2009-10-08

صلاح حزيِّن المختلفُ عنا  
رحيلٌ غادرٌ آخر *

الكاتب: سميــح محســن / كاتب وصحفي، عضو هيئة تحرير تسامح

(1)
ضمن عشراتِ الأصدقاءِ الذين نلتُ شرفَ صداقاتِهم في العقودِ الثلاثةِ الأخيرةِ كان (نوح) صلاح حزيِّن المختلف عنا جميعاً، وأكثرنا هدوءً برانياً، وجمالاً جوانياً، الجامع لتناقضاتنا، والمؤلف بين أمزجتنا المتقلبة، والكابح ـ إذا لزم الأمر ـ لتطرفنا العبثي، المشهود له بنظافةِ اليدِ وطهارةِ القلبِ.

في العام 1979 وكنا في مقتبلِ العمرِ الذي نهشت الأحداثُ والنكباتُ المتلاحقةُ كضرباتِ مطرقةِ حدادٍ ماهرٍ على السندانِ سنواتِه التي كانت عجافاً بكُلِيِّتها، تعرفتُ لأولِ مرةٍ على صلاح حزيِّن. كان المكانُ المبنى الجديدَ لصحيفةِ (الوطن) الكويتية في منطقة الشويخ، وكنت في زيارة للقاص والصحفي الصديق محمود الريماوي.

قهقهةٌ عاليةٌ في الممر. شابٌ أظن أنه تعدى الثلاثينَ بقليلٍ، طويلُ القامةِ، ممتلئٌ، غادر الشَعرُ جلدةَ رأسِه في وقتٍ مبكرٍ، يدخلُ إلى مكتبِ الصديقِ محمود الريماوي. دخل الاثنان، الضيفُ والمضيفُ، في حلقاتٍ من النكاتِ، وكان الريماوي الذي أعرف من بينهما حتى تلك اللحظةِ مبدعاً في الفكاهةِ وخفةِ الدم، وقد عرّفنا على ضيفه قائلاً: نوح حزيِّن.

انطباع اللحظةِ الأولى أنني أتعرف على (مهرجٍ)!! لا مكانَ للجديةِ في حياتِه حاولَ أن يعززه صديقٌ آخر (أعتذر عن ذكر اسمه هنا)؛ حيث تأكد لي مع مرورِ الأيامِ أن حبالَ الودِ بينهما مقطوعةٌ ولا مجالَ لوصلها. ولعلني أسوق هذا التوصيفَ المُبَكرَ هنا لأن صلاح حزيِّن فاجأني في السنوات اللاحقةِ بأنه شخصيةٌ جامعةٌ على مستوياتٍ متعددةٍ إلى درجةٍ أزعم عندها أن لم يتعرف عليه عن قربٍ خسرَ الشيءَ الكثيرَ، والعكس لمن تعرف عليه. أقول ذلك مع العلمِ أنه، لا صلاح ولا أنا، نقترب من فكر التأليه.  

(2)
في هذين، الزمانِ والمكانِ، تعرفت لأول مرةٍ على (نوح) حزيِّن المولود في بلدة عين كارم غربي مدينة القدس عام 1946، التي هُجِّر منها مع عائلته قسراً بعد عامينِ على ولادتِه، واستقر بها (العائلة) المقام في مخيم الوحدات للاجئين الفلسطينيين في مدينة عمان.

في بداية مراحل التشكل المعرفي الشخصي بيني وبينه سألته ذات يومٍ عن المكانِ الأصلي لعائلته، والسؤالُ في هذا المقامِ عادةٌ فلسطينيةٌ يبدو أنها استُحدِثت بعد النكبة، فتساءلَ في فكاهتِهِ التي أصبحت معروفةً لنا: {{هلْ هناك ضرورةٌ لتعرفَ}}؟!! واستكمل: {{أنا من عين كارم، وعندما هاجمت العصاباتُ الصهيونيةُ قريةَ دير ياسين المجاورة، استنجد أهلها بنا فلم ننجدهم}}!! وضحك بأعلى صوته. ولا يعدو كلامه هنا من بابِ التندرِ ليس إلا. لقد تعرضت دير ياسين للمذبحةِ الشهيرةِ على أيادي عصاباتِ الأراجون وشتيرن في التاسع من نيسان (أبريل) عام 1948، بينما سقطت عين كارم في الثامن عشر من تموز (يوليو) من العام نفسه.

