2009-10-08

بين ما ستقوله لجنة التحقيق حول تقرير غولدستون وما يجب أن تقوله

الكاتب: د. جورج جقمان / جامعة بيرزيت

من المعروف سلفاً ما ستقوله لجنة التحقيق عن موقف فلسطين في مجلس حقوق الإنسان في جنيف الذي أدى الى تأجيل التصويت على تقرير "غولدستون" وخسارة هذه الفرصة الثمينة، نظراً لأن الأغلبية المؤيدة قد تتبخر بعد ستة شهور من المساعي والضغوطات الاسرائيلية والأوروبية على الدول المؤيدة حالياً للتصويت على التقرير.

وسيتضمن تقرير اللجنة الإشارة الى الخروقات الإجرائية في اتخاذ القرارات سواء على صعيد منظمة التحرير الفلسطينية او السلطة الفلسطينية ايضاً، والى التداخل بين أدوار وصلاحيات كل منهما.

ولكن، هل سيتضمن التقرير اي شيء عن صواب القرار نفسه، اي اعطاء ضوء اخضر لآخرين لتأجيل التصويت وتفويت الفرصة؟ هذا هو السؤال الذي يجب على اللجنة الإجابة عنه ليس في عزلة فردية وإنما باستشعار عناصر مختلفة ممثلة او مؤثرة في الرأي العام الفلسطيني ومن منطلق المصلحة الفلسطينية العامة، وهي ليست ضرورة مصلحة السلطة الفلسطينية كما هي الآن او حتى أطر منظمة التحرير الفلسطينية كما هي الآن.

ما ستقوله لجنة التحقيق هو ما يلي: لقد كان هناك خلل اجرائي في اتخاذ القرار. فإذا كان التمثيل الفلسطيني في مجلس حقوق الانسان في جنيف هو تمثيل لمنظمة التحرير الفلسطينية فالقرار هو ليس لأفراد وانما للهيئات الممثلة، على الأقل، وستقول اللجنة إن القرار كان يجب ان يتم من قبل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وليس من قبل أي فرد واحد عضو فيها أو آخرين.

وستقول اللجنة ايضاً، إن اللجنة التنفيذية لا تسير حسب نظام داخلي مكتوب، او إنه لا يوجد مثل هذا النظام، او إنه اهمل لسنوات عدة وتم التفرد باتخاذ القرار في السابق وما زال الوضع على حاله. وستقول اللجنة ان هذا خلل واضح وبيّن يجب اصلاحه.

وستقول اللجنة ايضاً إنه يوجد تداخل بين دور منظمة التحرير الفلسطينية وعمل السلطة الفلسطينية، فبينما يوجد وزير خارجية للسلطة الفلسطينية، من غير الواضح ان ممثل منظمة التحرير الفلسطينية مسؤول تجاهه، سواء كان في جنيف او في مكان آخر. اذاً، من هو مسؤول المنظمة عن ممثليها في ارجاء العالم وعواصمها المختلفة؟

وستقول اللجنة إن هذه امور يجب اصلاحها، اي وجود نظام داخلي ناظم لعمل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وإنه يجري العمل بموجبه إن وجد، او تحديثه إن لزم، وستقول اللجنة انه يجب الفصل بين عمل السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية فصلاً واضحاً منعاً للخلط في الأدوار والصلاحيات.

لكن السؤال الأساس هو: هل ستكتفي اللجنة بهذا، وهل ستتعرض للسؤال الجوهري حول صوابية او عدم صوابية الموقف الفلسطيني في مجلس حقوق الانسان؟

لن يكفي ان تتعرض اللجنة للأمور الإجرائية فقط. إن الموضوع الآتي اكبر وأهم من آليات اتخاذ القرار على اهميتها. فالموضوع يتعلق بفرصة فريدة من نوعها، قلما تقع لوجود ردع لاسرائيل من خلال القانون الدولي الإنساني وتطبيقه في الواقع العملي لفرض حماية الفلسطينيين من بطش اسرائيل. الموضوع لا يتعلق بتاتاً بالخلاف الداخلي ولا يتعلق بحماس، انه يتعلق بحمايتنا جميعاً من اعتداءات اسرائيلية مستقبلية خاصة إن رأت اسرائيل ان لا رادع لها. مرة واحدة، فرصة ذهبية، لتوفير الحماية من خلال قوة ردع القانون الدولي الإنساني وتطبيقه من قبل الدول ذات العلاقة، فرصة حانت لحماية أنفسنا وأولادنا وأهلنا من بطش الآلة العسكرية الاسرائيلية من خلال عقوبات يؤمل منها ان تردع الفتك بالمدنيين الفلسطينيين، فرصة تم اهدارها.

