2009-03-05

عبــدالمجيــد حمـــدان

دخول الى حقل المحرمات
المقدمة

عندما بدأت كتابة هذه الحلقات، لم تخطر ببالي فكرة تحويلها الى كتاب، كل ما في الأمر ان حادثة استئناف جلسات، ما يوصف بـ ، الحوار الوطني الفلسطيني ، تحت اشراف المخابرات المصرية، وفي رحابها، استفزتني ودفعتني الى محاولة معاودة كتابة المقال السياسي، التي كنت اعتزلتها قبل ذلك بسنوات. هكذا غابت عن هذه الحلقات خطوات التخطيط لكتاب، ولأن التوجه من البداية كان نحو العودة المؤقتة للكتابة السياسية، كانت مواضيع البحث، والتفتيش عن المراجع، والتدقيق بالتالي ، غير واردة في حساباتي.

لكن انغماسي في الأبحاث، طوال هذه السنوات، وما وسم به منهج واسلوب كتاباتي، في الفترة الأخيرة، عكس نفسه في هذه الحلقات. فكما اشارت لي ابنتي، سلام حمدان، محقة جاءت اولى الحلقات اقرب الى فصول كتاب منها الى المقال السياسي، الذي يبدو ان ابتعادي عن ممارسة كتابته، ابعدني عن متطلبات او تقنيات صياغته. كما جاءت الحلقة الأولى، ومرة اخرى حسب اشارة سلام، اقرب ما تكون الى الاستهلال منها الى المقال، او حتى فصلاً اولياً لكتاب.

وإذن وانا احول هذه الحلقات الى كتاب أكون قد نزلت ، في الواقع، على توصيات رفاق واصدقاء من القراء، طالبوني بذلك، لكي تكون الافادة منها اعم، كما قالوا.

هكذا، وكما سبق وأشرت، لم تستند مواضيع هذه الحلقات الى بحث ما ، معمق او غير معمق، هي ببساطة بعض ما اختزنته ذاكرتي، على مدار ما يزيد عن خمسة واربعين سنة. ففي العام 1965، عرض علي نشطاء من حركة فتح فكرة الانضمام اليهم، واطلعوني على بعض اعداد – عددين على وجه التحديد – من مجلتهم آنذاك "فلسطيننا" . أعجبتني الفكرة، رغم رفضي العرض، الذي جاء متعارضاً مع انتمائي الوطني والسياسي آنذاك. اعجبتني فكرة نشوء حركة مقاومة، تستهدف اعادة تحريك وضع القضية الوطنية الساكن، آنذاك، رغم نشوء منظمة التحرير الفلسطينية، التي ترددت على مكاتبها اكثر من مرة، في حي الشيخ جراح في القدس. واعترف الآن ان فكرة المقاومة دغدغت مشاعري واحاسيسي كشاب، وتجاوبت مع حماستي، اكثر من تأثيرها في فكري السياسي المتبلور آنذاك.

فوجئت في العام 67 بخروج هؤلاء النشطاء، مع من خرج من فلول الجيش الاردني، ومن جموع النازحين. وقع خروجهم على عقلي وقع الصاعقة. وتساءلت كثيراً عن اسباب ومبررات الخروج، والأهم عن عدم البقاء، لمواصلة الكفاح هنا، من ارض الوطن .. ورغم شدة الصاعقة فلم يطل تأثيرها علي .. انخرطت في العمل اليومي، الذي تركز آنذاك على اقناع اسر الجنود والموظفين والعمال، والمستغلين في الخليج، او المقيمين في الاردن، بعدم الرحيل واللحاق بمعيليهم، بالصمود على ارض الوطن، وعدم تكرار مأساة نكبة عام 48، نجحنا في عملنا احياناً وأخفقنا في احيان اخرى.

هذه الحادثة ، حادثة خروج النشطاء ، وغيرها، شدت انتباهي ضرورة التركيز على تفهم واستيعاب استراتيجية ودور وأداء العمل المسلح ، او المقاومة ، او الثورة، حسب تسمياته المختلف، وكما سبق واشرت كانت قد استهوتني فكرة المقاومة، والعمليات داخل الخط الأخضر، باعتبار استراتيجيتها وقفت عند ضرورة احداث التحريك للأوضاع الساكنة آنذاك، ولوضع حد لحالة الانتظار التي طالت، للتحرير فالعودة، رغم الدعاية الصاخبة عن بناءا لجيوش القومية، وسرعة تقدمها، والاعلانات عن قرب التحرير . ايضاً قبلت فكرة خضوع العمل العسكري للعمل السياسي، واعتبار الأول، بظروفه وملابساته، أداة للأخير. اداة اعلامية اعلانية دعائية اكثر منها اداة للتحرير في الواقع.