وفي الجلسةِ ذاتِها سعيتُ لحلِ التشابكِ بين اسميه (نوح) الذي عرفتُه أولاً، و(صلاح) الذي عرفتُه لاحقاً دون احتجاجٍ مني على أيهما، أو تفضيلِ اسمٍ على آخره. وأثناءَ سردِهِ لحالةِ فكِ التشابكِ لم يترك المناسبةَ تمر مرَّ الكرامِ حيث استخدم الفكاهةَ وعقلَه النقدي معاً في الإجابة. استخدم العقل النقدي في مواجهةِ الخرافةِ عندما قال أن والديه بدلا اسمه الأول (نوح) باسمه الآخر (صلاح) لأنه لم يوائمه لاستمراره في البكاء بعد ولادته وتسميته الأولى. واستخدم الفكاهة عندما قارن بين اسميهِ وقال إنهما (.....) من بعضهما.

(3)
مع مرورِ الزمنِ بدأتُ أتعرفُ على شخصيةِ صلاح حزيِّن الذي جاء إلى الكويتِ بعد تخرجِه من جامعةِ دمشق متخصصاً في الأدبِ الإنجليزي، وكان قد وصل إلى هناك قبل وصولِنا بوقتٍ قليل. كان صلاح شخصيةً ثريةً بكل المقاييس، ليس من وجهة نظري وحسب، بل ومن وجهة نظر جُلِ أصدقائِه ومعارفِه، وكان في مقدمةِ ذلك الثراءِ حسُه الإنسانيُّ العالي.    

فرضت علينا بيئةُ الكويتِ نمطاً معيناً من ممارسةِ يومياتِ حياتِنا القاسيةِ رغمَ تزامنِ وصولِنا مع وصولِ منتجاتِ الحداثةِ الاستهلاكية. ورغم تجمعِ الفلسطينيين هناك فيما يشبه المعازل (الغيتوات) إلا أن النخبَ الثقافيةَ كانت منفتحةً إلى حدٍ كبيرٍ على الآخرين، وبخاصةٍ على النخبِ اليساريةِ والتقدميةِ في البلد. ورغم ذلك أيضاً نشأت بين الفلسطينيينِ ظاهرةُ تكوّن الجماعاتِ الصغيرة التي يجمعها همٌّ متقاربٌ، إما همٌّ سياسي، أو فكري، أو ثقافي، أو أيديولوجي، أو عائلي، أو مناطقي ... إلخ. ومع مرورِ الوقتِ تكونت لنا مجموعةٌ من الأصدقاءِ، كانَ صلاح حزيِّن محوراً أساسياً فيها.  

في السنواتِ الأخيرةِ من حياتِنا في الكويت كنا نلتقي في سهرةٍ (خميسيةٍ) في أحدِ بيوتِنا تمتدُ حتى ساعاتِ الصباحِ. في تلك السهراتِ تعرفت على صلاح عن قرب. تعرفت عليه كإنسان في الجوهر، وكمثقفٍ تقدمي، وكاتبٍ صحفي من طرازٍ رفيع، ومترجمٍ بارعٍ، ومحللٍ وناقدٍ أيديولوجي لا يأبه من ردودِ فعلِنا على مواقفِه التي كانت لا ترضينا في بعضِ الأحيانِ، وكناشطٍ سياسي متحزب.

(4)
بالعودةِ إلى الانطباعِ الأولي عن شخصيةِ (المهرج) أقول:
عندما انخرطنا في العملِ الصحفي في الكويتِ كانت الصحافةُ الكويتيةُ تسعى لاحتلالِ مكانةِ الصحافةِ اللبنانيةِ التي بدأت الحربُ الأهليةُ هناكَ تنهِكُها. وكان عددٌ من الأعلامِ الصحفيةِ العربيةِ قد انخرط في العملِ في الصحافةِ الكويتيةِ المزدهرةِ التي كانت تتسعُ للآراء والأيديولوجياتِ المتصارعة. وفي أعقابِ إعادة تشكيل الحزب الشيوعي الفلسطيني عام 1982، تعرضت تلك الخطوةِ لحملاتٍ من النقدِ الحادِ من قبل العديدِ من الكتابِ والصحفيينِ والنخبِ السياسيةِ والفكرية. وفي تلك المرحلةِ انبرى كاتبٌ صحفيٌّ يدعى (أمجد نصار) للتصدي لتلك الحملاتِ والرد عليها. ولما كان اسمُ هذا الكاتبِ جديداً علينا كعاملين في تلك الصحافةِ، ودفعتنا غريزتُنا لمعرفته، كانت المفاجأةُ ـ بالنسبةِ لي على الأقل ـ عندما عرفتُ أن ذلك الاسم اسم مستعار، وكان المختفي خلفه صلاح حزين.

