2009-10-17

طلعــت الصفــدي
عضو المكتب السياسي
حزب الشعب الفلسطيني

إلى الجحيم كل المبررات للهروب من المصالحة الوطنية...!!!

الوطن ليس ضيعة لهذا الفصيل أو لتلك الحركة.. ليس رهينة لهذه المليشيا مهما تجبرت وطغت ... الأرض ليست طابو للسلطان ، أو لقطاع الطرق مهما تمسحوا بالشعارات الوطنية أو القومجية أو المتأسلمة .. الشعب ليس قطيعا من النعاج رغم صمته المؤقت على الظلم القومي والقهرالاجتماعى والحصار ، وشح ما بين اليدين .. ليس للبيع والمقايضة في السوق والبازار الاقليمى والدولي .. دماء الشهداء دفاعا عن الأرض والشعب والقضية ، تسيل منذ أكثر من قرن في المعارك الوطنية ،والطبقية ضد المحتلين البريطانيين ،والصهيونيين ، والرجعيين ، وروابط القرى ،وأنصار الليبرالية الجديدة الذين لا يتورعون في تقديم أنفسهم للوفود الأجنبية ، والشخصيات الدولية التي انتهى مفعولها ، كقادة للمجتمع المدني في قطاع غزة ،وحماة الديمقراطية وحقوق الإنسان ، أو يؤهلها الغير بسبب نفوذها في المنظمات غير الحكومية لتكون بديلا عن القيادة الشرعية لمنظمة التحرير الفلسطينية مستغلة ضعفها ، وتراجعها عن أداء دورها القيادي والتحرري ، وغياب فعل هيئة العمل الوطني بسبب الملاحقة والحذر ، وتعطيل دورها الحقيقي .. والمعتقلون الرازحون في أقبية الزنازين ، ووراء القضبان متمسكون بعهد الوفاء والانتماء للوطن .. ومن يتلاعب بمصير الوطن والشعب والقضية ليس منا مهما كان ويكون.

القوى السياسية ليست مخصية بعد ، وان تراجع دورها ، وتقاعست عن أداء واجبها ، والتهت بذاتيتها وبمصالحها الضيقة بعيدا عن مصالح الجماهير الشعبية ، واللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بعد استكمال عضويتها لم يحس المواطن بتغيير في نهجها وسلوكها وواجباتها ، ومركزية حركة فتح ، والسلطة الوطنية لم يغيبوا بتاتا عن الساحة رغم برودهما ، وجبهة اليسار المترددة لم تحزم أمرها ، ولم تنجح بعد في تقديم نفسها للجماهير الفلسطينية كمنقذ لحالة التردي والتراجع في الساحة الداخلية الفلسطينية ، والشعب الذي يضع الأمانة في عنق الزعيم والرئيس المنتخب عليه أن يتلمس حاضره ومستقبله، وكما يقول مثلنا الشعبي "غلط الكبير كبير" .

لم يعرف التاريخ ،قيادة أجلت بوعي أو بدون ، توجيه لكمة موجعه لمحتلي وطنها وشعبها ،مثل قيادتنا السياسية ، وأضاعت فرصة الإجماع الدولي التاريخي في ملاحقة السياسيين والعسكريين الاسرائيلين المسئولين عن المجازر التي ارتكبوها في قطاع غزة ، وهم الهاربون دائما من الإدانة والملاحقة الدولية على الرغم من المجازر والمذابح المتكررة ، وحروب الإبادة ضد شعبنا منذ أكثر من ستين عاما . إن تأجيل التصويت على تقرير جولد ستون في مجلس حقوق الإنسان الذي من المؤكد ، ستكون نتيجته إدانة واضحة وصريحة للعدوان الاسرائيلى البربري على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة ،يسمح بملاحقة المتورطين منهم، وتقديمهم للعدالة ، ولمحكمة الجنايات الدولية باعتبارهم قتلة ومجرمي حرب ضد الإنسانية ، ألحق ضررا في مجمل النضال الوطني ، وساعد الأبواق الزائفة والمتسلقة والحاقدة بنعيقها على القيادة الفلسطينية الشرعية ،واتخاذ الخطأ ذريعة للتهرب من استحقاقات المصالحة الوطنية في القاهرة في نهاية أكتوبر الجاري ،على الرغم أن مخاطر الانقسام والانقلاب على الوطن ،هو أخطر من نتائج تقرير جولد ستون .