كيف نحمي أنفسنا، كيف ندافع عن اطفالنا امام البطش والتنكيل والقتل الجماعي، هذه هي القضية، احدهم اهدر هذه الفرصة.
الموضوع يتعلق اذاً وأساساً بصوابية القرار وليس بالنواحي الاجرائية المتعلقة بمن قرر، وما اذا كانت له الصلاحية لاتخاذ القرار. فهل ستقوم لجنة التحقيق بابداء رأي حول هذا الموضوع؟

ولكن، حتى تبدي رأياً حول الموضوع لا بد لها من معرفة ابعاد هذا القرار الخاطئ. ما هي الابعاد وكيف يمكن للجنة تكوين رأي حول الموضوع؟
الأبعاد ليست فقط فلسطينية او محلية. لقد ترقبت منظمات حقوق الانسان العربية والعالمية اضافة للفلسطينية الموقف الفلسطيني باهتمام كبير لأنه يتعلق اولاً بفلسطين ولكنه لا يتعلق بفلسطين فقط، إن القانون الدولي الانساني، وهو مجموعة قوانين واتفاقيات لها علاقة بحماية المدنيين في اوقات الحرب، تم انجازها بعد الحرب العالمية الثانية لتفادي اهوال الحرب وآثارها على غير المقاتلين، اي حماية المدنيين، وهذا هو جوهر اتهامات تقرير "غولدستون" حول جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية، اي تلك المتعلقة بالمدنيين.

ومن المفارق والمخزي ايضاً أن القانون الدولي الإنساني تمت بلورته ومن ثم الاتفاق عليه ليس فقط بسبب فظائع الحرب العالمية الثانية وانما ايضاً بسبب ما حل باليهود في المانيا، اي بسبب المحرقة أو "الهلوكوست". وها هي اسرائيل تتنكر لهذه التشريعات مع انها تتاجر بالمحرقة لأغراض صهيونية، ازدواجية معايير؟ نعم.

مفارقة لا اخلاقية وانحطاط اخلاقي؟ نعم. كيف تتم محاسبة اسرائيل على هذا الانحطاط؟ كيف نحمي انفسنا من بطش اسرائيل؟ كيف يمكن للعالم اجمع ان يحمي المدنيين غير المقاتلين اثناء الحرب؟ هذه هي قضية منظمات حقوق الانسان في العالم قاطبة. القرار الفلسطيني لم يخيب آمالها فقط، وانما اضعفها وقوّض اركان مساعيها لجعل الدول المختلفة بما فيها اسرائيل تحترم القانون الدولي الإنساني.

في منظور هذه المنظمات لم يكن الأمر متعلقاً فقط بالحالة الفلسطينية، وانما ايضاً بالحالة الفلسطينية كاختبار للموقف الدولي حول امكانية تطبيق او عدم تطبيق القانون الدولي لحقوق الانسان، خيبة أمل عالمية، ولم تكن السلطة الفلسطينية، على مستواها المنشود أو مستوى مسؤوليتها. استغراق في الذات وفي المحلي وفي المصالح الضيقة وفي الآمال المعقودة على ادارة اوباما. خيبة امل على صعيد عالمي. نعم، عالمي وليس فقط المحلي. القضية اكبر و اعظم من السلطة الفلسطينية، وهي لم تكن على مستوى المسؤولية.

إن على لجنة التحقيق واجباً أخلاقياً وقانونياً ايضاً ان تتعرض لجوهر الموضوع وليس فقط للنواحي الاجرائية المتعلقة بمن قرر، وما اذا كان له الصلاحية لذلك، وهذا امر مفروغ منه، اي ان الصلاحيات ليست لأفراد، والخلل واضح وبيّن ولا حاجة للجنة لتقديم تقرير عن الموضوع.

جوهر الموضوع فيما يتعلق بالفلسطينيين هو، أن في موضوع مثل هذا، من كان يحق له اتخاذ القرار؟ الاجابة في الوضع الحالي وفي وضع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير واضحة. يجب اجراء مشاورات واسعة وملزمة ايضاً مع اعضاء المجلس التشريعي كافة، الممثلين المنتخبين عن الضفة والقطاع، اضافة الى منظمات حقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني ذات العلاقة واية اطر تمثيلية اخرى، اي رأي الشعب والناس من خلال ممثليهم ما أمكن ذلك في هذا الظرف، لأنهم هم من سيتحملون تبعات هذا القرار. الحكومة هي مجموعة من الموظفين المكلفين بتنفيذ ما يريده الناس وليست وصية عنهم تقرر ما تريد. الخلل هنا واضح، وإن لم يُقوّمْ فستكرر مثل هذه الكوارث.

والخلاصة اذاً هي: بما أن الجميع أحزاباً وفصائل ومسؤولين ومنظمات مجتمع مدني وحقوق انسان يتنصلون من القرار ويعتبرونه خاطئاً، العبرة بسيطة وواضحة: الغاء القرار الفردي وغير القانوني وإعلام العالم أن الموقف الفلسطيني هو مع متابعة توصيات تقرير "غولدستون" بالطرق المتاحة حالياً والعمل على ذلك، هذه هي النهاية المنطقية الوحيدة الممكنة لتقرير لجنة التحقيق. الغاء وتعديل الموقف الفلسطيني ومتابعة توصيات لجنة "غولدستون" فيما يمكن عمله الآن من اجراءات وما يمكن عمله مستقبلاً، حتى لو أن الفرصة الرئيسية قد ذهبت فما زالت هناك فرص اخرى لتدارك الموقف، حتى لو أن الفرصة الأهم قد هدرت.

7/10/2009