2009-10-10

د. خــالــد الحــروب

تقرير غولدستون ومحاكمة نهج " الحياة مفاوضات " !

يقف إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أمام المحاكم الإسرائيلية بتهمة الفساد المالي (واختلاس بضع عشرات من آلاف الدولارات). ووقف قبله كثير من المسؤولين الإسرائيليين وخسروا مناصبهم في قضايا تعتبر في عرف السياسيين والمسؤولين العرب أسخف من أن تُذكر فضلا عن أن تقود إلى محاكم.

في المقابل لا تزال هناك عشرات الرؤوس الفلسطينية تتحكم في مصير الفلسطينيين رغم كل الفساد المالي (بالملايين) الذي لطخها على مدار سنوات أوسلو. لكن كأن ذلك لم يكن كافياً وحده فأضيف إليه الفساد السياسي والوطني الذي يتلاعب بالقضية الوطنية وجوهرها ويُقدم على قرارات تدمر ما تبقى من تأييد للشعب الفلسطيني وقضيته في العالم.

الحلقة، أو بالأحرى الفضيحة الأخيرة، المتمثلة بطلب السلطة الفلسطينية تأجيل التصويت على قرار تقرير القاضي اليهودي الشجاع غولدستون يجب ألا تمر على الإطلاق، ويجب على المسؤولين عن الفساد السياسي الذي قاد إليها أن يعزلوا من مناصبهم وأن يحاكموا.

من حق الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج وأنصاره في كل مكان أن يعرفوا بالضبط من كان وراء هذا القرار الذي وجه طعنة مسمومة في ظهر جبهة التضامن الدولي والإنساني مع الفلسطينيين، وأحبط عمل مئات المنظمات الحقوقية المؤيدة لنا، وأثلج صدر مجرمي الجيش الإسرائيلي وساسته الذين كانوا سيوضعون في قفص مجرمي الحرب ولا يستطيعون التحرك هنا وهناك بخيلاء وغرور.

من حق الشعب الفلسطيني، وفي غياب مؤسساته التشريعية والرقابية والمحاسبية، أن يعرف ما الذي حدث ولماذا، ومن اتخذ القرار وتورط فيه، وما هي الأسباب الحقيقية. لماذا قُتل التقرير ودفن بأبشع طريقة ممكنة وبأيدٍ فلسطينية؟

الأسباب التي ساقها الناطقون الرسميون متهافتة وزادت على تهم التفريط تهمة استغفال واستغباء الرأي العام الفلسطيني والعربي والعالمي المؤيد.
القول إن الأطراف والوفود العربية والإسلامية هي التي طلبت التأجيل وليس وفد فلسطين من المخجل ترداده.

وقد أُبطل بعد أن تبرأت منظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية في بيانين منفصلين من مقولات المندوب الفلسطيني إبراهيم خريشة.
والقول ثانيا إن هدف طلب التأجيل هو الرغبة في تحقيق "إجماع أكبر" على التقرير وضمان تصويت دول "صديقة" لصالحه قبل رفعه لمجلس الأمن كلام لا معنى له.

كل المتابعين للموضوع يدركون أن تقرير غولدستون حظي بعدد مدهش من الأصوات المؤيدة (حوالي 33 من أصل 47) ويندر أن يحدث هذا في قضايا أخرى.
تأجيل التصويت عليه لمدة ستة أشهر هو إنهاء وقتل للتقرير وليس تأجيلا لمناقشته. هل سيعمل الناطقون الرسميون الأشاوس على إعادة الزخم العالمي والتضامني الذي وصلنا إليه، ويزيدون عليه إقناع بعض "الدول الصديقة" للاصطفاف إلى جانبنا خلال الشهور القادمة؟ وكيف سيقومون بـ "تفعيل" القرار والاستفادة من التقرير، والشواهد السابقة لا تشير إلى إنجازات خارقة فأمامنا القرار العدلي الدولي الذي أفتى بعدم قانونية جدار الفصل العنصري، وبإجماع شبه كامل.

ماذا فعلت السلطة للاستفادة من ذلك القرار وتفعيله والبناء عليه؟
ربما لا يوجد شخص على وجه المعمورة مهتم بالقضية الفلسطينية وتابع عن بعد تتابع حلقات هذه الفضيحة إلا ويعلم أن طلب السلطة تأجيل التصويت جاء بناء على ضغوط كبيرة من اميركا وإسرائيل.

