2009-10-10

سعيـــد مضيـــة

إنهم فاشيون إرهابيون وليسوا مجرد متطرفين!

التطورات الدرامية  الجارية على الساحة الفلسطينية اختزلها باحث يهودي في  حبات مسبحه التظمها خيط الكراهية العنصرية للآخر: " الحرب ... استمرار للمشروع والسلوك الإقليمي الإسرائيلي الذي تبنى هدفاً متشدداً ووحشياً يتمثل في إسكات الزمن الفلسطيني، أي محو التاريخ الكامل لهذه البلاد". تلك هي النظرة الإجمالية والمختزلة لكل مظاهر العدوان الصارخ على الشعب الفلسطيني صاغها  الباحث الإسرائيلي أورن يفتاحئيل . مذبحة غزة ومحاولات اقتحام باحة الأقصى ، وتقرير غولدستون بصدد المذبحة ثم الضغوط الدولية لوأد تقرير غولدستون، ثم الهجمة الاستيطانية في القدس والضفة.. كل ذلك وغيره تجليات للمشروع  ذي الهدف الوحشي  استهل منذ قرون لشطب فلسطبن تاريخا ووجودا اجتماعيا من خارطة المنطقة وتحويل المكان إلى ملحق عضوي بالامبريالية العالمية. ومع هذا ، وبتهذيب رفيع يطلق الإعلام العربي صفة "التطرف" على هذه الممارسات، ويبرر ممارساتهم أنها استلهامات دين.

إن أعداء الشعب الفلسطيني ليسوا متدينين على الإطلاق، وليسوا مجرد متطرفين ومستوطنين، بل فاشيون جزارون مغتصبون، دأبهم الدم والحديد؛ وخلال التصدي لمشروعهم الوحشي كان لابد لفلسطين أن تبرز فكرة بلورها النضال من أجل العدالة ومناهضة العنصرية، وكان لا بد لثقافة مقاومة العنصرية المتوحشة أن تكتسب مضامين إنسانية ديمقراطية تحررية ومنفتحة على الحضارة، لكنها موضوعية . ورغم فاشية الخصم بات على الفلسطينيين أن يلتزموا بالتفوق الأخلاقي على خصومهم ، وأن لا يجاروهم في عنصريتهم وفاشيتهم ووحشية أساليبهم؛ وفي ذلك قدرتهم على اختراق حائط الكراهية المشيد خولهم، واستعصاؤهم على الاندثار، وخلاصهم من مصير الاندثار.

بدأ فيروس الكراهية العرقية في أول كتاب صدر في العصر الحديث دونه رجل من الغرب عن القدس دشن مشروعهم الوحشي.  المؤلف هو الرحالة الإنجليزي  هنري مانداو كتب عن رحلته " من حلب إلى القدس"عام 1697،أنكر فيه وجود مجتمع شري في فلسطين؛ لكنه خصص نصف صفحة فقط عن  بعض معالم المدينة ـ الكنائس المسيحية ـ فأطلق عليها صفة " المقرفة"؛ ثم تناسلت التحريضات البهيمية تعلي جدار الكراهية حول الشعب الفلسطيني إلى أن استقر في الأدب الشعبي الإسرائيلي المعاصر بمفهوم " العربي القذر". حتى العربي الذي يخدم في جيشهم يغدو " العربي القذر " ما إن يخلع بزته العسكرية . فليس من الموضوعية ومطابقة الحال أن يطلق وصف " التطرف" على هؤلاء ؛ إنهم إرهابيون فاشيون يمحون تاريخ شعب ويحرضون على الكراهية البهيمية لسكان فلسطين منذ القدم.

شرع رسل الاستعمار الأوروبي يجمدون تاريخ فلسطين ويمحون معالمها الحضارية طوال فترة  امتدت أكثر من ثلاثة قرون قبل أن تبرز الصهيونية على مسرح الأحداث. نُشرت كتب رحلات تحكي عن مدينة القدس بلا سكان؛  ورسمت خرائط والتقطت صور لمعالم المدينة بلا بشر. أولى الخرائط رسمها كاتروود عام 1838 واستبدل الأقصى وقبة الصخرة ب" جبل الهيكل"، مستوحيا في ذلك خرافات التلمود. كما ألبست الشوارع والهضاب أسماء منزوعة من خرافات التلمود كذلك. وبدأ التنقيب في مدينة القدس تحت الأقصى عام 1867.  شرعت الأبحاث الأثرية تنقب عما أسمته " مدينة الملك العظيم"  و"الهيكل"، بقصد فرض  الحلم والصورة التوراتيين. المهم في نظر المكتشفين المزعومين ليس الحقيقة بل نوايا الخطط الاستعمارية ل" "استعادة القدس"؛  نفذت كل هذه الإجراءات ولم تتشكل بعد حركة صهيونية ؛ كانت لم تزل فكرة تراود أذهان دعاة التوسع الكولنيالي للامبريالية التي بلورها التطور الاقتصادي في أواخر القرن التاسع عشر مشروعا سياسيا  أوروبيا ل "تحضير الأعراق الملونة".

