2008-12-30

مع المقاومة الشعبية لا يتباهى المجرمون بجرائمهم

بقلم: سعيد مضية

إنهم يكذبون؛ فالعنف الدموي وسيلة استراتيجية لإنجاز المشروع الصهيوني بفلسطين.ودوافعهم للعدوان وتنظيم المجازر تكمن في صميم الإيديولوجيا الصهيونية. في الوقت الراهن تجري الحملة الانتخابية مبارزة بالدم الفلسطيني ضمن أهداف أخرى تشكل جوهر وظيفة إسرائيل إقليميا ودوليا. كان متوقعا تصاعد العدوانية الإسرائيلية مع اقترب موعد انتخاب الكنيست. تدفع الأحزاب الصهيونية جمهورها  نحو مزيد من العنصرية والكراهية، مع الانتخابات وبدونها، تجاه الشعب الفلسطيني؛الأمر الذي يتجسد في هجمات المستوطنين المتكررة على سكان المدن والقرى، وفي الطبيعة الفاشية للمرشحين عن حزب الليكود. فلا تتضمن البرامج الانتخابية للأحزاب أي بند ينم عن السعي للتوصل إلى سلام مع الشعب الفلسطيني؛ لكن الأحزاب مجمعة على لغة القوة والتهديد وتتعطش لسفك الدم الفلسطيني كي تنال الحظوة لدى الهيئة الناخبة.
ان مجتمعا يدعم قادتَه وزعمائه بقدر ما ينحون باتجاه التشدد في العنصرية والكراهية هو مجتمع عسكرتاري تحتل قوى التجمع الصناعي – العسكري مركز حاسمة في مجالات الاقتصاد والسياسة والثقافة.   المجتمع الإسرائيلي مندفع وراء نهج العنف المسلح وتوتير الأجواء في المنطقة، وتتقن حكوماته أسلوب استفزاز أطراف عربية وفلسطينية وحملها على اتباع نهج العنف المسلح. وبحكم التفوق فإن إسرائيل لا تترك لخصومها في المواجهة المسلحة غير شعبوية تبقيهم أسرى النزعة العسكرية وتعطل الجهد الشعبي عن الحركة الديمقراطية. نتنياهو يدعي أن الظروف لم تنضج للسلام، علما بأنه ومن سيخلفه ومن يخلف من يخلفه هم الذين يقررون متى تنضج الظروف . بينما تصر ليفني على مواصلة المحادثات بلا نتيجة. وتدعم الأحزاب الصهيونية كافة العدوان الدموي ضد سكان غزة والجماهير الفلسطينية.

من الواضح أيضا أن حكام إسرائيل ينسقون مع قوى داخل الولايات المتحدة ومراكز أخرى للرأسمالية المتوحشة لتعطيل برنامج التغيير الذي تعهد باراك أوباما الرئيس الأمريكي المنتخب بتنفيذه؛ وربما إجهاضه من البداية. فما زالت نزعة التسلط واستخدام القوة تجد القبول لدى الوحش الجريح المهدد بفقدان الهيمنة الكونية.
بموجب تحالفهم الاستراتيجي يتهدد حكام إسرائيل ويتوعدون بالمزيد من العنف المسلح. وبمزيد من الاستهتار بالمؤسسات القانونية الدولية. منعت إسرائيل في منصف شهر كانون أول الحالي، ريتشارد فولك، مبعوث مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من دخول الأراضي المحتلة مدعية أن تقاريره منحازة لضحاياها. فقد كان من بين من اتهموا إسرائيل بانتهاك القانون الجنائي الدولي، وطالب الأمم المتحدة بالتحقيق لمعرفة إمكانية تقديم القادة المدنيين والعسكريين الإسرائيليين المسئولين عن حصار غزة إلى المحكمة الجنائية الدولية.
من الطبيعي ان تطمئن إسرائيل لعدم اضطرارها لدفع الثمن، ولا حتى الإجابة على الأسئلة بصدد جرائم الحرب عندما تضرب بسيف مقاومة الإرهاب، وتحظى بدعم غير محدود من جانب الأوساط المتنفذة في الولايات المتحدة، وحيث يرفع الاتحاد الأوروبي درجة تعاونه "الأمني" معها ، تحت يافطة مقاومة الإرهاب، تقترف جرائم تنتهك بها القانون الجنائي الدولي، وعندما  تصمت الحكومات العربية حيال كل جريمة حرب تقترفها إسرائيل يحق السكان العزل و حيال التهديدات المتكررة - بدون مبرر- بتدمير لبنان وتدمير جيشه وبنيته التحتية وترفق ذلك بتصريحات تؤكد أن إسرائيل لن تهتم بالرأي العام الدولي.
منذ عدوان إسرائيل على لبنان عام 1982 والأنظمة العربية تتفرج على نكبات الفلسطينيين بأيد إسرائيلية. الأنظمة العربية تخضع للتقسيم الحاد داخل النظام الدولي، القائم على استعباد القسم الأكبر من المجتمعات الإنسانية، وعزلها وتكريس تخلفها وانحطاطها. ضمن هذا النظام يفرض على الحكومات  الاستناد إلى الخارج لتأمين سيطرتها على الداخل والعمل مجرد وكيلة للرأسمال المالي وشركات السلاح والنفط والإنشاءات.
وطالما القرار الدولي النافذ يدعم نهج إسرائيل العدواني التوسعي فإن الأنظمة العربية لا تستطيع سوى ستر ماء الوجه بالتنديد حينما يأتي العدوان قاسيا مثل عدوان يوم السبت. ومع هذا تنطلق التساؤلات الساذجة أين الحكام العرب!!