إن القرار الخاطئ قد عمق الجرح والمعاناة ليس بعيون وأجساد أسر الضحايا والعائلات الثكلى فقط ، بل بكل فلسطيني وعربي واسلامى وأممي يدرك معنى الإبادة الجماعية ، وجرائم الحرب ضد الإنسانية ، كانوا ينتظرون قرار الإدانة والملاحقة والقصاص خصوصا المناصرين من المجموعات العربية ،والإفريقية ،والأسيوية ، ودول عدم الانحياز والمؤتمر الاسلامى ، وجنوب أمريكا اللاتينية ،ومؤسسات حقوقية وإنسانية في العالم، وكل مناصري السلام التي آزرت شعبنا في مجلس حقوق الإنسان ، ومستعدة لإدانة المحتلين ، والتصويت على تقرير جولدستون . فهل تأجيل التصويت على تقرير جولد ستون يسمح بتفلت مجرمي الحرب الإسرائيليين ، ولو مؤقتا من العقاب ؟؟هل سيمنحهم غطاء لمواصلة عدوانهم على شعبنا الفلسطيني ، ويشجعهم على القيام بعدوان جديد ليس على غزة وحدها بل وعلى أهلنا في مدينة القدس ؟؟ وهل سيسمح لسوائب المستوطنين بانتهاك حرمة المقدسات ،والمسجد الأقصى المبارك؟؟

لقد استبشرنا خيرا بملء الشواغر في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، لتتحمل مسؤولية قيادة الشعب الفلسطيني ، وتتحول لمؤسسة فاعلة ومؤثرة ، وأداة من أدوات الفعل واتخاذ القرارات بشكل جماعي ، التي فوجئت باتخاذ القرار من وراء ظهرها ، دون علمها مما يترك تساؤلات عديدة عن كيفية وآلية اتخاذ القرارات في اللجنة التنفيذية ، فمهما كانت شجاعة القائد ، فوحده لا يصنع التاريخ والنصر ، وأن الدرس الأول في الديمقراطية ليست فقط صناديق الاقتراع ، بل سلوكا وممارسة ، وتعميق المشاركة السياسية . كما استبشرنا خيرا بانعقاد المؤتمر السادس لحركة فتح بعد غياب عشرين عاما ، وكنا نعتقد ولا زلنا أن وحدة حركة فتح ، وإعادة ترتيب بيتها ،هو قوة للشعب الفلسطيني ولمنظمة التحرير الفلسطينية ، وعقدنا الآمال على سرعة إنهاء عزلتها الجماهيرية وتستفيد من التجارب المرة السابقة ، وتتقن فن التحالف مع القوى الوطنية وفصائل منظمة التحرير للدفاع عن المشروع الوطني ، وتحدد الآلية الجماعية والمؤسساتية لاتخاذ القرارات .

نحن في مرحلة التحرر الوطني ، تتطلب ضرورة التحديد الدقيق للبرنامج السياسي التحرري والاجتماعي والديمقراطي ، والقوى المحركة الأساسية ،وصاحبة المصلحة الحقيقية بالتحرر من الاحتلال الاسرائيلى ، والدفاع عن منظمة التحرير الفلسطينية ، فهي تشكل النواة الصلبة الحقيقية في الدفاع عن المشروع الوطني ، ومعها يتم معرفة الحلفاء والأصدقاء والأعداء ، ومعرفة دقيقة لجدلية العلاقة الإستراتيجية التي تربط إسرائيل بالولايات المتحدة الأمريكية مهما كانت الخطب معسولة ، ومهما تغيرت سحنة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ، وعلينا أن لا نخضع للابتزاز الاسرائيلى، أو نتراجع عن أهدافنا الإستراتيجية،أو نتردد في خوض معركة مضمونة النجاح فيها كتقرير مجلس حقوق الإنسان في جنيف .