في ذلك الحين أثمرت الجهود المتواصلة التي بادر بها القس وليم هتشلر، ممثل الكنيسة الأنجليكانية البريطانية في فيينا، وحامل لواء " لاهوت ما قبل الألفية" لجمع هيرتزل مع لورد بلفور، الذي سيتسلم حقيبة الخارجية البريطانية، توطئة لإصدار وعد بيلفور سيئ الصيت.  ويلقي الضوء على العلاقة الآثمة التي قامت بين الطرفين ما ورد في خطاب بلفور في وقت لاحق (عام 1919) في لندن والذي قال فيه: "إن نظرية ما قبل الألفية تتجذر في تقاليد عديدة وفي حاجات الزمن الراهن وآمال المستقبل. وهي أهم بكثير من سبعمائة ألف عربي يعيشون على هذه الأرض العتيقة". أما "حاجات الزمن الراهن" التي لم يشأ بلفور الإفصاح عنها فكانت مشروع التوسع الامبريالي في الشرق العربي. وكانت الصهيونية ومشروعها أداة رئيسة لإنجاز المشروع.

مع نشوء الحركة الصهيونية ظهر أدب يتغنى بالقدس ليس انطلاقا من واقع تاريخي متعين ؛ إنما من خيالات وتصورات ذهنية مستوحاة من التلمود. قبل قيام دولة إسرائيل نهض الأدب العبري بمهمة تزوير واقع القدس وإلباسها ثوبا  غير ثوبها المطرز بنبات فلسطين وشمسها والمكتسب بشرة ملونة بوهج الشمس وعرق الحقول.. ألبسها صفرة الموت اليباب ، جمد ، فبقيت مع غياب اليهود عنها، "مصدر الطهارة، نقطة التواصل مع الرب، مركز الروحانيات ، المدينة الأزلية". هي تعابير منتزعة من التلمود، أقحمت قي أشعار حاييم نحمان بيالك  ونثْر يوسيف عجنون وغيرهما من الكتاب والشعراء الموالين للصهيونية. أفرط الصهاينة في أدب التغني بالقدس، محاولة ل  "  امتلاك المكان باللغة كجزء مكمل للمشروع الاستيطاني. وبالتالي يبرر نهب الأوطان ببلاغة التعبير... "، وفق التعبير الدقيق لشاعرنا محمود درويش.  ينكر الشاعر الفلسطيني المتميز على الجدارة الأدبية أن تمنح الشرعية للسلاح، ويستنكر بالمقابل محاولات الإسرائيليين "ً تجريد الشعب الفلسطيني من قدراته الإبداعية لكي يقولوا إنهم جاؤوا إلى أرض شعبها غير متحضر وغير متمدن، وإنهم يحملون رسالة تحضير وتحديث أي رسالة كولونيالية".

فلسطين لم تكن عقيما ، ولا قاحلة. واصلت العمران عبر القرون، زرعت الأرض وأقامت حياة اجتماعية وشيدت الصروح. نضجت في مدينة القدس العوامل الذاتية للمضي في موكب النهضة  التنويرية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ومع القدس عانقت ثقافة التنوير مدنٌ أخرى في فلسطين؛ وتفاعلت مع المراكز الحضارية في المشرق العربي ومع المغرب العربي.  بحلول القرن العشرين، وخاصة بعد انقلاب 1908 في تركيا صدرت الصحف والمجلات السياسية والأدبية وانتعشت حركة ثقافية وبرز رموز للثقافة  ومنتدى ثقافي جامع في مدينة القدس عكست كلها إشعاع الثقافة التنويرية على الوسط المحيط. تشكل في مدينة القدس حي للمغاربة استقطب الوافدين إلى المشرق من بلدان المغرب العربي. ولعل إسرائيل تدرك خطورة العلاقة العضوية بين المجتمعات العربية فعجلت قوات الاحتلال الإسرائيلي لإزالة حي المغاربة من الوجود خلال الأيام الأولى من احتلال القدس في حزيران1967 ، وألحقتها بباحة ما يدعونه حائط المبكى.
إن التجربة الثقافية الغنية لمدينة القدس وعموم فلسطين خلال حقبة قصيرة تثبت كمون عوامل النمو والتطور الذاتية في حياتها الاجتماعية، ونضج براعمها للتفتح والانطلاق مع تحول الفصول، بما ينقض مفتريات الثقافة الاستعمارية ـ الصهيونية.