إسرائيل هي التي هيأت أوضاع غزة لكي تمنحها المبرر وقتما تشاء لشن العدوان المسلح على السكان العزل ، ولكي تجعل حياة الناس جحيما. ولدى استعراض نهج إسرائيل منذ الانسحاب وحيد الجانب من قطاع غزة يتضح أن إسرائيل قد مهدت ويسرت الانتقال المشئوم إلى الوضع الراهن. في حديث مع فضائية "روسيا اليوم" أقر خالد مشعل ان قطاع غزة لا يزال محتلا؛ وهذا يخالف ما واظبت حماس على ادعائه بأن انسحابا قد تم جيش الاحتلال الإسرائيلي من القطاع تحت ضرباتها العسكرية! أمكن خداع العالم وخداع الجمهور الفلسطيني بتحرير غزة وانسحاب إسرائيلي من أراض محتلة؛ وذلك رغم أن شارون لم يبق سرا ان الغرض من الانسحاب من غزة التفرغ لترتيب الأوضاع في الضفة، أي  تنفيذ خطة تهويد الضفة بكاملها، وجعل حياة المواطنين لا تطاق. وأمكن أيضا خداع العالم بأن المقاومة الفلسطينية إرهاب، وتغييب دور إسرائيل في دفع الأمور بغزة إلى ما هي عليه.
منذ "الحل من طرف واحد"، كما أدعى شارون ، والتحذيرات تصدر من مختلف الأوساط الفلسطينية بأن إسرائيل تحاول دق إسفين بين الفصائل الفلسطينية ، خاصة بين حماس وفتح؛ إلا أن الطرفين انزلقا في الخلافات والانشقاق والمواجهة المسلحة بفعل عوامل معظمها يعود إلى مناورات إسرائيلية مكشوفة، تعرض المفاوضات العبثية وتواصلها؛ بينما تعلن حماس عدوا وقوة إرهاب.
وفرضت إسرائيل شروطا لاإنسانية على حياة البشر في غزة. فأكثر من نصف الأطفال دون الثانية عشرة يعانون من الأنيميا، ونسبة عالية يعانون الصمم من وقع المتفجرات في أحيائهم؛ وتنتشر الاضطرابات العقلية بين الأطفال، لدرجة ان نسبة تزيد عن النصف من الأطفال تتولاهم الرغبة في الموت، كما تقول جهات استطلاع الرأي؛ ومن الطبيعي أنهم بذلك يملكون الحوافز الداخلية للانجراف مع العنف المسلح. في غزة ، كما يقول دعاة حقوق الإنسان ، تتوفر الشروط الثلاث للإبادة العرقية: القتل بالجملة ، تدمير الظروف الحيوية للحياة الطبيعية والتسبب في أضرار ذهنية وفسيولوجية من شانها تدمير النسيج الاجتماعي. والاختلالات الاجتماعية تمضي بوتائر سريعة بفضل اقتصاد الأنفاق وثقافة الأنفاق.

وبفعل الحصار والقهر نزعت إسرائيل من الجماهير والقادة السياسيين حرية الإرادة وسوية ردود الأفعال. ويتوجب القول أن التفكير الاستراتيجي والتخطيط الاستراتيجي والاستجابة المتزنة والعقلانية عملة نادرة أصلا في الوسط الفلسطيني والمجتمعات العربية كافة؛ فمضت الاستجابات الفلسطينية للاستفزازات الإسرائيلية وأعمال العدوان بمختلف أشكالها، الصادرة عن الإسرائيليين تتميز بالتشنج والانفعال وبالعفوية الخاضعة للمزاج المتوتر سريع الاسترخاء.  ولم تشذ عن هذه القاعدة- التشنج والانفعال والدعوات الاستعراضية- ردود الأفعال الفلسطينية والعربية على العدوان الهمجي المنفلت يوم السبت ، السابع والعشرين من كانون أول. فرغم مشروعية الغضب تجاه الهمجية الإسرائيلية إلآ أن التفكير والتخطيط الاستراتيجيين لا يحكمان ردود الأفعال العربية والفلسطينية. وبالنتيجة  نظرت حكومات إسرائيل وتنظر بازدراء إلى الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والحكام العرب، لأنهم بانفعاليتهم يقصرون عن "تأديب إسرائيل" و"تلقينها درسا لا تنساه" و "الانتقام الموجع" وكل منطويات الانفعال إثر كل عدوان همجي إسرائيلي، يأتي بطش إسرائيل دوما شديد القسوة ودمويا تجاه أدنى معارضة لمشاريعها. إسرائيل وضعت الفلسطينيين ، سياسيين وجماهير واسعة، داخل سجن كبير أمعنت فيه الاضطهاد والقهر. و إسرائيل لا تتسامح مع أبسط معارضة لنهجها العدواني التوسعي سلمية أو عنفية، وتغرقها بالدم ، لكنها لا تستطيع التباهي بعجرفة أمام العالم  عن العنف المسلح والبطش الدموي إزاء المقاومة الشعبية. ومثال التصدي للمقاومة الشعبية في بلعين بات معروفا على الصعيد الدولي.  

