2009-03-07

عبــدالمجيــد حمـــدان

دخول الى حقل المحرمات

(1 )

قبل قرابة اربع سنوات قررت، ثم اعلنت ، توقفي عن كتابة المقال السياسي. كرست الوقت والجهد للبحث في القضية الفلسطينية ، أثمر في اصدار كتاب من جزئين، اسميته اطلالة على القضية الفلسطينية. صدر الجزء الأول في العام 2007 ، اما الجزء الثاني فهو قيد الطبع.

لم تكن المفاضلة بين جدوى البحث، وجدوى المقال السياسي ، هي ما شكل الدافع لإتخاذ قراري، وعلى النحو الذي أشرت، ولكن ربما لم يكن بمقدوري الجمع بين الاثنين ، كما طالبني، وألح، بعض الرفاق والأصدقاء.
وعلى أية حال، دفعتني الوقائع والحقائق العديدة، التي وقعت عليها في البحث، والتي تم حجبها بعناية وحرص عن صاحب القضية، المواطن العادي البسيط، المطالب دوماً بدفع فاتورة المقاومة، ثم احداث غزة الأخيرة، وتتابع تداعياتها ، الى العودة لكتابة المقال السياسي.

بداية لا يحتاج القاريء الى التذكير بأن عمر القضية الفلسطينية على وشك ان يجتاز عتبة القرن وربع القرن – 125سنة – من العمر . وخلال هذا العمر المديد لا بد أن يلاحظ المتمعن في مجريات واحداث ووقائع القضية ، بروز سمتين، من بين سمات كثيرة لها. تتمثل الأولى في ظاهرة الاستعجال لرؤية حل ونهاية للقضية وللمشوار النضالي ، والتي طبعت فكر سائر الأجيال التي تعاقبت على معايشة القضية، وممارسة النضال . كنا ، أيام الشباب، نفسر ظاهرة الاستعجال هذه بأنها نتاج ذهنية البرجوازي الصغير، ونفسه النضالي القصير. لكن الاستعجال ظلت تصدمه الحياة بواقع ان حلم الحل يواصل الابتعاد . وهو ما زال كذلك الى الآن يواصل الابتعاد .

وتتمثل السمة الثانية في أن الشعب الفلسطيني وقياداته، وقد اختاروا طريق المقاومة العنيفة ، وقدم كل جيل من الأجيال المتعاقبة حصته الجزلة من التضحيات ، حصد الخسران جيلاً بعد جيل. تواصلت خسارته لأرض الوطن، وحيث تضيع من تحت قدميه دونماً بعد آخر، وتواصلت خسارته لدماء ابنائه ، ولمقدرات معيشته، وقبل هذا وذاك، آماله في الحرية والكرامة والاستقلال والعيش الكريم.

وفي مجرى هذا العمر الطويل من النضال، ومن حياة القضية الوطنية ، وتلازماً مع هذه السمات جرى خلق وتثبيت وتكريس سلسلة كبيرة من المقدسات، واحاطة كل مقدس منها بحقول واسعة وأسيجة متتالية من المحرمات، تضع الاقتراب او مجرد محاولة الاقتراب منها ، في خانة المحاولة الاجرامية التي تستهدف المس بالمقدس، او نوعاً من السقوط في عتمات الهرطقة والزندقة، تستحق أكثر من الحذر والانتباه، الى الاستعداد للمواجهة فالصد فالحفاظ على قدسية المقدس هذا دون مس.

