2009-11-23

كلبٌ اسمه....

الكاتب: جواد بولص

كلنا مؤهل للقتل، ولا يحسبن أحد أنه محصن وناجٍ مما أقرَّه رجلا دين يهوديان حينما أجازا قتل "الأغيار" الذين يتجرأون على المطالبة والاعتقاد أن "أرض إسرائيل" لهم ويتجرأون كذلك على مناكفة وعد الرب بأن هذه الأرض لليهود فقط، ويكفي لذلك ما يقوله "الأغيار" بالقول، حتى إن لم يرافقه فعل.

حتى الأطفال لن ينجوا من الموت لأنهم يشكلون خطراً في المستقبل، فهم حتما سينشأون على طريق آبائهم وسيكونون شريرين أيضاً، فلماذا الانتظار وخير الشر عاجله.

"توراة الملك" هكذا عنوَنَ يتسحاك شابيرا ويوسي اليتسور كتابهما الذي ضمناه فتاوى تشرح وتوضح بإسهاب متى وكيف يجوز قتل "الأغيار". لقد كتبا ما كتبا بوصفهما رجلا دين وأوضحا أن ما يقولانه يرتكز على قواعد الدين اليهودي/توراتهم.

لن أكرر ما قاله غيري مستهجناً كيف لكتاب مثل هذا أن يصدر في دولة ما زال يعتقد كثيرون أن سلطة القانون هي الفاعلة والسائدة على جميع مواطنيها ورعاياها؟ ولا متنبئاً ومتسائلاً ما كان سيكون رد فعل المؤسسة القانونية والشرطية في الدولة، لو صدر كتاب أو حتى صفحة أو سطر منه على لسان مسلم أو مسيحي؟ ولا فرق إن كان هذا رجل دين أو سياسي أو معتوه فلا الاستهجان ينفع ولا التساؤل يفيد أو يحرج أحداً في هذه الدولة.

القضية أن هذا الفكر وهذه الفتاوى أصبحت منذ زمن "دليل الحائرين" وتوراة كثيرين في هذه الدولة. في الماضي كان من يمثل هذه الأفكار قلة لا بالعدد وإنما من حيث الشرعية ومراكز النفوذ التي بدأوا يتصدرونها في أجهزة الدولة المختلفة. ما كان هامشياً، ينمو ويترعرع هناك في هضاب نابلس وجبال الخليل كأعشاب برية، أمسى اليوم زرعاً منتشراً في سهول إسرائيل وفي مدنها.

قادتهم ومنذ سنوات طويلة خططوا لاختراق جميع مؤسسات الدولة ونجحوا بتأمين دخول أجهزتها فمن النيابات العسكرية إلى القضاء العسكري إلى النيابات المدنية فإلى القضاء المدني وفي الوزارات المختلفة، بموظفين مبتدئين هامشيين إلى أعلى المراكز والمراتب، حتى في الكنيست أدخلوا ممثليهم واليوم أصبحوا جزءاً من الحكومة ومن واضعي سياسة الدولة ومنفذيها.

باختصار، كانوا في الماضي على هامش السيرة والحدث وأصبحوا اليوم أصحاب "ملك" وتوراتهم "توراة ملك" فلا غرابة أن نقرأ أن منظمة "يش دين" كشفت أن قسم المؤسسات التوراتية التابع لوزارة التربية والتعليم الإسرائيلية قد دفع خلال العام 2006/2007 إلى المدرسة الدينية المسماة "ما زال يوسف حياً في نابلس" ومكانها في مستوطنة "يتسهار" أكثر من مليون شاقل، وأن وزارة الرفاه الاجتماعي دفعت لهذه "المدرسة الدينية" منذ عام 2007 أكثر من مائة وخمسين ألف شاقل كمنح لطلاب معوزين يتعلمون في هذه "المدرسة". فلماذا الاستهجان والاستغراب، إذا علمنا أن هؤلاء الطلاب سيتعلمون عند الحاخام يتسحاك شبيرا حاخام هذه المؤسسة وضابط الإيقاع والعقول فيها ومؤلف كتاب "توراة الملك".

ونفياً لاحتمال تأويل هذه الفتاوى على أنها تتعرض للتاريخ والماضي اهتم القيمون على الثقافة والتربية في المستوطنات بتوزيع نشرة توضح ما يلي: "غني عن القول أنه لم يكتب في هذا الكتاب أن ما جاء فيه يتحدث فقط عن الأغيار الغابرين" وذلك كي لا يبقى شك أن أغيار اليوم كما "الأغيار" السالفين وما صح وأجيز في حق هؤلاء يصح ومجاز اليوم أيضاً.