وإن كان صلاح حزين قد تصدى لمنتقدي قرارِ إعادة تأسيسِ الحزب الشيوعي الفلسطيني، ومنتقدي مواقفِ الحزبِ ورؤيتِهٍ لحلِ القضيةِ الفلسطينيةِ مدفوعاً بدوافع حزبيةٍ وسياسيةٍ، إلا أنه كان يحملُ موقفاً نقدياً من الخلل الذي أصاب التجربةِ الشيوعيةِ العالميةِ، وبخاصةٍ في الدولةِ الأم (الإتحاد السوفيتي).

في كتابته عنه بعد رحيله، قال الكاتب والصحفي صبحي حديدي:
{{ لكنّ رحيل صلاح ردّني إلى سنوات صداقتنا الأبكر، في دمشق 1971، حين جمعنا همّ فكري وسياسي وثقافي واحد، أو شديد القرب، وتلاقت أمزجتنا العاصية المتمرّدة ـ إذا جاز لي أن أضيف، بكلّ التواضع ـ في شؤون لم يكن الانشقاق فيها أو عليها أمراً ميسوراً، إذْ كانت أقرب إلى المحرّمات الكبرى. وأذكر أنني، ذات نقاش مع رهط من الأصدقاء حول علم الجمال الماركسي ومفهوم الواقعية الاشتراكية، أبديت تحفظي على المصطلح الأخير، ويقيني بأنّ الماركسية المعاصرة لم تفلح في تقديم نظرية ذات حدّ أدنى من التكامل في علم الجمال. ولقد صعقني ـ بالمعنى الإيجابي للمفردة ـ أنّ الراحل لم يوافقني في هذا فحسب، بل كسر 'الممنوع' وأعلن أنّ معظم الأدب السوفييتي رديء، وأنّ أعمال مكسيم غوركي لا ترقى إلى عظمة نيكولاي غوغول أو فيودور دستويفسكي}}  

لم يكن صلاح حزيِّن مثقفاً ماركسياً كلاسيكياً، بل كانَ من أشدِ منتقدي تحويلِ النظريةِ الماركسيةِ إلى (ديانة). ورغمَ مكانةِ الاتحادِ السوفيتي لدى الأحزاب الشيوعيةِ في البلدانِ العربيةِ، وتحريمِ، بل وتجريمِ منتقدي التجربةِ السوفيتيةِ في تفسيرِ الماركسيةِ، إلا أن، صلاح حزيِّن كان جريئاً في توجيهِ النقدِ لظواهرِ الخللِ في تلك التجربةِ، كجرأتِه في الدفاعِ عن الاشتراكيةِ كخيارٍ لتحقيقِ العدالةِ الاجتماعيةِ، والتحررِ من الظلم.            

في النصف الثاني من ثمانينياتِ القرنِ الماضي كان النقاشُ محتدماًَ حول (البيروسترويكا) التي قادها آخر رؤساء الاتحاد السوفيتي ميخائيل غورباتشوف. وفي جلساتِنا المغلقةِ كان صلاح من أشدِّ المدافعينَ عن التجربةِ السوفيتيةِ الجديدة. وكان يرى أن تحويلَ الماركسية إلى دين، وتقديمَ التفسير السوفيتي لها كأنه التفسيرُ الصحيحُ والوحيدُ، يمهدُ لقتلِ التجربةِ وليس النظرية، فضلاً عن الخلل الذي بدأ يتكشف لدى الماركسيين في النموذج السوفيتي. كنا من منتقدي تلك التحولات، وكان صلاح من أشد منتقدينا.