والاقتراب من قضية ما يعني محاولة اعادة التقييم، أي محاولة البحث عن الايجابيات والسلبيات، فاخصاب الاولى والحد من الثانية. لكن المقدس ، بطبيعة الحال، لا ينطوي الا على كل ما خيِّر. على الايجابي والصحيح. ومن غير الممكن ان تعتوره النواقص والسلبيات. ومن البديهي ان يكون خلواً من الاخطاء . واذن فان محاولة للتقييم لا تعني غير محاولة للتفتيش على النواقص او السلبيات او الاخطاء، غير الموجودة في المقدس . وان ما تستدعيه من النقد ، او محاولة التخلص من الخطأ، او سد الثغرات والنواقص ، لا تعني غير محاولة، بقصد مسبق ، للمس بهذا المقدس . والتزاماً بهذا غاب عن المسيرة الوطنية الفلسطينية ، على مدار القرن وربع القرن من عمرها ، مفهوم المراجعة، او اعادة التقييم، او دراسة فترة من عمرها، او اعادة النظر في بعض الوسائل او الادوات او الاساليب ..الخ.

ولا اعتقد بأن القاريء يحتاج الى التذكير ان القداسة تشمل من بين ما تشمل القائمين على المقدس . وفي موضوعنا هنا فإن ما عرف باسم القيادات الوطنية والسياسية ، الميدانية والعليا ، وفي مختلف مراحل القضية الوطنية ، حازت هي الأخرى على هذه القداسة. وهكذا ظلت القيادات، بما فيها الانظمة العربية، محصنة ضد أية محاولات للتقييم ، تقييم الفكر، الأداء، السياسات ..المصالح، الذاتيات ، المطامح ..الخ.

ولأن القيادات حازت هذه القداسة ظل سهلاً عليها اخفاء مطامعها ، او اهدافها الذاتية ، او مصالحها الخاصة ، والتي كثيراً ما تعارضت حتى التناقض مع المصلحة الوطنية الفلسطينية . اخفتها او خبأتها  تحت الشعارات الوطنية . والمدهش ، كما اوضحت لي الدراسة التي انجزتها، ان القوى ، الانظمة، الاشخاص ، الذين تناقضت مصالحهم مع المصلحة الوطنية ، ظلوا الاعلى صوتاً ، والأكثر صخباً وضجيجاً في رفعهم للشعارات الوطنية ، وفي المقدمة شعارات المقاومة والصدام العدو الصهيوني، ثم مع الاحتلال .

ومع ان مسيرة القضية الوطنية ، على مدار القرن وربع القرن الماضيين، تميزت بانتقالها من خسارة الى خسارة، رغم التضحيات الهائلة التي واصل الشعب الفلسطيني ، تقديمها ، الا ان هذه الخسارات لم تحفز احداً على محاولة الاقتراب من المقدس، وهو النضال الوطني في حالتنا هذه ، لاعادة الدراسة او التقييم، وبما يبدو ان القوة التي كسبتها هذه المقدسات، صارت من الضخامة بحيث غدت قادرة على ردع أي محاولة للاقتراب من المقدس ، وهي في مرحلة التفكير ، او قبل لحظة البدء بها.

الخسارات ، وفي كل مراحل النضال ، دفعت الى التساؤل . ولكن لماذا؟. وكيف؟ لكن ولأن المقدس ، وهو النضال الوطني هنا ، لا يعرف الا الصحيح والايجابي ، ولأن اخلاص، غيرة ، نوايا وقدرات القائمين على المقدس، وهم القادة على مختلف مراتبهم ، لا تشوبها شائبة ، فلا بد أن تكون الأسباب ، او العوامل ، التي ادت الى الخسارة ، خارجية.

وعلى مدار القرن وربع القرن الماضيين، ظلت الاجوبة على لماذا وكيف حاضرة، جاهزة ، وتعاود التكرار بعد كل خسارة . الحركة الصهيونية ومؤامراتها في الماضي ، وحكومة اسرائيل ومؤسساتها واطماعها في التوسع والضم، ومكائدها ، ونقضها للعهود  ، وتراجعها عن الاتفاقات ، وانتهاز الفرص للانقضاض على المكتسبات .. والمصادرة والضم والتوسع ..الخ  هي وحلفاؤها المسؤولون .

