2009-01-22

خالد منصور
عضو المكتب السياسي
حزب الشعب الفلسطيني

المحرقة الصهيونية طالت مقر الإغاثة الزراعية

أيدي التتار طالت كل شيء في غزة، قتلت وحرقت ودمرت وجرفت.. وأشلاء ضحاياها تناثرت في كل مكان.. أطفال ونساء وشيوخ شوهت جثثهم.. وجرحى بالآلاف فقدوا أطرافهم وأصيبوا بإعاقات أبدية.. الدم سال وجرى انهارا وغطى شوارع وأزقة وساحات المدن والبلدات والمخيمات.. تجاوزت الجرائم بوحشيتها كل حد.. ولم تسلم من الهمجية الصهيونية حتى دور العبادة والمدارس والمستشفيات ومقرات المؤسسات الدولية ومكاتب وسائل الإعلام وسيارات الإسعاف.. كل ذلك وليفني وباراك واولمرت ومعهم رئيسهم الدجال الكبير بيرس يمارسون الكذب على طريقة النازي غوبلز ( اكذب ثم اكذب ثم اكذب لعل البعض يصدقك ) ويتحدثون لوسائل الإعلام عن حرصهم على عدم المساس بالمدنيين وبالبنى التحتية وأنهم ينظرون إلى سكان غزة كجيران طيبون لا يكنون لهم أي كراهية أو حقد..

    لكن الصور التي شاهدها العالم كله كشفت زيف ادعاء قادة دولة الاحتلال، وأظهرت بما لا يدع مجالا للشك، بان الجنود الإسرائيليون عملوا وفق مبدأ الأرض المحروقة، ونفذوا المحرقة التي كانوا قد هددوا سكان غزة بها، وعملوا وفق خطة مدروسة تدربوا عليها منذ أعوام، فعمدوا إلى إبادة البشر والشجر والحجر، بعقلية مجنونة محتقنة بروح الانتقام والثار، فلم ترتجف لهم يد، أو تتحرك أحاسيسهم، وهم يسمعون صراخ الأطفال ونواح النساء وانين الجرحى، حتى ولم يقفلوا أنوفهم وهم يتنشقون روائح الجثث المتعفنة..

    والى جانب مدرسة الفاخورة ومخازن الانروا، وعشرات المساجد والمؤسسات والأبراج السكنية، صب المحتلون جام غضبهم وحقدهم الدفين على مقر مؤسسة الإغاثة الزراعية الفلسطينية، فدمروا المبنى المؤلف من طابقين بقذائف الدبابات، وحرقوا الأثاث والمقتنيات بعد أن كانوا قد استخدموه كمقر مؤقت لقواتهم، وتركوه وكأن زلزالا رهيبا قد ضربه.. وكأنهم يريدون أن يرسلوا رسالة للفلسطينيين وللعرب وللعالم كله، بان دولة إسرائيل مستعدة للمضي حتى النهاية بالتنكر لأبسط المعايير الأخلاقية التي تعارفت عليها البشرية منذ فجر التاريخ..

    ومثلما أكدت مئات الشواهد على زيف ادعاءات جيش الاحتلال بأنه لم يقصف الا المباني والأماكن التي يحتمي فيها مسلحون.. فان تدمير مقر الإغاثة الزراعية-- وهي المؤسسة المدنية المعروفة بتخصصها بعملية التنمية وتعمل منذ أكثر من ربع قرن وفق سياسات هادفة لتعزيز صمود المزارع الفلسطيني على أرضه ببناء قدراته وتوفير ما أمكن من مقومات الصمود إليه-- فإن قصف مقر هذه المؤسسة يكشف بجلاء الوجه القبيح جدا لدولة الاحتلال، التي لم يعد بإمكانها التشدق بعد اليوم بأنها راغبة بالتوجه للسلام، وبأنها واحة الديمقراطية حافظة حقوق الإنسان.. وسيشكل تدمير مقر الإغاثة الزراعية شاهد آخر يضاف إلى عشرات الشواهد-- التي حتما ستتحول يوما ما إلى قضايا ترفع ضد المحتل في المحاكم الدولية.

    إن تدمير مبنى الإغاثة الزراعية يعنى إلحاق الضرر بمصالح عشرات الألوف من مزارعي وفقراء قطاع غزة، الذين ما أن شاهدوا ما حصل لهذه المؤسسة من دمار حتى عمهم الحزن والأسى والغضب، وهم الذين كانوا الفئة المستهدفة لعمل الإغاثة الزراعية ولطالما استفادوا من برامجها وخدماتها.. ويبدوا أن الاحتلال أراد من وراء قصف مقر الإغاثة الزراعية الإمعان أكثر في إفقار سكان غزة، وحرمانهم من المؤسسات التي كانت تمد لهم يد العون والمساعدة، وتساهم في تطوير وتحسين مستوى حياتهم.. كما يبدوا أن المحتل أراد أيضا تعطيل أو شل كل الروافع التي من الممكن أن تعمل على تسريع عملية إعادة بناء ما دمره الاحتلال وانتشال سكان غزة من هذا الواقع المريع الذي خلفه الاحتلال بعد إنهاء عدوانه.


21/1/2009