2009-10-29

أفكار جديرة بالبحث وجديرة بالاهتمام

الكاتب: د. عبد المجيد سويلم

فكرة انشاء مجلس انتقالي للدولة الفلسطينية فكرة جديرة بالبحث وجديرة بالاهتمام.. لماذا؟
لأن الأفكار التي تم تداولها على مدى زمني طويل نسبياً كانت تركز على "انهاء" حالة الانقسام، وظل هذا الانقسام الهاجس والكابوس، ولم تستطع هذه الافكار حتى تاريخه ان تفلح في احراز أي تقدم يذكر، لانها لم تربط ما بين العلاقة الوثيقة بين المعركة المُغيبة مع الاحتلال ومشروعه وبين هاجس الانقسام الداخلي والواقع الذي بات يكرسه ضد الانقسام في خدمة المشروع الاسرائيلي المباشر والمتوسط والبعيد.

ويبدو لي ان مبادرة المكتب السياسي لحزب الشعب والافكار التي عبر عنها الأخ والصديق بسام الصالحي قد جاءت في هذا السياق، أي سياق البحث عن تلك الأفكار التي تربط المعركة الوطنية بهموم الاشكاليات الداخلية. كما ان المبادرة إلى تشكيل هذا المجلس تحتوي على عناصر ابداعية من شأن اجراء حوار جاد ومعمق حولها ان يبلور رؤية وطنية متكاملة للاهداف التي تقف وراء هذه المبادرة.

وعنصر الابداع الاول هنا هو ان الحل السياسي في ظل حكومة نتنياهو في ظل التخاذل والتراجع الاميركي وفي ظل استماتة اسرائىل لتكريس وقائع غير قابلة للتجاوز (تحتاج) من الجانب الفلسطيني إلى مشاريع مجابهة ووسائل فعالة وقابلة للفعل والتأثير والتطوير والاشتباك الايجابي مع حالة المجتمع الدولي ومع شبكة الدعم والاسناد العربية والاقليمية المتوفرة.

وعنصر الابداع هذا يمكن ان يلتقي وان يتقاطع، وقد يتكامل لاحقاً مع الفكرة الاوروبية حول الاعتراف بفلسطين دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة لها حق الولاية السياسية والقانونية على كافة الاراضي التي أُحتلت في العام 7691، وبذلك تتحول الأراضي المحتلة كاملة من اراضٍ متنازع عليها إلى اراضٍ محتلة أو مهددة بالاحتلال وخاضعة لسلطات الاحتلال.

هذه النقطة بالذات تنهي بضربة واحدة قضية المرحلة الانتقالية التي اماتتها اسرائىل وحولتها إلى مرحلة مفتوحة إلى ما يشاء قادة اسرائيل، كما انها تنهي الجدل حول الخطيئة التي اوقعنا انفسنا بها في اتفاقيات أوسلو حينما ارتضينا ان نبقي لاسرائيل فرصة الحديث عن اراضٍ متنازع عليها في حين كان المطلوب ان نحصل على اعتراف اسرائيلي لا لبس فيه ان هذه الاراضي هي اراض محتلة وهي فلسطينية وان المرحلة الانتقالية هي مرحلة استرجاع هذه الاراضي وليس التفاوض عليها.

العنصر الابداعي الثاني هنا هو ان المجلس اذا ما تم اعتماده كفكرة لا يشكل مرجعية فوق مؤسسات المنظمة ولا يستبدل وحدانية وشرعية تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية للشعب الفلسطيني ولا يغير في برنامج هذه المنظمة وانما يحول الواقع المأزوم للعملية السياسية والواقع المأزوم للتفاوض والواقع المأزوم لاشكال الكفاح المناسبة والمنسجمة مع القانون الدولي، والواقع المأزوم للبرنامج السياسي الذي يمكن ان تجمع عليه كامل مساحة وخارطة الطيف السياسي الفلسطيني.. يمكن ان يحول كل ذلك إلى واقع جديد من حيث اعادة تجميع الطاقات الوطنية واعادة تحشيدها حول قضية ملموسة لها طابع الاولوية وعليها اجماع شبه كامل ويدعمها اوسع تحالف عربي واقليمي ودولي بصورة شاملة.