هل يحتاج القاريء الى تذكير بأن روحية النضال الوطني تتناقض مع الثقة ، او حسن الظن، بنوايا واهداف كل من الحركة الصهيونية واسرائيل ؟! لا نعتقد ذلك .

من البداية ، منذ اول عملية للحركة الصهيونية باقناع، تنظيم، وتحريك أول مجموعة مهاجرين الى فلسطين، كان واضحاً ان الهدف هو افراغ فلسطين من اهلها، واحلال هؤلاء المهاجرين مكانهم . ظل هذا الهدف ثابتاً منذ موجة الهجرة الاولى ، والى يومنا هذا ، وسيبقى الى سنوات طويلة قادمة .

لا أظن ان احداً في القيادات الفلسطينية ، وعلى مدار القرن وربع القرن، من عمر القضية ، شك للحظة، ان الصهيونية ثم قيادة دولة اسرائيل، تزحزحت عن هدفها هذا . لم تستهدف موجات المهاجرين نقل الحضارة الى الشرق الأوسط . لم يحركها العطف على شعبنا . ولم تحركها نوايا فنية العمل على مساعدته للخروج من ارث التخلف الثقيل الذي تراكم على مدار قرون طويلة سابقة . جاءت موجات الهجرة، وتجيء ، كي تقتلع مجموعات من شعبنا من ارضها، ولكي تحل محلها . القيادات الاسرائيلية والصهيونية على مدى الفترة الماضية غيرت من لهجتها الدعائية ، عندما واجهتها صعوبات على طريق طرد شعبنا والحلول محله . تحدثت وتتحدث كثيراً عن السلام والتعايش والحل السياسي وحل الدولتين ..الخ، ولكنها ما ان تسنح لها فرصة حتى تنقص وتمسك بها ، وحتى تخطو، خطوة او خطوات، ضيقة او واسعة ، على طريق تحقيق اهدافها .

يلفت النظر ان القيادة الاسرائيلية دأبت على انتظار طاقة الفرج التي تقدمها لها القيادات الفلسطينية والعربية، لتخرج من مأزق، او مآزق ، تضييق الفرص على تطبيق برامجها وخططها وتحقيق اهدافها .وانما ظلت القيادات الصهيونية والاسرائيلية ، تنتظر اخطاء القيادات الفلسطينية والعربية، لتنقض عليها، ولتستغلها في ازالة العقبة او العقبات التي قد تعيق تطبيق برامج اهدافها.

هكذا اذن فان اعادة المسؤولية الى سوء النوايا الاسرائيلية ، او الى الاطماع، ومسلسل المكر والخداع، والتنصل من الالتزامات والاتفاقات ، يفترض ان لا تسعف الذين دأبوا على استخدامها مشجباً يساعدها على التنصل من اخطائها وآن الأوان لكي يقال للقيادة التي تعتمد الثقة او حسن الظن، بالنوايا الاحتلالية ، انها هي من يبادر الى المس بالمقدس الذي تحتمي خلفه . كما آن الأوان  لأن يقال بأن تكرار تعليق المسؤولية على مشجب الاحتلال لا يدلل على قدرة خاصة لهذا القائد او ذاك، وانما يدلل على نقص مريع في هذه القدرة.

نخلص الى القول بأنه ، ربما ، آن الأوان كي يتجرأ احد ويحاول الدخول الى حقول المقدسات الفلسطينية ، آملاً في شق الطريق نحو محاولة تقييم ، وعسى ان تقود الى ما يساعد على وضع حد لسلسلة الخسارات الفلسطينية المتتالية.

لقد أشرنا الى ان النضال الوطني هو المقدس العام الذي يحوي سلسلة متطاولة من المقدسات منها المقاومة المسلحة ، اساليبها ، وسائلها ، ادواتها .. قياداتها .. شعاراتها ...الخ.