(5)
رغم البساطةِ التي أكسبها لشخصيتِه في عاداتِه اليوميةِ وعلاقاتِه مع الناسِ بشكل عام، ومع أصدقائِه بشكلٍ خاص، كان صلاح حزيَّن شخصيةً ذات ثقافة عاليةٍ ومتنوعة. عاونته هذه الشخصيةِ على التصدي لترجمةٍ روايتينِ عظيمتينِ من الأدبِ العالمي صدرتا عن دار ابن رشد في بيروت، وهما: "إنهم يقتلون الجياد: أليس كذلك؟" لهوراس ماكوي، و"قلب الظلام" لجوزف كونراد. وقد وصف الكاتب الصديق وليد أبو بكر ترجمته للرواية الأولى بأنها "ترجمة تثير الإعجاب، وقد غبطه كثيرون على الطاقة التي بذلها في ترجمتها، وهي طاقة يعرف أصدقاؤه أنه يملكها دون ادعاء، لا لأنه درس اللغة الإنجليزية في جامعة دمشق وحسب، ولكن لأنه لم يتوقف عن التعامل معها، خصوصا عن القراءة والترجمة، وكثيراً ما كان يعمد إلى شرح بعض غموضها، حين تدعو الضرورة إلى ذلك".    

من خلال علاقتنا به عرَّفنا صلاح حزيِّن على العديدِ من الرواياتِ، ولفت انتباهنا إليها، وحرَّضنا على قراءتها. ويبدو أن علاقته ببعض تلك الروايات استمر إلى حتى سنوات عمره الأخيرة، وكانت من بينها رواية (خربة حزعة) للكاتب الإسرائيلي يزهار سميلانسكي الذي توفي عام 2006. ولعل علاقةَ صلاح في هذه الرواية امتدت حتى رحيل كاتبها حيث كتب مقالة عن الرواية وعن كاتبها. قال صلاح في مقالته:

{{ وفي العام 1949 نشر سميلانسكي رواية "خربة خزعة" التي أثارت ضجة أكبر من تلك التي أثارتها قصة "الأسير"  فنوقشت في العام نفسه في الكنيست وكان سميلانسكي عضوًا فيه. تدور الرواية حول دورية إسرائيلية تقتحم "خربة خزعة"، وهي قرية فلسطينية صغيرة في الجنوب، ويبدأ أفرادها بإخراج سكانها البسطاء منها. وفي حفلة عربدة مجنونة يبدأ رجال الدورية في تدمير القرية الخالية. ويغرق الراوي في تداعيات حول حق القوة في التدمير وحول المعنى الأخلاقي للنصر وحول الضعف الإنساني الذي يمثله سكان القرية الذين يستسلمون لقوة الدورية المعززة. لكنّ الراوي في النهاية يبتلع تعاطفه وتداعياته الإنسانية ولا يقوم إلا بدور الشاهد على عملية تدمير "خربة خزعة" وإفراغها من سكانها فلا يناله سوى فضل الشهادة على جريمة ارتكبت أمامه بدم بارد. تداخلت مهمة دورية يفترض أنها تقوم بـ "حرب استقلال" بمهمة عصابة من القتلة تمتلك القدرة على القتل وتفتقد ما عدا ذلك تمامًا. وبترحيل سكان القرية إلى ما وراء الحدود، يفقد انتصار الدورية أي مجد ويتحول جريمة يكون الراوي شاهدها الصامت}}.  

  كان اهتمام صلاح حزيِّن بالأدب الإسرائيلي شديداً. ومن بين الكتاب الذين لفت انتباهي إليهم الكاتب سامي ميخائيل الذي ولد في بغداد عام 1926، وفي شبابه انتسب إلى الحزب الشيوعي العراقي وناضل سريا في صفوفه. وفي عام 1949، قدم إلى إسرائيل مع عائلته. وقد أصدر حوالي خمس عشرة رواية كان آخرها روايتا "عايدة" و"حمام في الطرف الأغر" التي استنسخ فيها رواية الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني "عائد إلى حيفا"؛ وإن قال ميخائيل أنه لم يستنسخ الرواية، وإنما أقام حواراً معها.  

في أواسط ثمانينيات القرن الماضي، وكنت حلقة وصل لدى الأصدقاءِ بين الداخل والخارج كوني مواطناً في الأراضي المحتلة، سألني صلاح عن روايات الكاتب سامي ميخائيل، وعندما نفيت معرفتي بكتاباته اعترته الدهشة، بخاصة أن ميخائيل كان يكتب بالعربية إذْ جاء إلى البلاد كاتباً في الثالثة والعشرين من عمره. أجبته بأن رواياته لو توفرت في أسواق الضفة الغربية لوقعت عيناي عليها، كما أنني لم أسمع أياً من كتابنا الذين كنت ألتقي معهم خلال زياراتي يتحدث عنه، أو يذكره أصلاً.
  
