2009-10-20

حجــارة الطــريــق

الكاتب: عــودة بشــارات

من أجل وضع الأمور في نصابها، وحتى لا تضيع الطاسة وبعدها البوصلة، من المهم تحديد الثوابت. ويكتسب الأمر أهمية خاصة في زمن المتاهات ولدى التفتيش عن الطريق الصحيح. وهنالك من الحريصين على سلامة المتجولين، من يقوم بوضع علامات على الطريق، وفي لغات أخرى يسمونها، حجارة الطريق، لترشد السائرين نحو الاتجاه الصحيح. والشيء بالشيء يذكر، فعندما تفتح أبواب السماء بمطر غزير، لا يرى السائق لمسافة متر واحد أمامه، هنالك من السائقين المجربين الذي يقول، التزم يسار الخط الأصفر.

وهنالك من يدخل البحر من مكان، فتأخذه الأمواج وتجيبه، معتقدًا أنه ثابت في مكانه، فيرجع إلى الشاطئ بعيدًا أمتارًا عديدة عن مكان دخوله، وبعدها يتعجب من هذا البحر الهائج، ولكن بعد فوات الأوان، بعد أن يدفع الثمن غاليًا. وفي هذه المناسبة من المهم وضع ثوابتنا، حجارة مضيئة في ليل الأحداث المُضبّبة:

1- التقينا مع حركة فتح، قائدة النضال الوطني الفلسطيني على مدار نصف قرن من الزمن. وخلال سنين طويلة، في الأيام الصعبة، جرى حوار عميق بين القيادة التاريخية لحزبنا الشيوعي وبين القيادة التاريخية لحركة فتح، وعلى رأسها الراحل ياسر عرفات، تكلل هذا الحوار بتبني فتح، وفيما بعد منظمة التحرير الفلسطينية، للبرنامج السياسي للحزب الشيوعي. وقلنا، وقال العالم، بعد أن تبنت هذا الموقف الأغلبية الساحقة من دول العالم، إن الحجر الذي أهمله البناؤون أصبح رأس الزاوية (ولا بأس هنا من المزايدات التي تنطلق هنا وهناك، فهي الاستثناء الذي يؤكد القاعدة).

وحتى في الليالي المعتمة، لم "نغسل" أيدينا من موقفنا الثابت بشأن تمثيلية منظمة التحرير، وفي مركزها فتح، في الوقت الذي كان هناك من أبّن منظمة التحرير الفلسطينية، وخاصة بعد اتفاق عمان في العام 1985. وقد فعلنا ذلك اعتمادًا على أن هذه الحركة قادرة على التجدد وتصحيح أخطائها، بفعل الحوار الداخلي الصريح داخل كافة مركبات الشعب الفلسطيني.

2- من موقعنا هنا، وهذا الكلام موجه لأخوة لنا في ما يُسمى عرب الداخل أو عرب ال48، (أسماء توحي إما بالحصار، الداخل، أو بالنكبة، 48)نقول، ليس من بنود وظيفتنا لا تتويج الملوك ولا خلعهم، كما نرفض بأدب وبلباقة محاولات التدخل في شؤوننا حتى من قبل إخوتنا. وجرت محاولات كثيرة لتنصيب قيادات علينا.

قلبنا على هذا الشعب، الذي هو شعبنا، وكل ما نفعله هو دعوة هذا الشعب للوحدة على أساس خط سياسي يقبله العالم. بدون ذلك، نعود بتجربتنا عشرات السنين للوراء. ومن هذا الباب فقط نقاشنا مع الأخوة في حركة حماس. نعم لدينا نقاش مع الأخوة في حماس لرفضهم البرنامج السياسي لمنظمة التحرير، الذي يحظى بإجماع عالمي.

الموقف السياسي لحركة حماس يساهم بتسليح العدوانية الإسرائيلية بسلاح هام في هجومها على الشعب الفلسطيني، بمحاولة إظهار إسرائيل وكأنها الضحية في الوقت الذي تقترف فيه أبشع الجرائم ضد شعبنا. وما يظهر وكأنه قمة الوطنية، بعدم الاعتراف بإسرائيل، هو أفضل هدية تقدم للقيادة الإسرائيلية. فماذا يريد المعتدي أكثر من التنصل من استحقاقات عليه دفعها ثمنًا لعدوانيته؟ لا نريد مفاجأة أحد، ولكن إسرائيل، أكثر من أية جهة أخرى، لا تريد من حماس، أو حتى من فتح، الاعتراف بها. إذا اعترفت حماس بإسرائيل فهنالك استحقاقات يجب تقديمها لغزة المحاصرة برًا وبحرًا وجوًا من قبل إسرائيل، غير المعترف بها. وجنبًا إلى جنب مع هذا النقاش، فقد خرجنا بقضنا وقضيضنا دفاعًا عن غزة أمام الغزوة الوحشية الإسرائيلية.

3- أحيانًا في غمرة الحماس، وهذا ما يصيب حاملي العصا من طرفيها، إما "عليهم" أو "معهم"، تُفقد التوازنات الصحيحة، ولا يتم وضع الأمور في نصابها. فهنالك من اعتقد أنه بصعود أوباما، سيتم رفع العلم الفلسطيني، على أنغام النشيد الفلسطيني، فوق البنتاغون. الأمور ليست كذلك ولن تكون كذلك.