واذن وبعد هذه المقدمة الطويلة دعونا ندخل احد حقول مقدس المقاومة ، وهو الوسيلة المستخدمة الآن من قطاع غزة، أي اطلاق "صواريخ!" وقذائف هاون، من القطاع ، على اهداف اسرائيلية ، مدنية بالأساس ، تحيط بقطاع غزة.

في أوساط التنظيمات الفلسطينية ، يدور جدل خجول ، حول جدوى هذه الوسيلة ، أي حول  حجم ما نلحقه من ضرر بالبلدات والمستوطنات المستهدفة . واذا ظهر شيء في العلن، يقال بأن هذا العمل يتعارض مع المصلحة الوطنية العليا، الأمر الذي يستدعي رداً معاكساً.

واذن سوف اتجاوز مسألة ان هذه الوسيلة هي موضوع خلاف داخلي فلسطيني . وسوف افترض ، استناداً الى اقوال المتبنين لها، بان هذه الصواريخ هي شديدة الفعالية ، دقيقة التصويب ، مثلها مثل الصواريخ الاميركية التي انهالت على بغداد، في بداية الحرب على نظام صدام . كما سوف اتجاوز وقائع قمع المنفذين لعمليات الاطلاق لاعتراضات المواطنين الذين جلب الرد الاسرائيلي الدمار على بيوتهم وممتلكاتهم، وأودى بحياة افراد من اسرهم.

اذن ومع قبول فرضية ان هذه الصواريخ ، وقذائف الهاون ، تلحق اضراراً جدية بالطرف الاسرائيلي، فلنا ان نسأل: هل الهدف من استخدام وسيلة المقاومة هذه يتوقف عند حد الحاق الضرر فقط بالجانب الاسرائيلي، ام يتجاوز الضرر الى هدف ابعد ؟!

في ضوء تسابق قوى المقاومة الفلسطينية على الاعلان عن عمليات تعتمد هذه الوسيلة ، وفي ضوء معارضتها للتفاوض مع العدو، وهو ما سنتوقف عنده في مقالة لاحقة، والقول بهدف التحرير ، لكامل فلسطين، او للمناطق المحتلة بعد حزيران 67 ، لا بد ان نحاول استجلاء هذا الهدف الأبعد.

تسأل اولاً هل ترى قوى المقاومة من قطاع غزة ان مسؤولية تحرير الضفة والقدس باتت واقعة على عاتق قطاع غزة ؟! ام ان عمل المقاومة هذا هو المقدمة ، او هو البداية بدء مرحلة التحرير الكامل؟ بمعنى الانطلاق لتحرير محيط قطاع غزة، ثم محيط اوسع .. وثالث اوسع حتى التحرير الكامل؟!

لقد عملت كل الثورات الناجحة ، عبر التاريخ ، على تحرير منطقة ، وتحويلها الى قاعدة انطلاق لتحرير باقي اراضي الوطن . والسؤال: هل يصلح قطاع غزة ، وهو منطقة محررة ، ليشكل قاعدة الانطلاق هذه ، سواء لتحرير القدس والضفة ، او لتحرير كامل فلسطين؟!

يعلمنا تاريخ الثورات ان قواعد الانطلاق للتحرير تتوفر لها عوامل او سمات،  مجموعة يتقدمها امتناع اجتياحها من قبل قوات العدو . يلي ذلك تمكين القيادة من ضمان توفير كل وسائل الأمان  والعيش للمقيمين فيها ، وفي المقدمة امتناع قطع هذه الوسائل على العدو . أي ضمان توفير وسائل القتال، وسائر متطلباته ثم الغذاء ، الدواء ، الماء ، اللباس ..الخ من وسائل العيش، للقوات وللأهالي وحتى الكهرباء والاتصالات والمواصلات ، والاحتياجات المعيشية الأخرى .الخ، دون لجوء  استجداء العدو على توفيرها.