تطورت في فلسطين إبان حقبة التنوير وبعدها في ثقافة التحرر الوطني قيم ونظرات غنية بعثت طاقة المقاومة للغزو الأجنبي. فقد ولدت الثقافة الفلسطينية في أتون مقاومة الغزو الاستيطاني، وداخله تعمدت وصلب عودها. تََخَبُّط السياسة أبقاها ثقافة مقاومة، إذ الثقافة لا فكاك لها من التباسات السياسة وملابسات الواقع. وبجرائر السياسيين وسياساتهم غير المرشدة لم ترتق الثقافة في فلسطين بعد إلى مستوى ثقافة تحرير؛ فدون ذلك رؤية تحليلية معاصرة لترتيب القوى وتوازناتها محليا وإقليميا ودوليا ، ثم امتلاك العزيمة والأدوات على استنهاض الجماهير لحركة التغيير، وتقويض قواعد التخلف الموروثة في الوعي الاجتماعي. اجل، اجتازت الثقافة الفلسطينية مع عدد كبير من المثقفين أمثال إميل توما ومحمود درويش والدكتور إدوارد سعيد والدكتور هشام شرابي وإبراهيم أبو لغد ورشيد الخالدي وإميل حبيبي رحلة أهلتها لاستشراف رؤية إنسانية مطلة على الحضارة البشرية؛ لكنها بقيت جزءا  عضويا من الثقافة العربية، تتفاعل مع عناصرها وتصاب بعدوى أعطابها وتجرّحها مخالب السياسة وأنيابها الافتراسية.

قوضت النكبة الأولى الواقع الفلسطيني؛ وتحت ركامه طمرت معالم ثرية للثقافة الفلسطينية، وبداياتها التنويرية، فبقيت مجهولة لدى أجيال ما بعد النكبة.  وحكاية إسرائيل مع الأرض والثقافة محملة بالتباسات التدمير والتخريب.

تمتلك إسرائيل أرقى أدوات التدمير والتخريب ، وبحوزتها "الديبلوماسية الناعمة" نسجت من خلالها  صورة مخادعة لها لدى الرأي العام العالمي مقارنة بالتخلف المريع للمجتمعات العربية في ظل أنظمة القهر والتسلط . نجحت إسرائيل،  ولبالغ الأسف، في التمظهر بواقع مخادع  وتروج لها في الغرب صورة ديمقراطية ومنفتحة وليبراليةـ غربية، تعمي الأبصار وليس البصائر عن ممارسات شكلت نهجا عنصريا يسوّغ احتلال شعب آخر. وهو تناقض مسوغ في ثقافة الغرب الدارجة.  ومبرر أيضا في نفس الثقافة ممارسة التمييز العنصري البنيوي ضد أقلية عربية فلسطينية ومحاولة اجتثاثها من فضاء وطنها. قدمت إسرائيل اعتمادها لمجتمعات الغرب بأوراق منسجمة إن لم تتطابق مع الثقافة السائدة في تلك المجتمعات. كيف لا والصهيونية اعتمدت الثقافة العصرية في الغرب ، إلى جانب المقولات التوراتية التي اكتسبت رواجا كبيرا في عصر العولمة؟
كيف ستكون خاتمة الصراع مع رواية تقوم على الزيف؟ قد يندحر الحق أمام الباطل في جولة أو جولات؛ لكن هل يتلاشى الواقع والحقيقة أمام طوفان الأكاذيب؟ هل بمقدور الجرافات والرافعات والصواريخ أن تستأصل التاريخ من جذوره؟