وأما الكاتب الإسرائيلي الآخر الذي سألني عنه في تلك الأيام فهو سمير نقّاش الذي كان يكتب رواياته باللغة العربية.  وسمير نقاش يهودي عراقي ولد عام 1938، اضطر لمغادرة العراق بعد قانون إسقاط الجنسية الذي أصدرته حكومة توفيق السويدي في العام 1950 وسمحت بموجبه لليهود الراغبين في ترك العراق بالتخلي عن جنسياتهم العراقية، ومغادرة العراق إلى إسرائيل، لم يندمج مطلقا في المجتمع الإسرائيلي، وظل متعلقا بالعراق، وفي رواياته، تجد هذه الأفكار بينة واضحة، مثل رواية "نزولـة وخـيط الشيطان". سمير نقاش عربي يهودي ابن ثقافة عربية حقيقية، يكرر دائما في لقاءاته كنت يهوديا عراقيا في العراق والآن أنا يهودي عراقي في إسرائيل منذ أكره علي مغادرة العراق بعد التسقيط عام 1951م -ومنذ أن ولد في بغداد 1938م - وحتي وفاته 2004 م وهو يحمل عروبته بكل صدق، وقد حول أحاسيسه هذه لتصرفات حين هرب من إسرائيل إلى لبنان، ثم قبض عليه، وأعيد إلى إسرائيل. وفي كافة إبداعاته يفيض بهذا الشعور، وربما تكون رواية "نزولة وخيط الشيطان"، صورة صادقة لمشاعر يهودي عراقي متجسمة بيعقوب بن عمام الذي لم يستطع - كالكاتب ذاته - أن يندمج في المجتمع الإسرائيلي مطلقا، يقول علي لسانه "إني يهودي لكني لست بخائن... كيف أخون أرضاً ممتزجةً بثراها رفات آبائي وأجدادي؟"!    

إن سؤال صلاح حزيَّن يعكس سعة إطلاعه على الأدب الإسرائيلي ومعرفته بتفاصيله الدقيقة، وهذا ما ذهب إليه الكاتب وليد أبو بكر أيضاً.
{{ عندما عُقد في رابطة الخريجين في الكويت مؤتمر كبير عن فلسطين أواخر ثمانينيات القرن الماضي، تحدّث صلاح حزيّن عن الرواية الإسرائيلية: كان أيضا متابعاً جاداً للكتابة الإسرائيلية بكل تفرّعاتها. وقد قرأت مداخلته بشكل مسبق، كمعقِّب مكلَّف، فأذهلتني معرفته بالأدب الإسرائيلي من ناحية، وبالتكوين الإسرائيلي ذاته، سياسيا وعسكريا وثقافيا، من ناحية أخرى. كان هو الذي عرّفني على هذا الأدب بعمق، ثمّ دفعني إلى متابعته. وحين شاركت في مؤتمر الأدباء العرب (1992) بمداخلة عن "صورة العربي في الأدب الإسرائيلي" (تحوّلت بعد ذلك إلى كتاب)، وفّر لي معظم المصادر، وكثيرًا من المشورة التي لولاها ما كنت بدأت}}.  

(6)
في جلساتِنا الخاصةِ كان صلاح حزيِّن الشخصيةَ المحوريةَ فيها نظراً لتمتعِه بعدةِ صفاتٍ عزَّ على إنسانٍ واحدٍ أن يمتلكها. فبالإضافةِ إلى الصفاتِ التي أوردتها عنه، كان صلاح صاحبَ نكتةٍ من الطرازِ الأول، وكانت جملته الأثيرة لنا: "عليك أن لا تحبس النكتةَ في داخلك حتى لو كانت تمسك". وكان دائماً يحذرنا بمحبته لنا أن لا ندخل في سجال نكات معه لأنه حتماً سيهزمنا، وكان تحذيره نابعاً من رغبته في عدم إحراجنا.