لا يتمتع قطاع غزة بأي من مواصفات قواعد الانطلاق للتحرير . فهو وبحره جزيرة صغيرة يحيط بها العدو من كل جانب ويسيطر عليها سيطرة مطلقة. ومن غير المعقول ان يطالب المقاوم من عدوه الذي يسعى الى طرده، ان يمده بوسائل العيش المختلفة . هذا امر لم تعرفه الثورات، كما لم تعرفه الصراعات بين الدول . ناهيك عن قواعد الانطلاق للتحرير. فالحرب بين دولتين اول ما تطيح به هو العلاقات التجارية والاقتصادية والمالية ..الخ . وعلى العكس، وشواهد الحرب العالمية الثانية كثيرة، تستهدف الدول المتحاربة وسائل عيش بعضها. تحاول قطع امدادات التموين ، قطع المواصلات ، قطع طرق الاستيراد .. تدمير البنى التحتية ..الخ ولم يحدث في التاريخ ان طلبت قوة مقاومة او ثورة من عدوها مدها بالغداء او الماء او الكهرباء او النفط او الغاز او الدواء ..الخ .

ولعله من نافل القول ان التذكير بأنه اضافة لكل ما ذكر لا بد ان يتوفر لقاعدة  الانطلاق للتحرير ضمانات استمرارية التواصل والاتصال مع العالم المحيط والخارجي .. وهو امر غير متوفر في قطاع غزة .
لا تعير قوى المقاومة في القطاع اهتماماً لكل ذلك. وعلى العكس تقول بان من حقها ان تقوم اسرائل بمدها بكل ما تطلبه .. وهو جوهر المطالبة بما تصفه بفتح المعابر .. وانسياب حركة الاستيراد والتصدير عبرها .. لكن لنتجاوز ذلك الآن مع وعد بعودة في مقال قادم .

لنفترض اذن ان الصواريخ والقذائف الفلسطينية ، وان ضغط الرأي العام ، كل ذلك سوف ينجح في تقييد ايدي اسرائيل، وتحقق للمقاومة الهدف المعلن ، وهو دفع اهالي سديروت والمستوطنات والبلدات الاخرى ، الى اخلائها . هنا يبرز سؤال: وماذا بعد؟!

الافتراض بقدرة قطاع غزة على القيام بدور قاعدة الانطلاق للتحرير ، يتبعه الافتراض بأن القوى الفلسطينية ستندفع الى الاطاحة بالسياج المحيط بقطاع غزة، والوصول الى هذه البلدات المخلاة والتمركز فيها ، لتكون قاعدة الانطلاق المحررة الجديدة ، نحو خطوة تحرير اخرى . هنا يبرز سؤال: هل تضع قوى المقاومة في القطاع هذا الأمر في اعتبارها ، وهل تستعد للقيام به مستقبلاً.

كل الشواهد الفلسطينية تجيب بلا على هذا السؤال. نقول الشواهد الفلسطينية لأن عاقلاً لا يمكنه ان يتخيل ان اسرائيل ستقف مكتوفة الايدي ، حتى لو انقلب عليها الحلفاء ، وبعدهم العالم ، ليتحقق مثل هذا السيناريو . فقبل ان تقبل اسرائيل، ثم تقر، باحتمالية اندحارها ، وبالتالي تلاشي ، او تقلص مجال دولتها ، ستقدم على محاولة انقاذ نفسها بتدمير تام وكامل لخصمها.

