2009-01-11

الهندسة الوراثية للدولة العبرية

بقلم: سعيد مضية

حملة التضامن مع شعب غزة والتنديد بالمجازر الإسرائيلية بيان عالمي وقعه ملايين البشر في مختلف البقاع يدمغ إسرائيل بالعدوان ويكذب مبرراتها لفرض الحروب  فيما حولها .  إن هذا العدوان، بما انطوى عليه من احتكام للآلة الحربية، يبرهن على أن إسرائيل قد هندست وراثيا طبقا لحق القوة منذ المؤتمر الأول للحركة الصهيونية. وهذه الحقيقة تهيب بالجماهير الفلسطينية، وهي تستعيد تاريخ الصراع مع الاستيطان اليهودي بفلسطين، لتنجز أوسع وحدة وطنية ضد الاحتلال ومشروعه التوسعي العدواني، بالتضامن مع الشعوب العربية وكل قوى التحرر والسلام والديمقراطية في العالم أجمع. الفاجعة الدامية تفرض على الجميع ترك التلويم والمناكفات المستجيبة لإيحاءات الغزاة. فإسرائيل تخادع لتمزيق الصفوف واستدراج طرف ضد أخيه، تراوغ دوما وتتحين الفرص للإبقاء على مناخ التوتر والحروب في المنطقة؛ وهي بذلك لا تهدد امن الشعب الفلسطيني وحقه في وطنه وسيادته على أرض وطنه وحسب؛ إنما تشكل تهديدا للشعوب العربية كافة ولطموحاتها في الديمقراطية والتنمية الوطنية والتقدم. إنها وحسب تعبير مؤسس الحركة الصهيونية " قلعة متقدمة للحضارة بوجه البربرية الإسلامية".

عندما شنت ألمانيا النازية حربها على الاتحاد السوفييتي وزع الجيش تعميما على الفرق الغازية حذرها من أنها  ستواجه شعبا مندمجا بالجيش، شعبا  مقاتلاً شأن الجيش المنظم؛ ولذا ينبغي شن حرب الأرض المحروقة والتعامل مع أفراد الشعب بنفس القسوة وعدم التساهل. استطاع الغزاة الألمان بعقيدتهم النازية إبادة عشرين مليون سوفييتي خلال الحرب، وتدمير المنشئات الثقافية والإنتاجية، ثم انسحبوا مجللين بالعار. وما كانت المجازر التي نفذتها دولة إسرائيل الوليدة عامي 1948 و1949 إبان ما سمي "حرب الاستقلال" سوى استلهام للعقيدة النازية, كم استلهمت  عنصريتها الفاشية، ونزوعها الدائب لإقامة دولة يهودية نظيفة، مفرغة ما أمكن من سكانها الأصليين. ونظرا للتوجه العنصري ضد السكان الأصليين في فلسطين، ولأن المشروع الصهيوني  متمدد فأن البطش الدموي والمجازر الجماعية ظلت هدفا استراتيجيا وليس الوسيلة. تواصل إسرائيل اللجوء إلى الحروب وسيلتها للاستحواذ على أوسع رقعة من فلسطين مع أدنى نسبة ممكنة من السكان العرب. يشكل عدوانها الحالي تحذيراً إلى الفلسطينيين أينما حلوا فوق أرض الوطن بأن كوارث غزة الراهنة تكمن لهم مع كل منعطف.  وتدرك إسرائيل أنها تحظى بدعم امبراطورية إعلامية بعضها يمولها الرأسمال الصهيوني والبعض الآخر يدور في فلك نهج الحرب والعدوان . ولا بد أن هذه الحقيقة لا تغيب عن ذهن الرئيس الأمريكي بوش وقادة دولة تشيكيا الذين هبوا برعونة لإثبات الولاء لقيم " العالم الحر" والإعلان باسم الاتحاد الأوروبي الذي تترأسه أن إسرائيل بغزوها قطاع غزة إنما تدافع عن نفسها.

بينما الملايين التي خرجت تتضامن مع الشعب المنكوب في غزة رفضت الرواية الصهيونية مسترشدة بنوازع الضمير والشرف الإنسانيين، وبالتفكير الحر لدى سياسيين وكتاب ومفكرين.  من هؤلاء داخل إسرائيل  الدكتور بيلين ، النائب والوزير السابق، الذي اعتزل السياسة الإسرائيلية، إذ أكد مستهجنا أن" كل من يتحدث عن وجوب اقتلاع الكراهية من الكتب الدراسية ومن القلوب في العالم العربي، لا يمكن أن يسمح لنفسه أن يمارس القتل ضد مدنيين عزل على هذا النحو المفرط ".
وشاركته الموقف المستهجن الصحفية أوريت دغاني ، إذ تساءلت في اليوم الخامس من العدوان على غزة في صحيفة "معاريف" ، " أن كنا نحن محبين للسلام، فلماذا لا نختار التوجه للسلام والحلول السياسية، بدلاً من أن نزعم دائماً أنه لا يوجد من يمكن التحدث معه في الطرف الآخر"، منوهة بأن "الإسرائيلي يعكف على فبركة كل تبريرات العالم لتسويغ شن الحروب على الآخرين وضمن ذلك الحرب الأخيرة على غزة" ؛ وأشارت الى أنه "حتى برامج الترفيه والرقص التي تقدمها قنوات التلفزة الإسرائيلية تستند إلى ثقافة الحروب وتتأثر بها أكثر من غيرها."

