2009-01-19
تسونامي القادم والعلاج

الكاتب: عصام بكر

مع اعلان وقف اطلاق النار وسكوت دوي القذائف والغارات ولو مؤقتا وتبادل التصريحات واعلانات النصر والانتصار وبعد أن يخيم الصمت والتقاط الانفاس ولو قليلا لانتشال الجثث من ضحايا العدوان الطاحن على قطاع غزة، بانتظار جولة أخرى، ربما من "الرصاص المنصهر" مع تغير بالاسم وحجم العدوان ونوع الاسلحة المستخدمة وربما ايضا فترة العدوان بناء على تقديرات المستوى الأمني والسياسي وبعد تقدير ردود الفعل على المستوى الاقليمي والدولي التي ستشجع بهذه الطريقة أو تلك وتجد مبررات جديدة لحق "دولة اسرائيل" في الدفاع عن نفسها امام استمرار "الارهاب" الفلسطيني.
ولعل من بديهات الامور بالنسبة لحساب الربح والخسارة رغم الاجحاف في اجراء المقارنات التي غالبا ما يجري توظيفها في غير حسابات دقيقة ولا ضمن معطيات ومعايير تستند الى منطق الاشياء، في مقدمة تلك البديهات ان هذه الحرب المجنونة حملت في طياتها نوعا جديدا وأرست قواعد جديدة ربما ستصبح اساسا في الحروب القادمة سواء في منطقة الشرق الاوسط وحتى على نطاق أوسع وأبعد من ذلك من حيث كثافة النيران، الاسلحة المستخدمة العدد الكبير من المدنيين الذين سقطوا فيها وتقديرات مؤسسات دولية تشير الى أن أكثر من 43% من الضحايا هم من المدنيين، ثم اذا ذهبنا الى مسألة الدور الذي من المفترض ان يلعبه المجتمع الدولي وما يسمى بالأسرة الدولية سنجد أن وقوف العالم الرسمي متفرجا هو سيد الموقف وفي بعض الاحيان كان سيد الموقف دون ان يحرك ساكنا لكل طرف حسابات وتقيم مختلف باختلاف الزاوية والرواية والهدف الذي يسوقه في معرض ايجاد مبررات وعوامل للنصر والتغني به او للاشارة الى البقاء وعدم استنفاذ وسائل المنعة والغلبة والتفوق سواء على المستوى الاخلاقي أو العسكري أو حتى التطلع الى صيغة المواجهة القادمة وتحديد شكلها وتوقيتها.
الجانب الاسرائيلي يتحدث عن تقليم اظافر المقاومة "وليس انهائها" وعن تحقيق كامل اهداف العملية واستعادة قوة الردع المفقودة في لبنان حزيران 2006 عبر جثث واشلاء الشهداء والاطفال والنساء والشيوخ وهدم البيوت والمساجد والجامعات، والمقاومة تتحدث عن ارادة لن تنكسر وصمود اسطوري ومعجزة الهية فريدة من نوعها تتحقق، وترسل رسائل التطمين ان المقاومة بخير والقضية بخير.
بعد كل هذا يحق لنا و نحن ننفض غبار الاتربة عن منازلنا المهدمة بفعل احدث تكنولوجيا القتل واسلحة "النبالم" الحارقة والفسفور ان نسأل هل انتهى كل شيء وانقشع ضباب المعركة على نصر ؟؟ وما هي محددات هذا النصر وكيف نحافظ عليه ان وقع ؟؟
هذه الاسئلة ليست للتشكيك في قدرة شعبنا على تحقيق معجزات ولا تراجعا عن ايمان عميق بحتمية النصر وتحقيق الاهداف والطموحات، وانما تنبع من احساس بالمسؤولية وثقل المرحلة المقبلة ودقة اللحظة التاريخية التي نعيش وخطورتها على مستوى الشعب والقضية والمستقبل فباسم من؟؟ يجري ما يجري وتكبد هذا العدد من الضحايا والخسائر ولا نستطيع فتح نقاش جدي وجريء واسماع رأينا فيما يجري فباسم دمنا واشلاء اطفالنا يجري الحديث عن مقاومة وباسم مستقبل شعبنا يجري الرهان على محو القدم الهمجية وكنس المعتدين .
من هنا من المؤكد ان المنطقة مقدمة كما في كل مرة تجري فيها جولة من الصراع عبر حرب مجنونة يشنها الاحتلال على شعبنا على "حراك" سياسي من نوع ما ! فالحرب لم تكن على غزة ولا على لون سياسي وانما هي اساسا تستهدف تمرير مخططات عدوانية في محاولة لانهاء القضية الوطنية برمتها، والمنطقة على عتبة تغيرات متوقعة واخرى لا يمكن توقعها لها اسماء معنية وواضحة واخرى تحمل مفاجآت قد يبدو بعضها سارا للوهلة الأولى ولكن تبعات ذلك من الخطورة بمكان بحيث انها ستقلب ربما موازين وترجح موازين اخرى.
