2008-09-23

  محمود درويش ... شاعر على يسار الزمان

 

بقلم الكاتب رفعت سلام

 

رحيلٌ مفاجئ، وصدمة مباغتة. كأننا كنا نفتعل السهو والنسيان، أو لا نريد أن نرى. لكنه زمنٌ- عربي فلسطيني- لا يليق به سوى الرحيل.
وها هي الآن قصيدته مفتوحةٌ على نهاية غامضة، بعد أن ترجل عنها عن قرابة خمسين عامًا من الشعر والوجع والعواصم. قصيدة صعدت- في النصف الأول من الستينيات- في وضوح 'القضية' والشعر واللغة، ليمضي بها الوقت إلى دروب لم تنبئ بها المقدمات 'العادية' أو شبه 'العادية' لشاعر 'المقاومة' الجهوري.
رحلة طويلة، عسيرة، بلا أفقية؛ أعادت العلاقة بين الجمهور والشعر إلى أزهى عصورها، بانطلاق صوت الشاعر بالتعبير عن الحلم الفلسطيني العربي لذلك الجمهور، بلا تعالٍ أو إيغال في التركيبية؛ ليوحد الجمهور- والكثير من المثقفين- بينه وبين القضية ذاتها، فلا تبقى مساحة- في مراحله الأولى- للذاتي الحميم، الذي تماهى في العام.
رحلة تراوحت من الوضوح وصفاء وواحدية الرؤية- في دواوينه الأولى- إلى تجريبية وتركيبية شعرية في 'أحبك أو لا أحبك' و'محاولة رقم 7'، إلى الخطابية الصاخبة في 'مديح الظل العالي'، إلى خفوت المناجاة الروحية، في الظل الرمادي، في أعماله الأخيرة.
رحلة لا تختصرها مرحلة أو ديوان؛ لكنه- في جميع الحالات- هو المغني الحالم، الرافض، المنكسر، المجلجل، الهامس، المباشر، الفانتازي، الذي يستند إلى الوقائع والأساطير والتواريخ القديمة والغابرة، ليرى ببصيرته الآن الملتبس.
هو صوت الشاهد الذي يكشف المخبوء الراهن، وصوت النبي الذي يكشف المخـــبوء القــــادم، وصوت المحرض الذي يستثير على الفعل، وصوت القاضي الذي يحكم بالبراءة أو الإدانة، وصوت المغترب الذي يرثي فساد العالم. وأحيانًا ما تندمج هذه الأصوات ـ جميعًا ـ في صوت واحد، صوت الشاعر، الذي يطلق في وجه العالم كلمته الشاملة.
ويتراوح الصوت الشعري بين أي يقدم 'لِيَدَين مِن حَجَرٍ وَزَعْتَر/ هَذَا النَّشِيد'، وأن يحكي 'وَمِن المُحِيطِ إلَى الخَلِيجِ، مِن الخَلِيجِ إلَى المُحِيط/ كَانُوا يُعِدُّون الرِّمَاحَ'، وأن يصف 'أحمَدُ الآنَ الرَّهِينَة'، وأن يستنطق 'أنَا أحمَدُ العَرَبِي ـ قَال/ أنَا الرَّصَاصُ البُرتُقَالُ الذِّكْرَيَات'، وأن يرثي 'وَلَه انْحِنَاءَاتُ الخَرِيف/ لَه وَصَايَا البُرتُقَال'، وأن يحرض 'يَا أيُّهَا الوَلَدُ المُكَرَّسُ للنَّدَى/ قَاوِم '، وأن يتكشف الراهن 'فَأرَى العَوَاصِمَ كُلَّهَا زَبَدًا'، وأن يكتشف القادم 'جِلْدِي عَبَاءَةُ كُلِّ فَلاَّحٍ سَيَأتِي مِن حُقُولِ القَمْحِ كَي يُلْغِي العَوَاصِم'، أو يتساءل في دهشة الاكتشاف 'كَيفَ سَكَنْتَنَا عِشْرِينَ عَامًا وَاخْتَفَيت'.
إنه الصوت المنفرد ـ الأنا ـ مركز العالم في القصيدة، وفعاليته الإيجابية. أما فعالية العالم ـ السلبية غالبًا ـ فإنها، أيضًا، محكومة به، مشدودة إليه، أو إن سلبيتها تتحقق ـ بوصفها كذلك، فقط ـ من خلال ما تضفيه عليها الذات من سلبية.
لكن فعالية الذات في العالم ـ برغم كون الذات مركز العالم ـ تتحقق عبر انفصالها عنه؛ أي إن الفعل يتم عبر انفصال الفاعل عن المفعول به، وليس عبر ارتباطهما. فأفعال التقديم والحكي والوصف والاستنطاق، إلخ- في ذاتها- على تلك المسافة الفاصلة بين الفاعل والمفعول به، برغم تحقق الفعل ذاته.
ينفصل ـ إذن ـ صوت القصيدة عن عالمها؛ فهو لا يندمج في العالم؛ إذ العالم تغلب عليه السلبية، وحركته لا تتناغم مع إيقاع الحركة الشاملة؛ لكنها موازية لها، أو متعاكسة معها، ومنفصلة عنها في جميع الحالات. وتصبح فعالية الصوت المفرد- في القصيدة- فعاليةً 'كلاميةً' لا تشتبك مع العالم من أجل تحويله الفعلي، وإنما تكتفي بعلاقة التوازي أو التعاكس المنفصلة عنه، فلا يتبقى سوى الكلام في مواجهة العالم، بعد أن تهاوى الفعل إلى أسوأ حالاته: الانتحار، أو ما يشبهه.
لكنه- في جميع الحالات- صوت باذخ، ارتقى- في الأعمال الأخيرة- إلى حالة نادرة من الصفاء الشعري والبصيرة.