وفي متابعاتي كان وقع تحولا لعمل العسكري من أداة بيد السياسة، الى مهيمن عليها، شديداً على نفسي. وطوال تلك الفترة لم تحجب الغيوم الكثيفة، اعلامية دعائية وغيرها، التي ظللت هذه الحقيقة، توابع هذا الانقلاب الخطرة . وكانت مسألة الكتابة في هذا الموضوع، رغم احاطته بهالات من القداسة، وبأسيجة شائكة متعددة، وبحقول الغام متنوعة ، من المحرمات ، تراودني بين الحين والآخر. لكنني ظللت اكبتها او اؤجلها ، حتى انفجرت بفتة، مع بدء سلسلة هذه الحلقات ، هذا الانفجار الذي احدثته لقاءات ما يوصف بالحوار الوطني في حرم مخابرات القاهرة.

قلت ما يوصف بالحوار الوطني لأنه، كما ارى ، ليس كذلك. فمنذ انقلاب حماس على السلطة في غزة، استبد هذا الشعار بفكر وبرامج الفصائل. وفرض نفسه على الجمهور، وفيما بدا، وكأنه غاية الغايات، او ، وفيما بدا، وكأنه بالجديد وغير المسبوق. وهو في واقع الحال ليس اباً من ذلك كله.

لقد كنت مشاركاً نشيطاً، كممثل للحزب، في الحوار الوطني، عبر اللجنة الوطنية الاسلامية العليا، ولأكثر من سنتين، مع بداية وتطور انتفاضة الاقصى. وقبل ذلك شاركت في حوارات القوى المختلفة، اليسارية تارة والديمقراطية تارة اخرى . وفي ذلك الوقت تعددت الندوات، تلفزيونية وجماهيرية، في المعاهد والجامعات والنوادي وغيرها، التي شهدت مناظرات بين ممثلي الفصائل المختلفة .. وظل الوصف الملائم، لما كان يدور في كل ذلك ، الوصف بحوار الطرشان ، تواصل طرح ممثلي الفصائل لبرامج، او لوجهات نظر فصائلهم، دون الاستماع للآخرين .. وظل يلح على ذهني سؤال: لماذا هذا التكرار؟ لماذا يحدث ما حدث؟ لماذا الاصرار على حوار يوصف بالوطني، وهو في حقيقة الحال مجرد لوك للشعارات، مجرد جك حكي؟ّ ولماذا يغيب الهدف الوطني عن مثل هذا الحوار؟ّ ولماذا الدعوة له كلما هدأ او تجمد او غاب؟!

وكنت في واقع الحال على وعي وادراك عميق للتغيرات التي حدثت .. وجاء ردي بالانسحاب من هذه الحوارات .. وبما في ذلك رفض المشاركة في الندوات واللقاءات التي تدور فيها هذه الحوارات .. وظللت اقلل من اهمية الدعوة لهذا الحوار وتحوله الى شعار يمسك بخناق فكر وعمل الفصائل..

كان بعد دخول السلطة ، وابتعاد امل تحقيق مشروع حلم اقامة الدولة، ان جرت تغيرات طالت الأهداف والوسائل والقداسة والمحرمات .. بمعنى آخر كان ترتيب الأولويات هو موضوع هذه التغيرات .. الوسيلة تقدمت على الهدف .. وبتقدمها هذا انتزعت لباس القداسة عن الهدف وخلصته على نفسها.

غدت الوسيلة هي المقدسة والمحاطة بالحرمات والمحرمات .. وغدا الهدف: التحرير واقامة الدولة، هو الوسيلة ، محتفظاً بقداسة اسمية لفظية لا غير . ومع تقدم انتفاضة الاقصى ، وتقدم الوسيلة على الهدف، والانقلاب الذي تم في المفاهيم المتعلقة بكل ذلك، جرى استغلال مريع للهدف بصفته وسيلة ، واستخدام مناف للمنطق والعقل ، لهذه الوسيلة التي كانت الهدف، لخدمة اغراض ومصالح خاصة ذاتية شخصية .. بديلاً للوطنية والعامة . ورأيت ان الدعوة المتكررة للحوار، وجولاته المتعددة في القاهرة وغير القاهرة، لم تخرج عن ذلك .. ومن هذا المنطلق واصلت استسخافها ومعارضتها.

لكن لماذا حدث هذا الانقلاب في الأولويات، وفي احتلال الوسيلة لمكان الهدف، وللقداسة، وسلاسل اسيجة وحقول المحرمات؟!

قبل العودة الى الجذور ، الى الزمن الذي حدث فيه الانقلاب وطال العلاقة ما بين السياسي والعسكري، دعونا نتوقف لحظات نحاول فيها قراءة بعض المظاهر التي سادت العمل الفلسطيني ، منذ عودة القيادة واقامة السلطة.