اذن ما الذي يستهدفه الساسة المصرون على استخدام اطلاق الصواريخ وقذائف الهاون، على البلدات الاسرائيلية المحيطة بالقطاع ؟
اذا ما توقفنا عند مضمون التصريحات التي اعقبت عملية اجتياح غزة الاخيرة ، يمكن ان نستنتج ان وسيلة المقاومة، الصواريخ والهاونات ، تستهدف استفزاز اسرائيل ، واستدراجها لاجتياح القطاع ، كما حدث في العملية الاخيرة . الصواريخ والهاونات لم تلحق حتى الآن ضرراً ملموساً في البلدات الاسرائيلية . وهي لم تدفع السكان الى البحث عن بديل قبل المغادرة . كل ما تفعل هذه الصواريخ والهاونات  هو المس بهيبة الدولة ، دولة اسرائيل . واي حكومة اسرائيلية يسارية قبل ان تكون يمينية، لا تستطيع السكوت طويلاً على المس بهيبة الدولة . والطبيعي ان تقوم اسرائيل بعمليات رد ، او اجتياح ، تتصدى له قوى المقاومة الفلسطينية ، وتمنع قوات الاجتياح من تحقيق اهدافها، الامر الذي يؤدي الى تآكل قدرة الردع الاسرائيلية مرة بعد اخرى، وحتى بلوغ تراجع ثقة المواطن الاسرائيلي بقدرة دولته على حماية أمنه، فدفعه للبحث عن وطن بديل . هذا هو جوهر ومضمون تصريحات كل القائلين بتحقيق انتصار فلسطيني على عملية الاجتياح الاسرائيلية الاخيرة، واتباعها بالاصرار على رفض تهدئة طويلة الامد، واستبدالها بتهدئة مؤقتة، لسنة او لثمانية عشر شهراً ، مع مواصلة الاصرار على التسلح بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة .

واضح ان اكتظاظ قطاع غزة الشديد بالسكان هو عامل النجاح الأساس المفترض لهذه الاستراتيجية . واذا ما اخذنا سياسة حفر الانفاق ، والتهريب عبرها ، في الحسبان ، يتضح ايضاً ان اصحاب هذه الاستراتيجية وجدوا بديلاً لسياسة اعتماد المنطقة المحررة ، قاعدة الانطلاق للتحرير، على العدو، في تأمين وسائل المعيشة لأهالي القطاع.

ومع الاعتراف بصحة اللجوء لهكذا بديل ، يوفر الضمانات التي تحتاجها المنطقة المحررة ، كي تصبح قاعدة انطلاق لاستكمال التحرير ، فان واقع استخدام هكذا بديل ، يجبر المراقب على اللجوء الى المساءلة .

اللجوء هكذا بديل يعني وضعه بصرامة تحت مراقبة مشددة من قوى التحرير ، ومنع استخدامه لاغراض لا تتعلق بضمان توفير وسائل الصمود لاهالي المنطقة المحررة الى القطاع، وهو ما لم يحدث منذ بدء اللجوء لهذا البديل . فالاستخدام هذا عانى من كل السلبيات التي تمسك بتلابيب العمل الفلسطيني ، وبحيث جعل مطالب اسرائيل في اقفاله تحظى بشيء من الموضوعية والشرعية .

وعلى أي حال يمكن القول بان استدراج العدو للمناطق السكنية ، واغراقه في بحر المقاومة ، امر عرفته الكثير من الثورات وحروب المقاومة . لكن كان لا بد من تهيئة عوامل تمكن هذا التكتيك من احراز النجاح . أي تمكن اصحاب الارض من احراز نقاط تفوق على العدو ، فتنزل به خسائر تعمل على تآكل قوته ، وبالتالي على الوصول الى هدف اضعافه فدحره . وفي حال عدم توفير هذه العوامل فقد ينقلب الحال الى عكس المتمنى والمطلوب .. كيف ؟!

في مثل اكتظاظ قطاع غزة فإن أي اجتياح ، بالقدرة النارية والتدميرية الاسرائيلية ، والتي نعرفها ،  - اسرائيل استخدمت قرابة واحد من عشرين من قوتها - سيحدث دماراً هائلاً ، كما حدث في الاجتياح الأخير. واذا لم تتوفر احتياطات مسبقة لحماية ارواح المدنيين ، فإن حجم الضحايا البشرية في منطقة الاجتياح سيكون هائلاً. وبديهي انه في حال عدم خروج المدنيين من مناطق الاشتباك، فإنهم سيشكلون عبئاً ضخماً يعترض القوة المقاومة. والنماذج التي نعرفها من الحرب العالمية الثانية ، والحروب التي تلتها، وهي عديدة، تقول بأن احتمال النجاح باضعاف قدرة العدو، يأتي من قدرة المقاومة ، صاحبة البلد، على استغلال اطلال المناطق المدمرة لاعداد المصائد ، وغيرها ، من وسائل ضرب العدو ومنعه من تحقيق اهدافه.