(7)
أثناء غزو الكويت صيف 1990 كنت في إجازة عائلية هنا. وبتاريخ 11/9/1990 عدت إلى هناك وقد تركت العائلة في البلاد. عندما غادرت سيارة الأجرة التي أقلتني من عمان في منطقة "المرقاب" وسط مدينة الكويت، لم أكن أعرف أياً من الأصدقاء بقي موجوداً هناك. استأذنت عاملاً في مكتب النقليات لاستخدام الهاتف، ولم أفكر مرتين عندما اتصلت بالصديق القاص تيسير نظمي   وكان أقرب الأصدقاء مني. تملكتني الفرحة عندما رد سريعاً وسألني عن مكان وجودي، وبعد وقت قصير وصل بسيارته إلى المكان، ثم قادها وقادني إلى منزله في منطقة الفروانية.  

كل شيء تغيّر. الشوارع شبه فارغة. المحال التجارية مغلقة. بسطات الباعة تنتشر على جنبات الطرق، جبال من النفايات تنشر داخل المناطق السكنية، حواجز عسكرية تنتصب على مفترقات الشوارع، عشرات المسلحين ينتشرون في الأسواق العامة. كل تفاصيل هذه اللوحة استحدثت خلال أسابيع قليلة.

في الطريقِ إلى منزلهِ سألته: منْ بقي من الشلة هنا؟ أخبرني بأن صلاح حزيِّن، إبراهيم زعرور، معين حوراني، صالح أبو زينة   موجودون وهو على اتصال دائم معهم. لم أكن أعلم أنني سأعيش شهرين هما الأكثر صعوبة وتعقيداً في حياتي. لقد أعدنا تجميع أنفسنا في محاولة منا للصمود في بلدٍ لم تكن لنا وإن كانت شواهد أعمارنا وتفاصيل السنواتِ الأكثر بهجةً من حياتنا كثيرة فيها.  

عندما تجمعنا اكتشفت أن صلاح حزيِّن عمل محرِّضاً في صفوفِ الفلسطينيين لحثهم على عدم الرحيلِ عن الكويت حفاظاً على حياتهم ومكتسباتهم فيها. يبدو أن غريزة اللاجئ، وعذابات اللجوء، ورؤية السياسي دفعته للقيام بهذا الدور. مرّ شهران عليَّ في الكويت، ورويداً رويداً بدأ تفكيرنا الجمعي يجنح نحو الرحيل. كنا نقف أربع ساعات في طابور حتى نظفر بكيس خبز لا يتعدى وزنه كيلو غرام واحد. كان عزاؤنا أن عائلاتنا لم تكن معنا، ولك أن تتخيل عائلة تنظر كيس خبز في نهارها.

(8)
وأخيراً قررنا الرحيل. في الحادي عشر من نوفمبر (تشرين ثاني) 1990 حملنا ملابسنا الشخصية، ركبت مع صلاح في سيارته، وتوجهنا إلى منزل شقيقة صديقنا معين حوراني لاصطحابه معنا، وأثناء وداع الأخير من قبل شقيقته وزوجها الكهل، أجهش الأخير ببكاء متواصل وصوت مرتفع. قال صلاح إنه "يبكي كما يبكي الرجال" وانطلقنا. كان اتفاقنا أن نبيت ليلتنا في بغداد، وفي اليوم التالي نواصل رحلتنا إلى عمان. وفي الفندق الذي نزلنا فيه كان صلاح يردد مع أي نكتة تضحكنا "هذا اليوم آخر أيام العز". وفي صباح اليوم التالي توجهنا نحو الحدود العراقية ـ الأردنية.

سألنا ضابط الجمارك الأردني عن آلة كان يحملها صلاح لأحد أشقائه، وبالفعل لم يكن يعرف ماهية تلك الآلة، ولا ضابط الجمارك عرفها. بعد وصولنا إلى عمان والتقائنا ذكرني صلاح بتلك الآلة، وقال إنها آلة طباعة. وأردف قائلاً: "باستطاعتنا أن ننشئ حزباً"؛ وكان من متطلبات إنشاء الأحزاب (السرية) في خمسينيات وستينيات القرن الماضي امتلاك الحزب على آلة طباعة.          