لا تبدي إسرائيل أي اهتمام بالانتقادات، وهي لم تلتزم بأي اتفاق خلال تاريخ دولتها كله. وفي عام 1948 ، انتهكت مرارا اتفاقات الهدنة التي فرضها مجلس الأمن الدولي واحتلت قرى ومدنا عربية في فلسطين وشردت سكانها. وكرر بن غوريون أكثر من مرة ان الحدود التي وصلتها إسرائيل في "حرب الاستقلال"، وكرستها اتفاقات الهدنة في رودس مع دول الجوار العربية عام 1949، لن تكون نهائية؛ وأن على الأجيال اللاحقة مواصلة التوسع. إسرائيل ليست حديثة العهد بإخلال شروط الاتفاق، سواء بصدد التهدئة أو فيما يتعلق باتفاقات أوسلو وما بعدها. وتقتضي الحصافة السياسية عدم إعطاء إسرائيل مبررات اقتراف الجرائم. كان شامير يتمنى تورط الانتفاضة الفلسطينية الأولى في العنف المسلح. وتصريحاته بهذا الصدد منشورة بالصحافة . كما أن باراك وخلفه شارون واظبا على العنف " غير المبرر" – حسب تقديرات الأمم المتحدة والدول العربية في ذلك الحين- إصرارا منهما على استدراج الانتفاضة الثانية إلى العنف المسلح. ونجح شارون، واتخذ العنف المسلح أداة لتوجيه الضربات لحركة مقاومة الاحتلال وتنفيذ برنامج التوسع الاستيطاني وتشييد الجدار ، وأخيرا الظهور أمام العالم بمظهر رجل السلام بمسرحية الانسحاب من غزة. ولذا ليس صحيحا أن المقاومة من خلال العنف المسلح تخدم مناهضة الاحتلال ومشاريعه؛ ولا ينفع المقاومة ا لفلسطينية الإصرار على نمط بعينه من المقاومة وإغفال المقاومة الشعبية ، خاصة و إسرائيل تستثمر كل سانحة تلوح كي تشدد عذابات الفلسطينيين بهدف وضعهم أمام خياري تدمير المجتمع أو الهرب والنجاة. وهي تلاحظ نزوح أعداد كبيرة من القطاع؛ وتقول سارة روي ، إحدى المتطوعات ضمن الجهود الإنسانية لمساندة الشعب الفلسطيني " أن غزة تسقط تحت وطأة الاضطهاد العنصري الإسرائيلي وسيأتي الدور بعد ذلك على الضفة". ولا ينفع المقاومة الفلسطينية التغني بصمود الشعب، والتباهي بالخسائر البشرية؛  فلكل إنسان طاقة محدودة على الاحتمال، وعواقب الإجهاد غير مأمونة. وحيث لا يعيد التاريخ نفسه فإن الانتفاضة الفلسطينية الأولى لن تتكرر، ويتطلب الوضع الراهن محليا وإقليميا ودوليا حشد وتنظيم مقاومة مستديمة قابلة للحياة والتطور والاستمرارية ، مقاومة شعبية تضع على جدول أعمالها مهمات المقاومة وتحريك الطاقات الشعبية المعطلة وإرساء قيم الديمقراطية وممارساتها في الحياة الاجتماعية. الوضع الفلسطيني أمام شهوة الصهيونية للدم الفلسطيني وبرنامجها التوسعي عن طريق العنف المسلح، وحضورها الدائم والمتميز في نهج مقاومة الإرهاب، يقتضي العمل بجد لانتهاج بديل المقاومة الشعبية.    
ان تبادل المناكفات والكيد والمزاودات بين الفصائل الفلسطينية يسهل هدف المكائد الإسرائيلية، ويحرف المقاومة عن نهج المقاومة الشعبية، نهج تفعيل وتنظيم حركة شعبية ديمقراطية تضم مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني الخاضع للاحتلال ضد نهب الأرض وتوسيع المستوطنات وتشييد الجدار ودفاعا عن الحياة الآمنة والمستقرة للمواطنين . فالمجتمع المحتل ، شأن المجتمع الفلسطيني، بحاجة، قبل كل شيء، إلى حشد قواه الحية وتنظيمها في جبهة شعبية وطنية ديمقراطية مناهضة للاحتلال. وعلى الفصائل ، وخاصة فصائل التغيير الديمقراطي، أن تنزل بعناصرها إلى الجماهير وتنظم تحركها بدل الاكتفاء بالمناشدة والتنديد