد أن بنسكر لم يشر إلى فلسطين بالتحديد، التي كانت تخضع للسلطنة العثمانية، كمكان حصري لإقامة "الوطن اليهودي"، بل اتجهت أنظاره نحو بعض المناطق الشاسعة في أمريكا الشمالية، القادرة على استقبال مثل هذا الوطن، حيث كتب: " لنتحسب بداية من وهم الاعتقاد بإمكانية إعادة إحياء يهودا القديمة... فليس الأرض المقدسة هي التي يجب أن تكون الغاية الراهنة لجهودنا، وإنما أرض تكون لنا " (شاتنير، إسرائيل، النزاع الآخر، ص 93).

جمعيات "عشاق صهيون" و "البيلو"
بعد اندلاع "البوغرومات "، لم يعد في إمكان اليهود العيش في روسيا، الأمر الذي دفع مئات الآلاف منهم إلى الهجرة  إلى الولايات المتحدة، وإلى أمريكا الجنوبية، وإلى كندا وأفريقيا الجنوبية واستراليا. كما استقر مئات الآلاف منهم في مدن أوروبا الوسطى والغربية.

وفي الوقت نفسه، نشأت، اعتباراً من عامَي 1881- 1882، عدة جمعيات لتشجيع هجرة يهود الإميراطورية الروسية إلى فلسطين، ضمت عدداً  من  المثقفين من أنصار فلسفة الأنوار، ومن الطلاب شبه المندمجين، ومن اليهود المتدينين. وحملت تلك الجمعيات اسم  "عشاق صهيون"، وجمعت ما بين 8000 إلى 14000 عضو  في عام 1885. وكان "عشاق صهيون" قد عقدوا مؤتمرهم الأول ، في 6 تشرين الثاني 1884، في مدينة كاتوفيس بمشاركة ثلاثين مندوباً، كانوا كلهم تقريباً من داخل الإمبراطورية الروسية. وانتخب  ليو بنسكر أميناً عاماً للحركة، والحاخام صمويل موهيلفر رئيس شرف لها، وذلك بهدف تدعيم التفاهيم بين العلمانيين والمتدينيين في صفوفها (شاتنير، إسرائيل، النزاع الآخر، ص 95؛ لورنس، قضية فلسطين، الجزء الأول، ص 111).

ومع أن حركة "عشاق صهيون" قد حظيت، لدى تأسيسها، بتعاطف داخل أوساط اليهود الروس، إلا أن توجهاتها الفلسطينية لم تحظَ بالإجماع، حيث استقبلتها بتشكك الأوساط اليهودية التقليدية، كما تعرضت لانتقادات الطلبة اليهود الذين التحقوا في نهاية القرن بصفوف الأحزاب الثورية الروسية، أو بصفوف حزب البوند الثوري اليهودي. ومهما يكن، فقد نجح أعضاء الحركة الذين صاروا يتقاطرون إلى فلسطين، منذ ربيع عام 1882، في الحصول على الدعم المادي لإدمون دو روتشيلد، وفي تشكيل عدة مستوطنات زراعية، من بينها "ريشون- لو- زيون"، و"روش بينا"، و "زخرون يعقوف"، كما أعادوا استيطان مستوطنة " بتاح تكفا"، التي كانت قد أُقيمت في عام 1878 قبل أن يهجرها قاطنوها. وخلال الموجة الأولى من الهجرة اليهودية، ما بين عامَي 1881 و 1903، وصل إلى فلسطين ما بين 20000 إلى 30000 مهاجر، لكن عدداً كبيراً منهم عاد إلى روسيا أو اختار الاستقرار في الغرب (بني موريس، ضحايا، ص 33-34).

وقد لعبت مدينة فيينا دوراً مهماً في تطوّرحركة "عشاق صهيون". ففيها التقت اليهودية المندمجة في أوروبا الغربية مع النزعة القومية ليهود أوروبا الشرقية. وفيها أقام أحد الآباء الروحيين للحركة وهو  اليهودي الروسي بيريز سمولنسكين (1824-1885)، الذي شجّع تعبير اليهود عن أنفسهم باللغة العبرية. وبتأثيره، أسس ناتان بيرنباوم، الذي يعود بأصوله إلى غاليسيا النمساوية، في عام 1882، الأخوية الطلابية اليهودية الأولى باسم "كاديما" (إلى الأمام)، التي تبنّت بصورة صريحة برنامجاً قومياً يهودياً يتم التعبير عنه باللغة العبرية. وفي عام 1885، أصدر بيرنباوم صحيفة باسم "الانعتاق الذاتي"، وكان أول من لجأ إلى مصطلح " الصهيونية"، الذي شاع اعتباراً من عام 1892. وفي كتاب له، بقي مغموراً، دعا، في عام 1893، إلى قيام دولة يهودية في فلسطين كحل للمسألة اليهودية (لورنس، قضية فلسطين، الجزء الأول، ص 113-114).