ومن ثم كم يبدو سمجا  نفاق الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي إذ عبر عن الأسف للإصابات التي لحقت بالأطفال الفلسطينيين جراء القصف المتواصل على قطاع غزة. فالآلة الحربية " الذكية"  المستمدة من صناعة الإبادة الجماعية في الولايات المتحدة ، خاصة احتكار لوكهيد مارتن، والسخاء العبثي في رشق القنابل والصواريخ المزودة بالقذائف الثقيلة شديدة التدمير .. إن كل ذلك  لابد وأن يسفر عن الإبادة الجماعية وتقتيل الأحياء بلا تمييز. الحروب بالأسلحة الجديدة همجية بطبيعتها ، تعبير عن توحش الرأسمالية ونزوعها الدائم لنشر التوحش وسحق القيم الإنسانية في كل أركان الكرة الأرضية.
بموازاة حرب الأرض المحروقة في غزة يمضي نهب الأرض وتوسيع المستوطنات في الضفة. فهي إذ تثير الاستنكارات بممارساتها في غزة ، وأجبرت أجهزة الإعلام المحلية والعالمية على استصراخ الضمائر ضد عواقب الحصار، فقد باشرت أيضا حربها الصامتة ضد الوجود العربي بمدينة القدس العربية؛ وواصل المستوطنون هجماتهم الهمجية المسلحة ضد المواطنين العزل في الخليل وكل محافظات الضفة .
دأبت بلدية الاحتلال الصهيوني للقدس على تهجير عرب القدس العربية  بذرائع وأساليب تنطوي على اللؤم والكيد، منها منع البناء والتضييق على الأسر الشابة وهدم البيوت وتجريد القاطنين خارج المدينة من حق المواطنة ؛  يصاحب ذلك كله مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات الجديدة في الأحياء العربية . تحدت حكومة اولمرت طلب حماتها في الإدارة الأمريكية وباشرت مرحلة جديدة من التوسع الاستيطاني داخل مدينة القدس العربية .
  يكذب حكام إسرائيل وأجهزة إعلامها إذ يدعون أنهم ينفذون ما ينفذونه دفاعا عن الأمن وحق إسرائيل في البقاء. قديما قالها بيغن : "يجب إجبار العرب على الانصياع لمشيئتنا".  إسرائيل تشن على الشعب الفلسطيني حربا شاملة متعددة الأشكال موحدة الهدف : طرده من وطنه، وأداء وظيفتها قاعدة للعدوان والتوتر وتسويق الأسلحة في المنطقة العربية. كانت المهمات والوظائف مضمرة في برنامج هرتزل المطروح في نهاية القرن التاسع عشر " قلعة للحضارة " (تقرأ قلعة للعدوانية المتوحشة). وبموجب البرنامج حصل الاتفاق بين الحركة الصهيونية التي تشكل قوامها في ذلك الحين، استجابة لرغبة الاحتكارات اليهودية في المشاركة في حملات التوسع الامبريالي، وبين حركة المسيحيين السلفيين التي نشطت منذ القرن السادس عشر ضمن المذهب الأنجليكاني في الحركة البروتستنتية، يستند إلى خرافة لم تؤمن بها أي كنيسة مسيحية، تفسر حركة التاريخ بمشيئة خارجة عن إرادة البشر،" تبشر" بحقبة من الحروب والكوارث تنتهي بقيام دولة إسرائيل وإعادة بناء الهيكل، تسبق نزول المسيح وتدشين عهد الألفية السعيدة. بقي لاهوت "ما قبل الألفية" معزولا وضيق التأثير إلى أن نفخت فيه نزعة التوسع الكولنيالي في عهد الامبريالية. ادخل لاهوت " ما قبل الألفية" إلى الأكاديميات الحربية في أوروبا والولايات المتحدة ، وبات الأداة الفكرية للتوسع الكولنيالي واستعباد شعوب الشرق.  استطاع هذا الفكر اللاهوتي هندسة موافقة الجنرالات على الحروب الاستعمارية والعالمية؛ ومنه استلهم الجنرال البريطاني،اللنبي، مقولته حين دخل القدس: الآن انتهت الحروب الصليبية!" ؛ ومنها أيضا استلهم الجنرال الفرنسي غورو إذ دخل دمشق وتوجه إلى قبر صلاح الدين الأيوبي ليقول " ها قد عدنا يا صلاح الدين! "  لم يحارب الجنرالان وكذلك تشرشل وكل الطغم السياسية والعسكرية للدول الامبريالية من اجل الصليب ولا من اجل المسيحية ؛ إنما دفاعا عن المصالح الامبريالية للرأسمالية الاحتكارية.  وما زالوا كذلك.