أمريكا ما زالت أمريكا. لديها مصالحها ولديها مراكز قوى مدت العدوانية الإسرائيلية بالدعم خلال عقود وعقود، ومن غير الطبيعي أن يحدث تغييرًا جذريًا في هذه السياسة باتجاه نفي الماضي وفتح صفحة جديدة مع العالم العربي، على نمط "مات الملك عاش الملك".

بالرغم من ذلك، يتطلب الأمر من القيادة السياسية الفلسطينية أن تشير للتغيرات في الساحة السياسية الأمريكية وأن تعمل على استثمارها، وخاصة بعد الحرب القذرة في العراق التي رافقتها عملية تضليل هائلة، يتم كشفها الآن، بشأن السلاح النووي العراقي.

ما يجري في الولايات المتحدة، ليس تغييرًا باتجاه العرب، كما يحلو للبعض تصويره، بل هو محاولة للتخلص من العدوانية المفرطة التي جلبت عداء العالم، وليس العرب فقط، لأمريكا. وعلى هذا الأساس من الممكن تقييم منح أوباما جائزة نوبل للسلام بأنها، وكما ذهب بعض المحللين، جائزة التخلص من بوش. ومع ذلك، يمكن رؤية تغييرات في السياسة الأمريكية؛ في تقليص السلاح النووي في أوروبا؛ في قرار الانسحاب من العراق. وبالرغم من خيبة الأمل، لمن علقوا آمالًا مبالغة على براك أوباما، من جراء التنازل الأمريكي في قضية المستوطنات، فقد تم وضع قضية المستوطنات، بدل الإرهاب في زمن بوش، كالعقبة الكأداء أمام تحقيق السلام.

لأوباما أولوياته، الداخلية والخارجية، فإذا تطابقت أولوياته مع المطالب الفلسطينية سار معها، والعكس، وهذا الغالب، هو الصحيح. في قضية "غولدستون"، ستقف الولايات المتحدة، بالضرورة، في نفس صف إسرائيل، فهي من هذه العائلة، عائلة مقترفي جرائم الحرب في أفغانستان والعراق.

4- يجب على الدبلوماسية الفلسطينية، أن تعوِّد العالم، وبالأساس إسرائيل، أن التفاوض، لا يعني بأي حال من الأحوال السكوت عن الجرائم ضد الشعب الفلسطيني.

يجب تثبيت ثقافة جديدة للمفاوضات مع الإسرائيليين. ثقافة مفادها أن الفلسطينيين أحرار في طرح همومهم أمام العالم بما يخص الانتهاكات الإسرائيلية. من الطبيعي أن يوظف الاحتلال كل إمكانياته للضغط على السلطة الوطنية، من تأخير دفع مستحقات أو إصدار تراخيص أو مضايقة المواطن العادي على المعابر أو في طلب العلاج لهذا المريض أو ذاك.. وفي ترسانة الاحتلال مليون وسيلة ووسيلة لتضييق الخناق على الشعب الفلسطيني. ولكن في النهاية سيتعوَّد الاحتلال، وثمن هذا التّعوّد سيدفعه الشعب الفلسطيني. ولكن النضال، حتى من خلال المفاوضات، يتطلب التضحيات وأحيانًا التضحيات المؤلمة.

وفي هذا الإطار هنالك حاجة لتثبيت ثقافة التفاوض والنضال الشعبي، فماذا يعني أن لا يزور أبو مازن، حتى الآن، قرية بلعين التي تشكل نموذجًا في النضال الشعبي؟ ألا يوجد شيء يقوله لهم؟

المعادلة لا يمكن أن تكون أو مفاوضات أو نضال جماهيري. بل مفاوضات ونضال جماهيري. ماذا تعمل السلطة في هذه الأيام من أجل شن نضال جماهيري واسع، مقترن بكشف الحقائق، أمام العالم، بشأن انتهاكات المستوطنين والاحتلال أراضي الفلاحين الفلسطينيين، خلال موسم قطف الزيتون القادم؟

5- في خطاب أبو مازن، هذا الأسبوع، والذي تم الترويج له على أنه خطاب درامي، قال أبو مازن الشيء وعكسه، قال إن سبب تأجيل التصويت في جنيف، كان السعي لتجنيد أوسع تأييد لمشروع القرار. وفي نفس الوقت، قال إنه يسعى لعقد جلسة طارئة لإعادة طرح مشروع القرار. السؤال المحيّر هنا، إذا كان التأجيل بغرض ضمان تأييد لمشروع القرار، فلماذا إعادة البحث الآن؟ هنالك جملة وصل ناقصة، إما أن الظروف تغيرت، خلال أسبوع، أو أن التقييم السابق كان خاطئًا، ويظهر أن الأمر الأخير هو الصحيح.

استجابة أبو مازن للحراك الشعبي هي مؤشر جيد، وسعيه بشكل جدي لطرح المشروع مرة أخرى على مجلس حقوق الإنسان، يثبت قدرة القيادة الفلسطينية على تصحيح أخطائها، ولكن الأهم، قبل تصحيح الخطأ هو الاعتراف بالخطأ، يظهر أن هذه الثقافة ما زالت بعيدة. لو قال أبو مازن، "أخطأت، أتحمل مسؤولية الخطأ، وسأصلح الخطأ"، فلن تحدث هزة أرضية. آنذاك ستزداد فقط مصداقية القيادة الفلسطينية.

20/10/2009