2008-09-08

الحلم و الزيف الأنيق ....بقلم الأسير : باسم الخندقجي

إنه الليل ... ليل الغربة الحديدية ... صيف أحمق خال من الحميمية ... قيظ يحاور عرق
الجسد كي يقتله نزقا ... و أنا في عمق المأساة أحرس حلمي المنهك من ومضات التاريخ
الأنيقة و السريعة و الأوطان المستحدثة على الطريقة (الأخرى ) !
في العمق ... أقبل النكبة و أتلو عليها حكايات ما بعدها علها تلد تمردا جديدا و أما
النكسة فأهدهدها قائلا لها : نامي فلا حاجة للذين أصبحوا ( الآخرين ) بك بمعناك غريب و
قيمتك مبعثرة )
في العمق ... أحرس حلمي في وقت باتت الأحلام مهددة بالموت إما اغتيالا أو وطنا مزيفا
... أحرسه في وقت التطورات النظيفة و الحلول السحرية ... حلول مساحيق الغسيل مريحة جدا
و لكنها تعتمد بشكل أساسي على نوعية الغسالة أو نوعية اللطخات التي أصابت الذين فضلوا
الواقعية على قيم باتت تحتضر و تحتضر ...
في العمق ... أرض المأساة تراب ملتهب يكفر بالرضوخ و الأقحوان الخائن أشجار وطن و شهداء
... نعم وحدهم الشهداء الذين يتكبدون الجرح عن طبيب نقاء ... و يمضون نحو شجرتهم لكي
يلتحموا بها مجددا و خلودا ...
هنا ... في عمق المأساة كانوا هائمين و أجمين ... و أشدهم حزنا و سطوعا كان إدوارد سعيد
و من لا يعرف إدوارد سعيد فهو خاطئ !
كم كنت لوحدك يا سيدي بمقدار ما هي المأساة الفلسطينية عظيمة ... أيها الهندي الأحمر
أدركت الهاجس فمضيت تحارب بالكلمات هناك ... و أما نحن فلقد أصبنا بالوهم وجافينا
المأساة عندما قالوا لنا( ستعرفون من أنتم عندما تعرفون نيراننا و دمارنا .. )
و لكن في العمق يا إدوارد أسألك : هل سيجلبوا رفاتك من ( هناك ) إلى هنا أم أن (هنا )
معك هناك في سدوم الجديدة على رأي شاعرنا أخو الفراشة ؟
آه ... لو أنهم وصنعوا على الأقل في برامجهم الانتخابية أنهم سيأتوا بك من هناك لجزمت
بأن تراب أورشليم كفيل بإعادة إحيائك من جديد كي تكمل و جد حلمك ... أنت الذي كنت لوحدك
تحارب بأفكار و كلمات (هناك ) حيث لم نعرف بعد من ( هنا ) !
في العمق ... تظهر الآن سيدي بوضوح جلي ... في وقت أرداني تخبطا وقت يتسع فيه الهامش
ليلتهم الذين اعتزلوا الكلمة الوطن لكي يلتحقوا بمشروع الوطن الكلمة ... و الوطن في
الهامش هو عبارة عن كأس ماء اخضر أو امرأة لا تملك سريرها ...
إدوارد.
اسمح لي الآن أن أخاطبك هكذا و كأنني صديق مقرب منك ... و دعني في هذا الليل الذي ينضج
قيظا أصف لك ضياعي جرحا جرحاَ ... أنا الذي أحرس حلمي في عمق المأساة أخوض بحزني ثم
أعود إلى الصفحات بخواء فظيع دون أدنى كلمات ...
فأتذكر كلمات التي تقول : ( أن تحكي قصتك على مراحل كما هي بالفعل )
من يحكي لمن ؟ إنه الوطن الممسوخ يا ادوارد ... و طن الشوارع الأنيقة ! و الوطن كما
الملح إذا فسد فليس له دواء أبدا ...
في العمق ... أجلب الآن من الأخر أحد كبار مفكريه ... و من أجلك يا بيرل كاتسنيلن لا
أمتلك مساء الخير ... أنت الذي قلت لي رغما عنك : ( ليس بإمكان المرء خداع التاريخ .
عرفنا أنه لا يمكننا خداع العرب ، و لم تكن لدينا نية خداع أنفسنا ... عرفنا لو كان
بيننا و بين العرب اتفاق على الإطلاق ، فإنه لن يكون على أساس تقليص الصهيونية بل تطبيق
الصهيونية . )
كنت أود لوقلت لأخوتي كلامك هذا و لكنني أضعت درب العودة في منتصف الوطن ... و ها أنا
هائم الحلم أتخبط هنا و أسقط هناك ... و أخوتي لا هم لهم بأقوالك ... إذ أن لديهم ما
يكفيهم من الحكمة لتجاهل أفكارك و المضي قدما نحو وطن مساحيق التجميل و الغسيل ... حيث
لا وقت لديهم لسماعي و أنا أتلو عليهم جراحي و عنفوان حلم لم يحن موعد نومه بعد ...
في العمق ... كنت أود لو قلت لأخوتي كلمات الحكيم القديم الذي يقول :
( إن الحياة ينبغي أن تفهم بالرجوع إلى الخلف ... و أن تعاش بالاتجاه إلى الأمام . )
و لكنني لم أزل مع الأمل في دياجير الظلام أناشد الوطن بأن يلدني مرة أخرى ...
لدني من جرح يا وطني لا من وهم لدني ... لدني كي أتمرد و أتجدد فالحلم لم يحن موعد نومه
بعد ............


الأسير : باسم الخندقجي

عضو اللجنة المركزية لحزب الشعب الفلسطيني

سجن جلبوع المركزي

الحكم ثلاث مؤبدات