وكانت قد تميّزت من بين الجمعيات، التي شجعت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، جمعية تأسست في مدينة خاركوف، في نهاية عام 1881، باسم " بيلو"، تركت تأثيراً كبيراً على مشروع الاستيطان اليهودي في فلسطين خلال السنوات اللاحقة. وكان معظم أعضاء هذه الجمعية من الطلاب "المثاليين"، الذين اعتقدوا بأن عليهم أن يهاجروا إلى فلسطين، كي يعيدوا " زرع الأمة اليهودية في أرض الأجداد"، وأن يقدموا، من خلال تضحياتهم وعملهم في الزراعة ونمط حياتهم المتقشف، مثالاً للآخرين.  وفي بيانها التأسيسي، أعلنت " بيلو" بأن " اليهود الغافلين ظلوا يحلمون  بصورة يوتوبية بالاندماج... وذلك إلى أن أيقظتهم من غفلتهم البوغرومات"، وباتوا يعبّرون عن إرادتهم في أن يكون لهم " وطن في بلدهم، كما تحدد في محفوظات التاريخ". وأشار البيان إلى أن أعضاء الجمعية يتطلعون إلى أن يقيموا " دولة في إطار الدولة [العثمانية] الكبيرة ". وفي بيان لاحق صادر في عام 1884، أكدت الجمعية على " ضرورة أن يتدرب كل أعضائها على كيفية استعمال السلاح ". ومع أن الجمعية قد ضمت ما يقرب من 500 عضو، إلا أن عدد الذين هاجروا منهم إلى فلسطين لم يتجاوز الستين، بقي منهم فيها 27 عضواً فقط،  ونزلت طليعتهم الأولى، التي ضمت 14 عضواً، في ميناء يافا في 6 تموز 1882. وفي كانون الأول 1884، نجح أعضاء الجمعية في إقامة مستوطنتهم الأولى، في جنوب يافا، التي حملت اسم "خضيرة" (بني موريس، ضحايا، ص 32؛ شاتنير، إسرائيل، النزاع الآخر، ص 106-107).

وكانت السلطات العثمانية قد عبّرت، منذ صيف عام 1882، عن رفضها لمشاريع إقامة اليهود الروس أو الرومان في فلسطين- سورية. وقام حاكم سنجق القدس، رؤوف باشا، ووالي بيروت، بوضع جملة من العراقيل الإدارية في وجه المستوطنات اليهودية، التي حاول سكانها اللجوء إلى حماية القناصل الأوروبيين، الذين كانوا يستفيدون من نظام الامتيازات. وفي عام 1888، تمّ التوصل إلى حل وسط بين السلطات العثمانية وحكومات الدول الأوروبية سمح لليهود بالهجرة إلى فلسطين بصورة فردية وليس جماعية. بيد أن هذا الحل الوسط  لم يعمر طويلاً، وعادت السلطات العثمانية إلى فرض القيود على اليهود الأجانب في فلسطين فيما يتعلق بالإقامة وباستملاك الأراضي (لورنس ، قضية فلسطين، الجزء الأول، ص 125-129).  

المصادر
هيكل، محمد حسنين، المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل (الكتاب الأول). الأسطورة والإمبراطورية والدولة اليهودية، القاهرة، دار الشروق، أبريل (نيسان) 1996، الطبعة الثالثة [صدرت الطبعة الأولى في مارس 1996]

Laurens, Henry, La Question de Palestine, tome premier 1799-1922 . L’invention de la Terre sainte, Paris, Fayard, 1999.
Morris, Benny, Victimes. Histoire revisitée du conflit arabo-sioniste, Paris, Éditions Complexe, 2003.
Sand, Shlomo, Comment le peuple juif fut inventé, Paris, Fayard, 2008.
Schattner, Mauris, Israël, l’autre conflit. Laïcs contre religieux, Paris, André Versaille éditeur, 2008.


17/2/2010