(9)
بعد عودتي إلى البلاد واستقراري فيها لم أجتمع بالصديق صلاح حزيِّن إلا في مرات نادرة جداً، بل إننا لم نجتمع في السنوات العشرة الأخيرة، وإن كنا نتابع معرفة أخبار بعضنا من خلال أصدقائنا الآخرين. في صيف 2006 كنت والصديق وليد أبو بكر في دمشق في زيارة تتعلق باتحاد الكتاب الفلسطينيين، وأثناء عودتنا إلى عمان علمنا أن الابن الأصغر لصديقنا صلاح (غسان) تعرض لحادث سير أثناء قيامه بتوصيل المخرج السينمائي الفلسطيني ميشيل خليفي بواسطة سياراته إلى الجسر، وفي أعقاب الحادث المأساوي دخل غسان في حالة غيبوبة لم يخرج منها حتى الآن. بعد وقت قصير علمت من أحد الأصدقاء، وهو الصديق عبد الكريم لولو المقيم في مدينة غزة حالياً، أن صديقنا صلاح أصيب بالسرطان، وحاول أن يربطني تلفونياً به عدة مرات، إلا أنني كنت أعتذر لأنني لن أستطيع الحديث معه. وفي إحدى مكالماتنا اللاحقة أخبرني هذا الصديق أنه نقل تحياتي لصلاح، وأبلغه عن عدم تمكني من محادثته. أعرف نبل صلاح، إلا أن إجابته لصديقنا عززت وجهة نظري به أكثر وأكثر عندما قال له: "أنا أعرف أن الذين اتصلوا بي ليطمئنوا على صحتي يحبونني، وأن الذين لم يستطيعوا الحديث معي يحبونني أيضاً".

(10)
في الأول من آب (أغسطس) توقف قلب صلاح الكبير عن الخفقان. ومن خلال متابعتي لبعض ما كتب عنه في الخارج، وبخاصة في الأردن، تبين لي أن صلاح بقي كما عرفته خلال سنوات عيشنا المشترك في الكويت. لقد كتب عنه بوفاء كبير، وحاول الراثون أن يكشفوا في كتاباتهم السريعة عن قيمة الرجل وما تركه من أثر فيهم، وفي الساحة الثقافية الأردنية. ولكن {{صلاح حزيّن، بكلّ ما يمثله بالنسبة للثقافة الفلسطينية، وما يدور في فلكها، مرّ رحيله في بلاده عابراً تماماً، لأن بلاده تعيش زمناً لا تعنيه الثقافة الجادّة، ربما لأن الذين يملكون "أعنة" الثقافة في بلاده، لا يعرفون "الجياد" الأصيلة، أو لا تعنيهم هذه الجياد، حية أو حين تموت، لأنها أصيلة بالفعل، لكنها تعيش في زمن غير أصيل}}.

وداعاً أيها الصديق العزيز
وداعاً صلاح حزيِّن
وداعاً أيها المختلف عنا جميعاً، وأكثرنا هدوءً وجمالاً، يا صاحب اليدِ النظيفة واليد الطهارة
وداعاً صلاح...

------------------------------------------------------------------------------

1 - جدلية صلاح حزيّن،  صبحي حديدي، الحوار المتمدن بتاريخ 3/8/2009
2- صلاح حزيّن: الجياد تموت أيضا !؛ وليد أبو بكر، صحيفة (الأيام) بتاريخ 8/8/2009
3- رحيل يزهار سميلانسكي صاحب «خربة خزعة»: الروائي الشاهد على جرائم إسرائيل، صلاح حزيِّن، الحوار المتمدن، العدد 1662 بتاريخ 3/9/2006
4- نشرت المجلة الأسبوعية الملحقة بصحيفة "هآرتس" اليومية الإسرائيلية حديثاً طويلاً مع سامي ميخائيل بتاريخ 15/4/2005، احتل صفحة كاملة من صحيفة "السفير" اللبنانية التي ترجمته إلى اللغة العربية ونشرته في 18/4/2005، وفي الحديث المذكور تحدث ميخائيل عن الروايتين
5- عن الرواية الإسرائيلية المكتوبة بالعربية، إبراهيم محمد حمزة، الحوار المتمدن، العدد 2491 بتاريخ 10/12/2008
6- صلاح حزيّن: الجياد تموت أيضا !؛ مصدر سابق
7- قاص فلسطيني متميز، أصله من بلدة سيلة الظهر، جنوبي مدينة جنين، وهو مقيم في عمان الآن، ويعتبر من أكثر أصوات الاحتجاج علواً في الساحة الثقافية الأردنية الآن.    
8- إبراهيم زعرور بدأ حياته شاعراً وهو مقيم في عمان الآن، أما معين حوراني فكان مهندساً، وصالح أبو زينة مترجماً، والأخيران لا أعلم عن وجودهما شيئاً.
9- صلاح حزيّن: الجياد تموت أيضا !؛ مصدر سابق

8/10/2009