ما الذي يعنيه ذلك؟ يعني ان استخدام الكثافة السكانية في القطاع لهكذا استراتيجية، يجب ان تسبقه استعدادات من مثل بناء شبكة ضخمة من الملاجيء ، تحت الابراج، والبنايات السكنية الأخرى ، وفي المناطق المفتوحة، وشبكة من انفاق التموين والاتصالات ، والتخزين، بما فيها مستشفيات تحت ارضية ..الخ. وبما يعني العناية بمقرات الامم المتحدة كملاجيء يحظر بحزم وحسم  على المقاومة الاقتراب منها ، وبما يعني سلسلة اخرى كبيرة من الاستعدادات الاحتياطية ، للحفاظ على حياة المدنيين وضمان معيشتهم وامنهم.

من غير المعقول التصور بامكانية شن عمليات مقاومة ناجحة من بين تجمعات المدنيين . مثل هذا التكتيك هو صالح تماماً في العمليات الثورية، وفي طور اضرب واهرب منها. لكنها غير صالحة في مواجهة حركة جيوش زاحفة . واذا حدث ذلك، ومهما قيل عن شرعية المقاومة، فان اللجوء الى المقاومة من بين التجمعات المدنية ، والقبول بخسائر هائلة في الارواح بين هؤلاء المدنيين، لا يمكن اعتبارها الا كاستغلال للمدنيين كدروع بشرية.

اظهر الاجتياح السابق ان هكذا استعدادات غير موجودة. ومن غير المعقول ، كما هو غير مقبول ، ان تلجأ القيادات السياسية الى طوابق المستشفيات الارضية للاحتماء ومواصلة قيادة المعركة . ومن غير المعقول ان تستخدم المقاومة المستشفيات والأبراج السكنية سواتر لهجماتها .. الامر الذي يستدعي تدمير هذه المستشفيات والأبراج كما حدث اخيراً في قطاع غزة.

الاجتياح الاخير حفز الرأي العام العالمي لاخراج ما وصف بمشروع اعادة اعمار غزة . لكن اذا كان تكتيك المقاومة ، لاحداث ضعف متراكم في قدرة الردع الاسرائيلية، يستدعي تكرار الدورة كل عام ونصف ، او كل عامين او ثلاثة ، فهل نتوقع ان يهب الرأي العام كل مرة ، لاطلاق مشروع باعادة الاعمار؟! وقبل ذلك وبعده ، ونحن نتحدث عن صمود اهالي القطاع، هل يدرك هؤلاء الاخوة ، وهل يعون حجم التضحيات المطلوبة منهم، والمترتب عليهم دفعها في كل مرة ؟! وهل صحيح الادعاء ، والمواطن لم يملك أي خيار آخر، بأن المواطن اختار الصمود، كما اختار طريق المقاومة المستمرة ؟ وهل صحيح ان هكذا تكتيك سيكون مؤهلاً للنجاح في احداث ضعف متراكم في قوة الردع الاسرائيلية؟!

ولعلنا اخيراً نسأل الا تختبيء مصالح ذاتية واطماع اخرى خاصة تحت تكتيك كهذا ؟ مصالح وأطماع يحجبها ، كما في مراحل القضية قبل العام 48 ، صخب الشعارات ، وضجيج المنافسة ؟!

لمراسلة الكاتب عبر البريد الالكتروني التالي : abdulmajidhamdan@yahoo.com

7/3/2009