"توراة الملك" هو كتاب ألفه من نشأ في مؤسسة دينية متزمتة، تزداد قوتها وتأثيرها في المجتمع الإسرائيلي كل يوم. أما كتاب "ليس كل حقيقة صحيحة - الشاباك نظرة من الداخل" فهو كتاب من نتاج موظف سابق في الشاباك يدعى "داهود" روطمان والذي صدر عن دار النشر في وزارة الدفاع الإسرائيلية عام 2007. يستعرض الكاتب بعضاً من القصص التي كان شاهداً عليها في سنين عمله في هذا الجهاز وكل القصص الواردة تسيء للعرب والفلسطينيين فهم كذابون، متخلفون، سارقون وما إلى ذلك من أوصاف ألصقها الكاتب باستعلاء مثير.

سأتوقف عند قطعة أسماها الكاتب "كلب واسمه ياسر". فيها يتحدث عن فلسطيني اسمه أحمد كان مطلوباً باعتباره أحد أخطر "الإرهابيين" والمسؤول عن العديد من العمليات العسكرية المنفذة ضد إسرائيليين.

في أحد الأيام وخلال تجهيزه لعبوة كبيرة ونتيجة لخلل ما انفجرت العبوة وأودت بحياة هذا المطلوب.

للتأكد من هوية القتيل زُوّد الأمن الإسرائيلي بكف يد القتيل لفحص بصماته وبقطعة لحم أخرى من جسده المتناثر. ضابطا أمن سارعا كلٌّ إلى جهة لإتمام عملية الفحص. وصل الأول إلى مختبرات الفحص الجنائي في القدس والثاني كان في طريقه إلى مختبر أبو كبير لفحص الحمض النووي الذي سيؤخذ من القطعة الثانية.

في القدس، الأقرب لمنطقة الحدث، أُتمَّت عملية فحص البصمات وتأكد الجميع أن الأشلاء هي فعلاً أشلاء المطلوب القتيل أحمد. أبلغ الضابط رفيقه بهذا وعاد هذا مباشرة إلى بيته في إحدى ضواحي القدس.

"نزل من سيارته وقبل دخول البيت قابله كلبه "ياسر" الذي قفز على صاحبه محركاً ذنبه فرحاً". هذا الميجر قام بالتربيت على رأس كلبه وفجأة تذكر ذلك الكيس الذي أبقاه بالسيارة. عاد إلى سيارته. حمل الكيس وألقى بمحتوياته في صحن الأكل الخاص "بياسر". قام "ياسر" بشمشمة"الشهيد" وفي لمحة بصر هجم على قطعة اللحم وانقض عليها. مع إنهائه وجبة الملوك لعق ياسر فمه ونظر راجياً سيده، عساه يحتفظ بقطعة أخرى من هذا اللحم الشهي".

هكذا بالحرف كان وصف الكاتب لما جرى في هذه الحادثة. كلام مذهل، مقزز لا يمكن لبشر أن يتصوره.

في حينه قمت بإرسال شكوى إلى وزير الأمن الداخلي وكان وقتها آفي ديختر وكذلك إلى وزير الدفاع وكان عمير بيرتس. كتبت ما كان يتوجب على كل إنسان بسيط أن يكتب في مثل هذا المقام وتعجبت أن تكون وزارة الدفاع هي الجهة المصدرة لمثل هذا الكتاب.

في يوم 20.2.2007 جاء رد الوزير قائلاً: "لا يمكن للشاباك أن يكون مسؤولاً، طبعاً، لأسلوب كتابة هذا الكتاب أو ذاك، حتى وإن كتبه موظف سابق للشاباك".
أردف الوزير مذكراً أن الشاباك يربي رجاله على احترام كل إنسان ويتحفظ من أي تعبير عنصري وما إلى ذلك.

"أما بشأن محتوى الكتاب فنحن نشاركك شعورك فكان من الأفضل لو اختار الكاتب أسلوباً ملائماً أكثر، إنما كما قيل أعلاه، لا حق للشاباك أن يملي على الكاتب أو كل كاتب آخر الفحوى أو أسلوب الكتابة".

من روطمان إلى يتسحاك شابيرا وما قبلهما وما بينهما وما سيليهما، هل حقاً لا نملك إلا الاستهجان والشجب؟ ما رأي المؤسسات القانونية وجمهور المحامين؟ عن هذا سنكتب في الأسبوع القادم.

23/11/2009