لا احد منا يجهل حقيقة ان تمويل السلطة بأغلبيته، تؤمنه مساعدات الدول والجهات المانحة . بعض هذه المساعدات خصصها المانحون لإعادة بناء البنية التحتية ، التي كان الاحتلال قد دمرها ، او لم يعتن باقامتها . ولا احد منا لا يجهل ان خلافاً بين الرئيس عرفات والمانحين ، نشب حول حق التصرف في تلك الاموار . عرفات ببساطة نقلها للصرف على الجهاز المتضخم بلا حدود، لمؤسسات السلطة الناشئة . المانحون من جهتهم عارضوا هذا الثقل لأنه يعني استدامة اعتماد السلطة على اموال المانحين ، واستدامة مسؤولية المانحين عن رصد وتوفير هذه المساعدات.

لا تتعلق المسألة هنا بحق الفلسطينيين في مساعدات ساهم مانحوها ، بشكل كبير او صغير، في نكبة الشعب الفلسطيني ، ولا تتعلق في الاتفاق او الاختلاف حول ما اذا كانت هذه المساعدات حق للشعب الفلسطيني من جهة، وواجب ، تكفيري على الاقل، على الدول المانة. وهي من وجهة النظر هذه تعطي السلطة حق التصرف غير القابل للطعن فيها، كما تسحب من المانح حق التدخل في كيفية صرفها.

المسألة ان هذه الاموال تأتي. ونحن سلطة ناشئة تشكل ، او تصبو لأن تكون، نواة دولة ، والدولة تحمل مسؤولية اقامة بنية تحتية، وبناء اقتصاد ، يؤمن ليس معيشة شعبها، وانما ايضاً جزءاً اساسياً وكبيراً، من موارد ميزانيتها . وبالتالي تقع، على عاتق هذه السلطة ، مسؤولية استثمار هذه الاموال بصورة تظهر فيها ملامح المستقبل . واذا كنا لانجهل ان السلام حين يحل، وتجد كل المشاكل العالقة حلولاً لها، لا يوقف عملية الصراع مع العدو، وانما ينقله الى حلبة جديدة، هي باختصار المنافسة الحضارية ، في ميادين العلوم والتكنولوجيا والكشوف والانتاج ، والثقافة والفنون ..الخ، يتبين كم هو مهم الانتباه الى اوجه صرف تلك الاموال.

منذ البدء لفت انتباه اهالي الارض المحتلةذلك الستابق المحموم على تخصيص السيارات الفارهة لكبار رجال السلطة . والسيارات الفارهة ليست الا مثالاً صارخاً على نماذج البذخ الذي يسود كل مناحي حياة الكبار، بدءاً من قيادات الفصائل ووصولاً الى الموظفين، عسكريين ومدنيين .

وهنا نعود الى السؤال الذي سبق وطرحناه ، لنعيد طرحه بصياغة جديدة . كل القيادات ، وانا استند الى المشاركة في العمل الوطني والمعاشرة ، تواصل ترديد القول بأن امد المعركة ما زال طويلاً ، وأن حلول السلام لا يلوح في الافق ، وان احتياجات النضال تزداد بدل ان تضعف. فاذا كان الأمر كذلك لماذا هذا التنافس والتسابق على القضايا المظهرية ، كالحصول على السيارة الفارهة ، لزوم الوجاهة ، وغيرها وغيرها كثير ؟! ولماذا ، قبل ذلك وبعده، هذا التغاضي عن التعديات على سيادة القانون ، ان كان هذا القانون موجوداً من حيث الأصل؟ ولماذا المشابهة في التعدي على كل قانون ان عمل احد على ارساء اسس هذا القانون؟!

لقد قادتني تجربتي في القناعة بأن كثرة من قيادات الفصائل ، لم تعد على ثقة بأن النضال الذي خاضته على مدى يقرب من خمسة عقود، سيصل الى النهاية المحتومة، بتحقيق مشروع حلم الدولة الوطنية المستقلة كاملة السيادة . الكل قبل بالسلطة، شكلاً من اشكال الحكم الاداري الذاتي، باعتبار ان ذلك وضع مؤقت . وان السلطة هي نواة الدولة المستقلة ، وهي من هذه الزاوية مكسب لا شك فيه . لكن مماطلات اسرائيل وتراجعها عن التزاماتها المنصوص عليها في الاتفاق . والموقعة عليها، جعل الشك ينساب الى داخل النفوس . ويمكن تلخيص الوضع بالآتي: البعض مقتنع بأن عقود النضال تعجز عن تحقيق الهدف. مقتنع بأن مشروع الدولة ما زال في طور الحلم ، ولكنه بات يفتقد الوسيلة والادوات والآليات لتحقيقه .