ان عنصر الابداع الثالث هو ان الاتفاق والتوافق على انشاء هذا المجلس ووفق الرؤية التي حددت ووفق ما يمكن ان يتم تطويره وتعميقه حيال هذه الرؤية بالذات قد بل ويرجح ان يحسم الكثير من الجدل حول برنامج المصالحة وحول الاساس السياسي لهذه المصالحة. واذا لم يتم وضع العصي في دواليب هذه الافكار والادعاء ان هذا المجلس لن يستطيع حل قضية الحصص وقضية النفوذ داخله، ولن يتم التوافق عليه الاّ بعد المصالحة وليس قبلها أو حتى اعتبار فكرة المجلس مجرد "محاولة" لتهميش هذا الطرف السياسي أو ذاك.. اذا لم يتم ذلك فان فكرة المجلس قد تكون المدخل المناسب للمصالحة وقد تكون المدخل المناسب للتوافق الوطني على معظم ملفات الخلاف.

واما عنصر الابداع الرابع، فان فكرة المجلس تلتقي في مساحة واسعة ورحبة مع برنامج حكومة الدكتور سلام فياض، وقد تكون الارض التي مهدتها وتمهدها الحكومة لمثل هذه الافكار هي المدخل المناسب لكي تبدأ فصائل العمل الوطني ومنظمات المجتمع المدني وهيئات العمل الاجتماعي، وورشات عمل متواصلة لاحكام الربط ما بين برنامج الحكومة وبين فكرة انشاء المجلس.
وبهذا كله تكون فكرة المجلس فكرة حيّة وقابلة للحياة وقابلة للتطوير وقابلة للتعميق لانها تستجيب بحدود كبيرة وبقدر معقول في هذه المرحلة لمناخات وطنية وقومية اقليمية ودولية ايضا.

واذا كان لي ان أدلو بدلوي في مناقشة هذه الفكرة المهمة فان لدي الاقتراحات التالية:
اولاً: ضرورة ان يشكل التوافق الوطني على انشاء هذا المجلس مدخلاً لاعادة توضيح واعادة التأكيد على العلاقة التي تحدد ان المنظمة هي السلطة العليا للشعب الفلسطيني وان المجلس هو صيغة خاضعة لقرار المنظمة أولاً واخيراً، وان هذا المجلس هو صيغة وطنية قيادية لحشد الطاقات الوطنية في اطار السلطة الوطنية لتولي المهام المباشرة والخاصة بمصير الاراضي المحتلة في حدود الرابع من حزيران وان مهام المجلس لا تتجاوز هذه القضية ولا تقل عنها أيضاً.

ثانياً: اذا ارتأت منظمة التحرير الفلسطينية ان تعطي لهذا المجلس أية مهام سياسية أو اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية فلها ذلك، ولكنه لا يملك ممارسة هذه المهام بدون تفويض المنظمة.

ثالثاً: ان يكون رئيس المجلس ورئيس المنظمة ورئيس السلطة سواء أكان شخصاً أو عدة أشخاص، ورئيس الحكومة ورئيس المجلس التشريعي ورئيس المجلس الوطني هم رأس الهرم في هذا المجلس لكي لا يكون المجلس جسماً زائداً أو حلقة بيرقراطية وانما بنية فعالة للعمل والتنفيذ ولهذا فان فكرة المجلس لن تستقيم الاّ اذا وضحت كافة هذه القضايا وصيغت في نظام متكامل.

رابعاً وأخيراً، وحتى لا يبدو وكأن فكرة انشاء المجلس هي عملية هروب إلى الأمام فان من الاهمية بمكان ان يصار إلى اعتبار هذا المجلس هو جسم وطني مؤقت وله مهام محددة ولا يشكل جسماً بديلاً أو موازياً للمجلس الوطني او التشريعي أو المركزي او الحكومة وانما جسم أو هيئة للتنظيم والتثقيف والتنفيذ لمهام تتعلق بالفترة التي تفصلنا عن قيام الدولة والحصول الفعلي على الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية الناجزة على كامل الاراضي الفلسطينية المحتلة، وهو الأداة الموحدة لكافة الاجسام الشرعية في ممارسة الولاية السياسية وفي الدفاع عن هذه الولاية.


29/10/2009