2009-11-23

ديمقراطية "سياسية" وحسب..!

الكاتب: حسن البطل

يمكنك نقد السلطة والمنظمة بقسوة، الرئاسة والحكومة.. فإن نزلت درجة في المسؤولية أمكنك توجيه نقد هيّن إلى وزير معين، فإن نزلت درجة شقّ عليك توجيه نقد إلى تقصير مدير عام.. مثلاً.

تفتقد الديمقراطية الفلسطينية، خلافاً لديمقراطية الجيران العرب، إلى نقد اجتماعي واقتصادي.. وبالذات ثقافي، بينما يفتقد هؤلاء الجيران "وقاحتنا" في نقد سياسات السلطة والحاكم بأمره، رئيساً وملكاً، باستثناء لبنان حيث "حنفية النقد" مفتوحة على آخرها.. ولكنها رحيمة بعض الشيء بمقام الرئاسة الأولى حيث يشار، بخفّة ورقّة، إلى "العهد" مع أن "العهد كان مسؤولاً".. ويحمل المسؤولية عنه رئيس الحكومة ورئيس البرلمان وقادة الأحزاب في حديثه المطوّل لقناة مصرية اشتكى أبو مازن من نقد التعريض الشخصي الظالم به وبأسرته على هامش قضية غولدستون، أبو مازن الرئيس تحمّل وزر النقد السياسي، غير أن أبو مازن الإنسان تأفّف من النقد الشخصي الظالم، الذي لعب دوراً في قراءة الاستنكاف عن الترشيح.

سآخذ مثالاً على غياب النقد للمؤسسات الصحية الفلسطينية، مثلاً، بشكوى الزميل عبد الناصر النجار، مدير تحرير "الأيام" يوم السبت الفائت، من تغييب المعلومة الصحيحة وحجبها بشكلٍ متعمّد، أو رفض مصادر المعلومات الافصاح عن الحقيقة.. لأن المصدر يخاف على وظيفته، إلى أن يصل الحال بالمريض المشتكي نفسه الذي يتراجع عن شكواه إذا كانت للنشر.
مثال آخر: نشرت الصحف الوطنية خبراً عن إحالة عشرات من أنفار جهاز الأمن الوطني إلى المحاسبة، لكنها لم تذكر شيئاً مفصّلاً عن الأسباب المحدّدة للمحاسبات. كما تنشر الصحف شطارة الشرطة في اكتشاف الجرائم، لكنها لا تتابع الخيوط، بخاصة إذا كانت للجريمة خلفية شرف العائلة، عندها تطمس أسماء الجاني والمجني عليه أو عليها.. وبدون أسماء تبقى الجريمة مبنية للمجهول.. وهذا على غير ما تفعل صحف الجيران العرب "الفضائحية" وغير الفضائحية.

بعض كتّاب "الأيام" الأسبوعيين، مثل الزميل خالد البطراوي في زاويته "ومضات" والزاوية الاجتماعية - الاقتصادية لصالح هنية يعالجون العيوب والإخلالات.. ولكنهم يتوقّفون عند تسمية الأمور بأسمائها، ربما حتى لا يصير نقدهم "مسألة عشائرية" مثلاً. على الصعيد الثقافي الحسّاس جدّاً، وحده الزميل عادل الأسطة يقدم في زاويته المنتظمة من "دفاتر الأيام" مسحاً ثقافياً متوازناً بعض الشيء في نقده الشفيف للرموز الثقافية.. ربما لأنه أستاذ جامعة وعليه أن يزن كلماته في كتاباته، وهي مشاريع محاضرات.

في تفسير هيّن قد نرى أننا "شعب مسيس" بحكم قضية وطنية ساخنة، لكن تسمع من الناس في المقاهي ثرثرة بلا سند عن فساد هذا وذاك من مراتب المسؤوليات الأدنى.. وهكذا، فإن ديمقراطيتنا الشفهية غير ديمقراطيتنا الكتابية.

أعرف أننا لم نمأسس دولة بعد، وبالذات في جهاز القضاء حيث تتراكم القضايا، رغم مشروع "سيادة - 1" وبدء مشروع "سيادة - 2".. وما لا يبتّ فيه القضاء يصبح مشاعاً تلوكه الألسنة.

المصدر: الايام الفلسطينية

23/11/2009