وبعض آخر لديه احساس واضح بشكل ما ان حال السلطة مستمر ، وربما الى اجل غير مسمى. وغيرهم لديه احساس غامض بكل ذلك . وكل هؤلاء يتملكهم احساس بالخسارة ان لم يكن بالفشل .. فشل نضالهم في الوصول الى تحقيق الهدف .. طرد الاحتلال .. الاستقلال .. العودة .. واقامة الدولة المستقلة والحلم بأنها ستكون دولة عصرية تنافس اسرائيل، والطموح بأن تسابقها وتسيقها.

هل نصف ذلك بأنها حالة احباط تتلبس القيادات؟! ربما يكون الوصف هذا مغالياً بعض الشيء . فما زال هناك قيادات تثق بالمستقبل ، وان ابتعد تحقيق الحلم ، وتعمل جاهدة على الوصول له .. لكن لاتسابقع لى الاغتراف من لذائذ الحياة ، واعتبار الحال "جمعة مشمشية" يجب اهتباله وكسب ما يؤمن العيال، ويعوض شظف العيش في الغربة ايام النضال ، لا يشير الى حال ايجابي.

واذن فان ذلك كله هو قاد خطواتي في كتابة هذه الحلقات. ولقناعتي بأن ما لف العمل المسلح ، او فعل المقاومة ، من ضباب، وما عكس على مسالك اخلاقيات، قيم وفعل المسؤولين ، فقد خصصت موضوع هذه الحلقات للدخول ، ومحاولة كسر هذا المحرم.

ابتعدت قدر الامكان عن الغوص في متاهات السياسة الفلسطينية . ليس تجنباً لها بقدر ما اعتقد بأن التعرض للسياسة الفلسطينية ، مساراتها ومنعطفاتها ، تحتاج الى بحث مدقق يعتمد على دراسة متأنية لمراجع متنوعة، ومثل هذا البحث، اخذاً بالاعتبار تشعب العوامل الفاعلة في منع السياسة الفلسطينية ، وكثرة المنعطفات والمنزلقات، ودور العسكري في صنع هذه السياسة ، يحتاج الى جهد كبير ووقت اطول واكبر ، وكل ذلك غير متوفر لي حالياً.

بقي القول ان اقصار محاولة الدخول الى حقول المحرمات، والاقتراب من القداسات ، ومحاولة التماس مع هذهالقداسات، محاولة الدخول هذه من باب مسارات العمل المسلح ، استراتيجيته ، وفعالياته ، تأثيراته ونتائجه ، استندت بالاساس ، كما سبق وقلت، الىما اختزنته ذاكرتي، في مسايراته لعقود الكفاح الخمسة.

واشير اخيراً الى انني وانا اعرض في كثير من الاحيان افكار ورؤيتي الخاصة، بما فيها بعض الاستنتاجات والملاحظات، لا ادعي امتلاكي للحقيقة كاملة، او امتلاكي لها وحدي. واذكر بأن الاعتماد على الذاكرة له نواقصه وربما سلبياته . فالذاكرة ، ومهما تكن قوية، لا بد وأن تشوبها ثغرات .. والاحكان، ان افتقرت لبعض المعلومات ، قد يجانبها الصواب.

كل ما سعيت له هو كسر باب المحرمات هذا . هو تعريض القداسات للنقاش .. للمراجعة والتقييم . ومن غير المهم عندي ان اكون على صواب او على خطأ. المهم ان القضية التي كرسنا حياتنا ، شبابنا وكهوليتنا لها ، ستبقى الهدف .. من المهم ان نعيد تصويب الامور وان نقلب القائم فنعيد الوسيلة الى وسيلة والهدف مكانه الى الهدف .

من المهم ان نضع القداسة حيث يتوجب وضع القداسة ، لكن دون ان تسلبنا حقنا في استخدام وتفعيل وشحذ عقولنا . ومن المهم ازالة كل اسيجة وحقول المحرمات  التي جعلت من المصالح الذاتية لهذا القائد او ذاك ، لهذا الشخص او ذاك ، هدفاً، يركب القضية ويستغلها ، ويحولها الى وسيلة لتحقيق مصالحه الذاتية تلك .

وكم كنت اتمنى ان يتسجيب القراء للنداء الذي ذيلت به الحلقات، وان يكتبوا معارضين لما اطرح، موضحين حقائق او وقائع ربما غابت عني ، وعارضين استنتاجات واستخلاصات تناقض استنتاجاتي .. ومن موقع خدمة القضية .. لكن ذلك لأسفي لم يحدث. ذلك لم يملأني فخراً لكون عدم المعارضة تعني الموافقة .. لقد اضفت ألماً الى المي .. فربما ما نعيشه من حالة الاحباط هو المسؤول على تواصل هذا الاعراض حتى عن الهتمام باخص خصوصياتنا .. مواصلة العمل على تحقيق مشروع حلم اقامة دولتنا الوطنية المستقلة.

5/3/2009