اذن المشهد القادم "تسونامي" جديد يعصف بنا سياسيا وجغرافيا يمزق ويوحد بزلزال هبوطا وصعودا لكن الخارطة لن تبقى كما هي، لعلاج ذلك بعد أن نفيق من صدمة وهول المفاجأة وربما نستطيع تلافي حدوثه ان "شئنا" علينا ان نستخلص العبر مما جرى فورا بروح النقد والمساءلة وحرص المؤمنين بعدالة القضية وقدسيتها، فيها نفتح ورشة عمل وطنية كبيرة بمشاركة الكل الوطني والشعبي الرسمي وغير الرسمي الجميع مدعو للادلاء بدلوه فلا احد يملك لوحده ان يقرر مصير الشعب والقضية، علاج الضربات المتوقعة لتسونامي يأتي من خلال المثابرة للعمل الفوري لتلافي قدر الامكان الوقوع في الفخ الذي يعد بتحويل قضية شعبنا من قضية وطنية الى قضية مساعدات انسانية او قضية جزء "ارهابي" او معتدل وهذا يتم من خلال ارضية محددة تتمثل في اعلان صراحة اننا نعيش جميعا مرحلة تحرر وطني علينا ان نكرس كل طاقاتنا وامكاناتنا لانجازها وان صراعنا هو مع احتلال يمارس كل اشكال ارهاب الدولة لقتل حلمنا ومستقبل اطفالنا وان نضالنا المشروع سيتواصل وفق آليات متفق عليها بالشراكة السياسية من الجميع وان علينا ان نعيد القطار الى عربته الصحيحة، ونتفق ان ننقل القضية مجددا الى الهيئات الدولية من جديد بصفتها قضية تحرر وطني بخطاب سياسي واضح لا لبس فيه.
هدف العدوان لم يكن فقط اسكات "الصواريخ" كما تدعي حكومة الاحتلال وانما القضاء على أي فرصة لانهاء الانقسام وهذا ايضا ينبغي اليقظة تجاهه فتكريس الانقسام الداخلي يعطي اسرائيل فرص ذهبية لتنفيذ ما عجزت عنه طوال سنوات الصراع عبر العقود الماضية، وهو ما يتطلب معالجة للانقسام فورا واسدال الستار على صفحة سوداء من تاريخنا والترفع عن خلافات عبر التلاقي في مصالحة وطنية شاملة وجدية، فالعدو يهدف الى ادخال ساحتنا في المزيد من التأزيم الداخلي خلال الفترة المقبلة عبر وسائل وطرق عديدة، فالوضع الداخلي لا يحتمل المزيد من الكوارث ويكفي ما اصاب القطاع من جرح سيظل داميا الى فترة طويلة.
تسونامي القادم ولعبة خلط الاوراق الداخلية والاصطفافات للقوى والفعاليات التي امتدت الى العمق العربي وادخالنا في لعبة متاهات "التطرف" و"الاعتدال" والمحاور الاقليمية ستكلف قضية شعبنا غاليا وسندفع ثمنها ليس فقط ارواحا بريئة وانما ايضا ثمنا سياسيا كبيرا، فلا داعي لفتح قضية "التمثيل" وجداره التمثيل وبناء الاوهام باحتضان البعض لنا وترك البعض الاخر لاننا سنغرق جميعا ونخسر جميعا نخسر بعضنا اولا ثم عمقنا العربي واحترام العالم لنا، منظمة التحرير ليست ارضا بور وهي كينونة شعبنا وبيته الوطني وليست محل تنازع او خصام وانما جبهة وفاق ولقاء بالرغم من كل الملاحظات على اداء مؤسساتها وبرامجها ولجانها ولكنها انتزعت صفة وحدانية التمثيل وشرعيته بالدم وهي ليست للمساومة أو الانتقاص من الثوابت، فتعالوا نعيد بناء ما "تقادم" منها على اسس الشراكة والعمل الوحدوي والمصلحة الوطنية.
توقف القصف والقذائف وهدير الطائرات والدبابات ربما لكن الامر الاخطر لم تبدأ معالمه تتضح بعد، التحرك والمشاريع القادمة ربما تكلف ما هو اكثر من سقوط الضحايا الذين ما زالنا ننتشل أجسادهم الطاهرة حتى الآن لكن كيف ننتشل شعبنا وقضيته ومستقبله من انياب المؤامرات القادمة هذا ما نحن بحاجة الى الاجابة عليه معا وقبل كل شيء !!  


19/1/2009