الفضاءات لا تخلو من شعاع أمل . فليست ثقافة التزييف مطلقة القدرة.
في القدس هدم الاحتلال بيوت المواطنين وأقام المستعمرات والضواحي السكنية . منذ أن ضمت القدس الشرقية لإسرائيل انتقل مائتا ألف يهودي للإقامة في مستعمرات غير شرعية مبنية في القدس الشرقية وتحيط ما يزيد على ربع مليون عربي يسكنون بيوتا ورثوها عن أجدادهم بالأموال أراد الاحتلال ربط المستعمرات الجديدة، نيفيه يعقوب وعطاروت وغيلو مع الأحياء القائمة في القدس  ضمن خطة شاملة بعيدة الأمد لإنشاء القدس الكبرى. ويعبر الخط الأحياء العربية بدون أن يخدم المواطنين هناك، حيث إجراءات " الأمن" ستحرمهم من حق الصعود إلى العربات. خمس محطات لسكة الحديد في مرحلتها الأولى تقرر إقامتها في الأحياء العربية منها باب العمود وباب يافا ومخيم شعفاط. تقدمت شركات أجنبية للمساهمة في المشروع ؛ لكن الجرائم الإسرائيلية في غزة دفعت البنك الهولندي لسحب موافقته على تمويل المشروع ، وانسحبت أيضا شركة الإعمار الفرنسية فيوليا، التي دخلت في اتفاق مع شركة ألستوم  لتوريد الحديد والعربات اللازمة للمشروع، أمام ضغوط دولية اتهمت فيوليا وألستوم بانتهاك القانون الدولي لأنهما تعملان في مشروع مصمم لمنفعة المستوطنين اليهود في الجزء المحتل من القدس قررت الشركتان الابتعاد عن المشروع الاستيطاني العنصري.. وتعطل تنفيذ المشروع إثر حملة عالمية تندد بإجراءات إسرائيل داخل الأراضي المحتلة ، خاصة مدينة القدس.

يقول كاتب من إسرائيل :"إن اسم إسرائيل قد تمرغ بالوحل . ومنذ الحرب على غزة ، حيث صب جيشنا الرصاص المصهور على الرجال والنساء والأطفال فإن العديد من الإسرائيليين يتحاشون التكلم بالعبرية في شوارع المدن الأجنبية"

وفي إسرائيل، حيث عسكرة الاقتصاد تصيب بعدواها الأبحاث العلمية ، يجري تعيين كبار الضباط في مراكز الأبحاث التابعة للجامعات. وتندد آنات ماتار، المحاضرة بقسم الفلسفة في جامعة تل أبيب بالظاهرة  مشيرة إلى أن "جامعة تل أبيب تتباهى إذ تمول وزارة الحرب 55 بالمائة من أبحاثها ، كما تمول  دائرة مشاريع الأبحاث المتقدمة التابعة لوزارة الحرب الأميركية حصة أخرى تقدر ب 9بالمائة من مشاريع أبحاث الجامعة". وهي تبدي أسفها لأن " قلة من الأكاديميين يرفعون الصوت ضد الاحتلال وضد التوحش المتزايد لدولة إسرائيل" .

أما البروفيسور نيفيه غوردون رئيس كرسي العلوم السياسية بجامعة بن غوريون، فينتقل إلى الفعل:  ليس أمرا هينا بالنسبة لي ، كمواطن إسرائيلي دعوة الحكومات الأجنبية والسلطات الإقليمية والحركات الاجتماعية العالمية والمنظمات الدينية والاتحادات لوقف التعاون مع دولة إسرائيل. لكنني اليوم ، وأنا أراقب ولديَّ يلعبان في فناء البيت أصل إلى قناعة بأنها الوسيلة الوحيدة لإنقاذ إسرائيل من جنونها".

وأعلن  دوف ييريميا قطع صلته  بدولة إسرائيل تعبيرا عن خيبة امل حادة ، وقال في مذكرة عممها على أصدقائه ومنهم أوري أفنيري" إنني، وقد بلغت الخامسة والتسعين حرثت الأرض وبنيت البيت وربيت أبنائي والأحفاد وأبناء الأحفاد وسفكت دمي في معارك إسرائيل ... أعلن التخلي عن إيماني بالصهيونية ، التي فشلت ، وإنني سوف لن اخلص للدولة اليهودية الفاشية ونظراتها المجنونة ،ولن أردد بعد الآن نشيدها القومي، وسأظل على أهبة الاستعداد لنعي الذين يسقطون على جانبي المتراس ، وسأظل ارقب بقلب كسير دولة إسرائيل التي تقترف جريمة الانتحار."

ويسلط اوري أفنيري  الأضواء على عوامل هذا السقوط، فيقول في تعليق على خيبة أمل صديقه:  " هل حلمنا بهذا المجتمع الفاسد، المجتمع بلا قلب، حيث تغرق في الأوحال الفئة بالغة الثراء ومعها عصبة كبيرة من السياسيين ورجال الإعلام ومن والاهم من الأتباع ؟"
حقا فإسرائيل لا تستلهم نوازع دينية أو إنسانية ؛ إنها تستلهم مصالح النخبة الثرية من مصاصي الدماء والراقصين على الجماجم.

بدون التورط في الحتمية الساذجة فإن إسرائيل تمضي ضد التيار التقدمي للبشرية ، وسوف يكلل انتصار المسيرة التقدمية للبشرية وشعوب الشرق الأوسط بانهيار أكوام الأكاذيب ومستعمرات الاغتصاب والاقتلاع المقامة على زيف التقدير والتقييم.
  

10/10/2009