إذاً وفي حال افترضنا أن السلطة لم تستطع أن تُقاوم تلك الضغوط فلماذا تتستر عليها؟ لماذا لم تخرج للعلن وتقول بالفم الملآن للشعب الفلسطيني والعالم "إننا في السلطة الفلسطينية نواجه ضغوطا وتهديدات كبيرة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل (أو إمعانا في الدبلوماسية "من قبل أطراف دولية" ولا نستطيع مقاومتها، وبناء على ذلك طلبنا التأجيل).

أليس في هذا الإعلان كرامة وصدق وعدم استخفاف بالشعب الفلسطيني وأفضل ألف مرة من محاولات الاستغباء التي فجرت غضبا مركبا عند كل الناس؟ عندها سيتحول جزء كبير من الغضب باتجاه أميركا وإسرائيل، من دون إعفاء السلطة بالطبع ومن دون القبول بمنطق الخضوع للضغط.

ولنأت الآن إلى نقطة الضغط هذه. كل ما ورد ويرد في سياق هذه النقطة يدور حول تهديد هيلاري كلينتون ومسؤولين أميركيين بأن التصويت على تقرير غولدستون سوف يضعف احتمالات استئناف مفاوضات السلام، وسوف يخلق مناخات غير موائمة، ويقلل الفرص الإيجابية.

ماذا عن عربدة نتنياهو وركله لكل المطالب الأميركية والدولية بـ "تجميد الاستيطان" فقط، بل واتخاذه قرارات ببناء وحدات استيطانية جديدة في الضفة الغربية وقطاع غزة؟ لماذا لا ترينا السيدة كلينتون بطولاتها في الضغط والحرص على فرص السلام من خلال فرض ضغط حقيقي على إسرائيل ونتنياهو؟ إذا كانت "حفلة" الطلب بـ "تجميد الاستيطان" قد استغرقت تسعة شهور من فترة حكم أوباما، فكيف لو تجرأ أحد ما على الطلب بـ "تفكيك الاستيطان" في المفاوضات العتيدة القادمة، وكم ستأخذ من الوقت عندئذ؟

ثم لنفترض أن المفاوضات انطلقت وأنه لم يتم "تخريب" انطلاقها من خلال قرار مجلس حقوق الإنسان وقبول تقرير غولدستون، الذي أجل بطلب من السلطة لتحقيق إجماع أكبر، والعودة للتصويت عليه في شهر آذار القادم. ماذا ستفعل السلطة الفلسطينية عندما يأتي اجتماع آذار ويعاود المجلس طرح التقرير للتصويت بموازاة المفاوضات السائرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، هل ستتجرأ السلطة على استئناف أي جهد باتجاه التصويت على التقرير؟ ألن تقوم بـ "تخريب" المفاوضات القائمة وليس المحتملة كما الآن؟ ما حدث إذاً عبر القرار قصير النظر الذي يستحق من اتخذه محاكمة حقيقية سيضاعف الثمن ويحرج الفلسطينيين مرتين: الآن وفي شهر آذار القادم. بعد ستة أشهر سوف ترفع السيدة كلينتون التلفون وتتحدث مع المسؤولين الفلسطينيين وتوجه لهم تهديداتها المتجددة.

لماذا لم يقل لها الفلسطينيون إنهم إن خضعوا لمطلبها فإنهم يخسروا الشارع الفلسطيني وإنه لا يمكنهم أن يغامروا بذلك خاصة مع غياب المجلس التشريعي وعدم وجود أية حصانة شعبية لقرار من هذا النوع؟ لماذا لم يقولوا إن الفلسطينيين سيقارنون بما تنجزه حماس من تحرير لسجينات فلسطينيات وما تتنازل عنه السلطة من تجريم لإسرائيل؟ لماذا لم يقولوا لها ولكل من ضغط عليهم ما هو المقابل الحقيقي والملموس الذي من الممكن أن يحصل عليه الفلسطينيون إذا طلبوا تأجيل التصويت؟ أين هي البراغماتية والواقعية الفلسطينية ومهارة "المفاوض الفلسطيني" الذي يتخذ من "الحياة مفاوضات" مبدأ، أين كان ولماذا لم يفاوض على شيء يأخذه في مقابل السخاء التنازلي المدهش.

هل "مهارة المفاوض الفلسطيني" الذي ما زال نفسه رغم تبدل عشرات طواقم المفاوضين الإسرائيليين ان يشتري سمكا في البحر: تنازل مذهل مقابل "تحسين احتمالات استئناف المفاوضات"؟ باختصار: المطلوب فلسطينيا وعدليا وإنسانيا وتضامنيا محاكمة من كان وراء القرار، وفتح ملف نهج "الحياة مفاوضات" وأكلافه الكارثية الكبيرة.

المصدر: جريدة الايام الفلسطينية

10/10/2009