2009-11-22

فشل حل الدولتين.. وبديل " الواحدة "

الكاتب: جون وايتبيك / محامي دولي ومستشار للفلسطينيين في المفاوضات مع اسرائيل

يبدو أن عملية السلام في الشرق الأوسط والممتدة إلى ما لا نهاية، قد وصلت إلى لحظة الحقيقة كما عبر عن ذلك كبير المفاوضين الفلسطينيين، "صائب عريقات"، خلال مؤتمر صحفي عقده في الرابع من نوفمبر الجاري، فقد انتكست الآمال الفلسطينية في إمكانية صمود إدارة أوباما في مطالبتها لإسرائيل بوقف بناء المستوطنات على الأرضي الفلسطينية، بل وصلت تلك الآمال إلى أدنى مستوى لها وتلقت ضربة قوية عندما استخدمت "هيلاري كلينتون"، مؤخراً عبارة "غير مسبوقة" للإشادة بالتعهد الإسرائيلي الهزيل بضبط برنامج الاستيطان.

وعلى إثر ذلك أعلن عباس في ردة فعل سريعة بأنه لن يترشح في الانتخابات القادمة، لأنه من الواضح أن الولايات المتحدة لن تتصدى لإسرائيل. والحقيقة أن تسليم واشنطن لإسرائيل وانحنائها يعيد إلى الواجهة الاحتمال الذي عبر عنه "عريقات" في المؤتمر الصحفي من أن "حل الدولتين لم يعد خياراً وربما يتعين على الشعب الفلسطيني إعادة التركيز على حل الدولة الواحدة حيث يتساوى المسلمون والمسيحيون واليهود".

ومع أن ما قاله كبير المفاوضين الفلسطينيين يعد قنبلة لفظية بكل المقاييس، إلا أنها تؤشر إلى تحول جوهري في البحث الطويل والمضني عن السلام ربما يوفر قدرا من العدالة المفقودة في إسرائيل وفلسطين.

فعلى مدى السنوات الطويلة لما يسمى بعملية السلام، لم تُحترم أبداً المواعيد التي حُددت للوصول إلى الدولتين، هذا الإخفاق المتواصل ساهم في تكريسه حقيقة تقول، "إن الفشل بالنسبة لإسرائيل لا تعقبه أية نتائج وخيمة تؤثر عليها، عدا استمرار الوضع الحالي بركوده المعهود والذي أصبح بالنسبة للعديد من الإسرائيليين ليس فقط يمكن التعايش معه، بل يُفضل على البدائل الواقعية الأخرى القابلة للتحقيق"؛ وفي نظر إسرائيل بات الفشل رديفاً للنجاح ما دام يسمح لها بمواصلة مصادرة الأراضي الفلسطينية، وتوسيع مستوطناتها في الضفة الغربية وبناء طرق التفافية مخصصة لليهود فقط، وباختصار تكريس واقع الاحتلال وجعله غير قابل للتغيير.

وبالطبع تقتضي مصلحة الطرفين معاً تجاوز هذا الركود وتغيير هذه النظرة، ولضمان وجود حد أدنى لفرص النجاح في جولة جديدة من المفاوضات، يتعين أن يقترن الفشل بنتائج وتداعيات واضحة للإسرائيليين تكون مؤلمة وضارة بمصالحها، لا سيما على المستوى الديموغرافي والديمقراطي مادام انصهار الفلسطينيين في دولة واحدة -في حال الإصرار على حل الدولتين- سيؤدي بالضرورة إلى إنهاء السيطرة اليهودية على "الدولة العبرية".

وعلى القيادة الفلسطينية سواء بوجود عباس، أو بدونه أن تعلن صراحة عن رغبتها في استئناف المفاوضات مع إسرائيل فقط في ظل هذا الفهم الجديد الذي يقترن فيه الفشل بالثمن، فإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق محدد على أساس حل الدولتين، ويوقع في نهاية العام 2010، لن يكون أمام الفلسطينيين من خيار سوى البحث عن العدالة والحرية من خلال الآلية الديمقراطية، والسعي للحصول على حقوق مواطنة متساوية للجميع ضمن دولة واحدة التي كان يطلق عليها قبل العام 1948 بفلسطين، على أن تكون خالية من جميع أنواع التمييز على أساس العرق، أو الدين.

وفي هذا الإطار أيضاً يتعين على الجامعة العربية الإعلان بأن مبادرتها السخية من أجل السلام، والتي منحت إسرائيل منذ مارس من العام 2002 سلاماً دائماً وعلاقات دبلوماسية طبيعية، بالإضافة إلى العلاقات الاقتصادية، مقابل التزام إسرائيل بالقانون الدولي ستنتهي صلاحيتها، وسيتم سحبها من الطاولة إذا لم يتم التوصل إلى اتفاقية سلام نهائية أواخر العام 2010.

فقط وبهذه الرؤية الواضحة والأفق محدد المعالم، يمكن البدء في مفاوضات جادة بين الطرفين؛ ومع أن مستقبل الدولتين قد يبدو بعيداً في ظل واقع الاحتلال والمستوطنات مازال الأمل قائماً في سلام يرتكز على هذا المبدأ، لكن إذا تبين أن حل الدولتين لم يعد ممكناً.

هنا يتعين على الفلسطينيين وإسرائيل والعالم بأجمع التركيز على البديل الوحيد المتبقي أمامهم، فلو اضطرت الأطراف إلى التفكير في حل الدولة الواحدة الديمقراطية التي تكفل حقوقاً متساوية لمواطنيها -وهي الأقرب إلى التصور الأوروبي في حالات أخرى باعتبارها السبيل لحياة سياسية صحية- فربما يكتشف الإسرائيليون أن الأمر ليس بالتهديد ولا بالخطورة التي يصورونها اليوم.

وفي هذا السياق قد يجد الإسرائيليون في بعض قادة جنوب إفريقيا من البيض عنواناً مناسباً لاستلهام الأفكار؛ فقد ساهم التغير الأيديولوجي في جنوب إفريقيا من فكرة التفوق العرقي للبيض إلى دولة ديمقراطية تحتضن جميع مواطنيها في فك عزلة دولة منبوذة على الصعيد العالمي، وتحويلها إلى بلد مرحب به، كما نجح النموذج الجنوب إفريقي في ضمان حضور دائم وقوي للبيض في البلد بطريقة لم يكن التمييز العرقي الفاقع والنظام السياسي القائم على عدم المساواة والظلم قادرين على تحقيقها، والحقيقة أن هذا النموذج ليس مجرد سابقة تاريخية طواها النسيان، بل يتعين استحضارها في سياق الشرق الأوسط، لاسيما في حال فشل مبدأ الدولتين.

المصدر: كريستيان ساينس مونيتور

22/11/2009