أسفر الاتفاق بين الحركتين السلفيتين لليهودية والمسيحية عن صدور وعد بلفور ومساندة دول أوروبا الاستعمارية لقرار عصبة الأمم انتداب بريطانيا على فلسطين ، ثم قرار تقسيم فلسطين. وكذلك ساندت أوروبا " المتحضرة" بالصمت مجازر بن غوريون ضد الشعب الفلسطيني ، وهي تساند بالتجاهل والتغابي التوسع الاستيطاني على الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبموجب التجانس والتحالف المدنس بين الحركتين دعمت احتكارات التجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة ، خاصة احتكار لوكهيد مارتن، العمليات العدوانية الإسرائيلية كافة ، وقدمت المساعدات لإسرائيل من أحدث نظم التسلح. وبموجب التنسيق بين الحركتين دعم اليمين الأمريكي الجديد خطط إسرائيل التوسعية والعدوانية ودافعت عنها إدارتهم وتدافع عنها في المحافل الدولية. ومن اجل مواصلة نفس المهام تحت غطاء التعيير قدم احتكار لوكهيد عشرة ملايين دولار دعما للحملات  الانتخابية الأخيرة، وجه القسم الأكبر منها لحملة اوباما والحزب الديمقراطي.
شاهد العالم جرائم تقترفها  إسرائيل باسم الأمن فتحول جزءا كبيرا إلى ركام، ووقف العالم ، وكذلك الجماهير العربية،مذهولين وعاجزين عن التصرف  يشاهدون على الشاشة الأجساد الممزقة والعيون المرتاعة. تنهب إسرائيل ومستوطنوها المزيد من أرض الضفة الغربية  لتعزيز مستوطناتها غير الشرعية هناك . وحقا، بينما الشعب الفلسطيني موزع بين انبهار بحذاء وخيبة امل . وحقا ما أكده أحد الصحفيين الأجانب،"إن فلسطين مستقلة ، سواء كانت إسلامية أم علمانية، لم تدخل أبدا في نطاق التفكير الأمريكي الإسرائيلي. ومضت خمس عشرة سنة بكاملها خدعة، من اوسلو حتى انا بوليس. وفي هذه الأثناء تقلصت الأرض الفلسطينية، وتداعت فكرة الدولة المستقلة القابلة للحياة، وبات الوجود الفلسطيني مهددا بشكل لا سابق له."
فضحت إسرائيل خراب النظام العربي ووهنه ، مثلما كشفت حرب حزيران 1967 قيود تخلف  العصر الوسيط التي تصفده. بات صعبا على الأنظمة مجاملة الكيان الصهيوني وتوثيق التعاون معه. لقد نزف هذا الكيان الكثير من سمعته الدولية. واتسع الإدراك بين الشعوب العربية أنها تواجه أحدى إفرازات التوحش الرأسمالي.
إسرائيل ومن يؤازرونها  يشهرون آلة القتل والتدمير، ويركزون على خيار القوة المسلحة، وسيلة نهب ومرضا معديا يترك ساحة الكفاح الوطني خالية من الجماهير المنتفضة. كما أن الفضائيات العربية تسهم في تفضيل خيار المقاومة المسلحة منكرة بشكل مطلق خيار المقاومة الشعبية، هذا الخيار الذي أطاح بحكم الشاه وشل أعتى قوة عسكرية في الشرق الأوسط. وفي أربعينات القرن الماضي هزم الاستعمار البريطاني في الهند على يد مقاومة شعبية ونضال اللاعنف. قد تعترض المقاومةَ الشعبيةَ الآلةُ الحربية،  لكنها لن تجد صوتا يجرؤ على الدفاع  عن جرائمها.
حيال الاستهداف الإجرامي المسنود بالآلة الحربية المتقدمة  ليس أمام الفلسطينيين سوى تعزيز وحدتهم وعدم السماح للاحتلال الإسرائيلي أن يتوارى خلف نزاعات جانبية ومشاريع وهمية وقضايا مختلقة بقصد الإلهاء والمماطلة والإغراق بالدم. آن الأوان كي تترك الجماهير مقاعد الفرجة على ما يجري حولها ومن أجلها، وتنزل إلى حلبة الكفاح الشعبي . على القوى والفصائل أن تستنفر الجماهير الشعبية للدفاع عن الأرض ووقف توسيع المستوطنات وتفكيكها، ومن اجل القضايا المعيشية الأساس لتشكل حركة شعبية ديمقراطية، حركة كفاحية تتطور باستمرار وتحيّد، ما أمكنها ذلك، وسائل القتل والتدمير بالجملة، ثم تدحر الاستيطان والاحتلال .