لقد كان لتأجيل التصويت على قرار جولدستون ، مفاجئة لدى جماهيرنا الفلسطينية ومنظمات حقوق الإنسان وشكل غضبا ونقمة شديدتين أولا بسبب الرضوخ والانصياع للضغوط الأمريكية ،والابتزاز الاسرائيلى مما أصاب من هيبة القيادة السياسية أمام شعبها ،ثانيا لعدم معرفتها بالحيثيات الدقيقة المهنية والقانونية التي أدت لعملية التأجيل ،خصوصا أنها اعتبرته تقريرا مميزا ، وبسبب غياب تدفق المعلومات وضعف الإعلام الفلسطيني وتدنى مستواه ،وثالثا تخبط المسئولون الفلسطينيون ، وتناقض تصريحاتهم ،رابعا تجند بعض الفضائيات العربية في التحريض على القيادة الفلسطينية والرئيس ابومازن ، وغياب الموضوعية والمهنية الإعلامية واعتمادها على وسائل الإعلام الإسرائيلية التي تحاول التصيد في الماء العكر ، وتقديم تقارير مضللة بهدف تعميق الهوة ،وتوتير الأوضاع الداخلية الفلسطينية الملتهبة، وتعميق الانقسام ، ومحاولة التأثير على الرأي العام الفلسطيني والعربي ، والانقلاب المفاجئ لحركة حماس من القاضي جولد ستون ..!!!

ليس كل المنتقدين لقرار تأجيل التصويت على تقرير جولد ستون حريصون على قضية شعبنا الفلسطيني ، فقد استغلت الخطأ ، بعض الدول المارقة ، وبعض القوى التي وضعت نفسها في خدمة سيدها ، ولا تريد أن تخرج عن ولى نعمتها ، لتصفية الحسابات الضيقة ، وجندت بعض فضائيات الخليج (الامريكى والفارسي )في التشفي ، وإجراء المقابلات مع الخصوم السياسيين والرجعيين والموتورين ، ونشر السموم والأحقاد ، بهدف الطعن والتجريح ، وانتهزوها فرصة للتهرب من استحقاقات عملية المصالحة ، ونعتت القيادة الرسمية ورئيسها ابومازن واللجنة التنفيذية بعبارات غير مسئولة ، على الرغم من تراجع القيادة الفلسطينية عن الخطأ، وتشكيل لجنة تحقيق رسمية بقيادة حنا عميرة عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية - عضو المكتب السياسي لحزب الشعب الفلسطيني ، وأصدرت تعليماتها لمندوبها فورا ،بالطلب العاجل لإعادة نقاش تقرير جولدستون ، وينتظر الجميع التصويت على القرار ، وآخرون كانوا الأكثر مصداقية في الدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني ،ناصروا قضيتنا وجندوا كل إمكانياتهم للدفاع عن شعبنا ، لم يتوقعوا أن نخذلهم ، ونتراجع عن معركتنا السياسية والحقوقية والقانونية والإنسانية.


السياسة لا تعرف المطلق ، وتقرير جولد ستون قد تحول لوثيقة إدانة دولية لا يمكن إغفاله ، وسيبقى سوطا يلاحق مجرمي الحرب الإسرائيليين ، ولن يسقط بالتقادم ، وحتى يصل التقرير لمداه ويجرى إسناده ودعمه ضرورة التوقف عن الهروب إلى الإمام، والتوجه للمصالحة الوطنية بعيدا عن الحسابات الضيقة، وإعادة الاعتبار لتقرير جولد ستون وتفعيله حتى تأخذ العدالة مجراها ،وتنجح في إلقاء القبض على مجرمي الحرب الإسرائيليين ، وتقديمهم للمحكمة الدولية ، وترميم ما فقدناه على مستوى العالم ، وإنهاء حالة الانقسام ،واستعادة الوحدة الوطنية فهي المدخل الحقيقي لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في موعدها القانوني والدستوري،ووضع إستراتيجية سياسية وكفاحية لمواجهة العدوان المتواصل على شعبنا في الضفة وغزة ؟؟

17/10/2009