2008-08-25

فائق وراد.. اسم له دلالات

بقلم الكاتب محمود شقير

 

1

     مات فائق وراد بعد صراع طويل مع المرض. شاركت وأنا حزين، في جنازته التي انطلقت من مستشفى رام الله إلى قريته بيتين. انطلقت الجنازة المهيبة في موكب حاشد من السيارات، نحو القرية التي شهدت مولد فائق وراد، القرية التي رفع فائق اسمها إلى أعلى مثلما رفعت هي اسمه إلى أعلى، وازدهت به بصفة كونه ابنها الذي كرس حياته كلها للدفاع عنها وعن فلسطين.

     استغرقتنا الطريق إلى بيتين ما يقارب الساعة. والقرية لا تبعد كثيراً عن رام الله والبيرة. ربما كانت المسافة بين القرية والمدينتين خمسة كيلومترات، لكن عسف المحتلين الإسرائيليين هو الذي يجعل بيتين بعيدة كل هذا البعد. ذات مرة قبل الانتفاضة الثانية، اقترح علي فيصل حوراني أن نذهب لزيارة فائق وراد في بيتين. ركبنا السيارة من رام الله، وبعد عشر دقائق كنا نجلس مع أبي محمد في ساحة بيته، وكان أمامنا كرم فيه عنب وتين وأشجار أخرى. الآن، على الذاهب من رام الله إلى بيتين، أن يمضي في شوارع متعرجة نحو قرية دورا القرع، ومنها إلى قرية عين يبرود ومن هناك إلى بيتين، وذلك بعد أن أغلق المحتلون الطريق المباشرة بين رام الله وبيتين، لا لسبب إلا للتنغيص على الفلسطينيين.

     شاركت في الجنازة، وقطعنا الطريق الطويلة إلى بيتين. وكنت قطعت هذه الطريق قبل ثلاث سنوات أو أكثر قليلاً في سيارة ميس، ابنة فائق وراد، حينما أخذتني ذات ظهيرة لزيارة والدها في البيت. تناولنا معاً طعام الغداء، وكان أبو محمد ما زال يعاني من آثار الجلطة الدماغية التي أصابته، حينما كان في اجتماع للمجلس المركزي الفلسطيني في تونس العام 1983 . أجريت آخر محاورة مع فائق تمهيداً لإصدار مذكراته التي شارك في تحريرها الكاتبان أحمد رفيق عوض وسميح شبيب. وكنت التقيته من قبل للغاية ذاتها مرة في بيت ميسون الواقع في حي المصيون في رام الله، وأخرى في بيته الواقع قريباً من مقر بنك القاهرة/ عمان في رام الله، قبل رحيله منه وعودته للإقامة في بيتين.

     قلت له إن المذكرات تكتسب أهميتها ليس بقدر ما فيها من معلومات وتحليلات سياسية وحسب، وإنما كذلك، وفي الدرجة الأولى، بقدر ما فيها من تركيز على الحياة الشخصية لصاحبها، وعلى ما في هذه الحياة الشخصية من تفاصيل حميمة قابلة للتعميم. كان المفهوم المترسب في أذهان السياسيين الفلسطينيين وربما غيرهم، عن المذكرات وما زال، هو أنها عرض موضوعي للوقائع الخارجية، يضطلع به صاحب المذكرات بعيداً من حياته الشخصية وحياة أسرته، وأنها تعبير عن مدى تجرد صاحبها من تركيزه على أناه الشخصية، واعتبار الطمس الذي تتعرض له هذه الأنا وتناسيها في غمرة الأحداث والوقائع، هو المطلوب وحده وهو الجدير بالثناء. وفي ظني أن هذا مفهوم خاطئ يتبناه السياسيون أو معظمهم. وما الخوف من اتهامهم بالأنانية وبتضخم الأنا وبالرغبة في الاستعراض والتباهي، إلا ضرب من الأوهام، أو هو ضرب من الاستجابة لمخاوف لا تسهم في تقديم المذكرات على الصورة المتوخاة منها.

     حاولت مراراً زحزحة أبي محمد عن فهمه الدارج للمذكرات وطبيعتها التي ينبغي أن تكون عليها، ولم أفلح إلا قليلاً. فالرجل زاهد في الحديث عن نفسه، غير معني بتدوين ما له علاقة بحياته الخاصة، وهو منصرف باهتمام إلى الكتابة عن المرحلة التي عايشها وما حفلت به من تطورات سياسية وكوارث وبعض إنجازات، وهو في المحصلة  النهائية معني بما تحمله الشعب الفلسطيني من آلام وتضحيات.

     مع ذلك، خرجت مذكرات فائق وراد إلى حيز العلن في العام 2005، وفيها قدر ما من وقائع حياته الشخصية ومعاناته من القمع والاعتقال والسجن والتعذيب، ومن الاختفاء والتشرد والنفي والحرمان من أبسط مقومات الحياة الطبيعية. وفيها كذلك قدر من رصده لمأساة الشعب الفلسطيني، التي ابتدأت منذ مطالع القرن الماضي، جراء الغزوة الصهيونية التي ما زالت نتائجها المدمرة ممتدة حتى الآن.

 

2

     وما يحز في النفس أن المرحلة الراهنة التي غادرنا فيها فائق وراد، تعتبر بحق من أحط المراحل التي اجتازها الشعب الفلسطيني في تاريخه المعاصر، حيث الفرقة والانقسام والتناحر وقتل الفلسطيني لأخيه الفلسطيني، وحيث الجرائم والممارسات العنصرية التي يقترفها المحتلون الإسرائيليون ضد هذا الشعب، مع استمرار سياسة التطهير العرقي والرغبة في إذلال الشعب الفلسطيني وإهانته وتجريده من إحساسه بكرامته الوطنية.

     ومع ذلك، فإن بعض القوى السياسية الناشطة في المجتمع الفلسطيني، تحاول بقصد أو بغير قصد تجاهل أنصع صفحات التاريخ الفلسطيني المعاصر، التي كان لفائق وراد شرف الريادة فيها، وكان له فضل التأسيس. أقصد بالتحديد تراث اليسار الفلسطيني في النضال ضد الانتداب البريطاني والغزوة الصهيونية منذ مطالع القرن العشرين، الذي تمثل في رفض الانتداب وفي رفض الهجرة الصهيونية والاستيلاء على الأراضي في فلسطين، وتمثل في الكفاح متعدد الأشكال من أجل الحرية والاستقلال. واقترن هذا النضال الوطني الذي خاضه الشيوعيون الفلسطينيون بدفاع مثابر عن العمال والفلاحين وكل الفئات المسحوقة في المجتمع الفلسطيني، ولم يغب عن البال إبان ذلك، وعصبة التحرر الوطني تعلن انتماءها إلى الفكر الماركسي، الالتفات إلى القيم العصرية التي تنصف المرأة وتقر بمساواتها مع الرجل في الحقوق والواجبات، وتدعو لفصل الدين عن الدولة مع احترام العقائد والأديان كافة، وتؤسس لمجتمع عصري حديث.

     كان فائق وراد الذي تفتحت عيناه على الحياة قبل اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى في العام 1936 بعشر سنوات، قد بدأ بحسه الفطري السليم يتلمس مظاهر الفقر والبؤس والتخلف في قريته، التي تشترك في ذلك مع بقية قرى الريف الفلسطيني. وبدأ في الوقت نفسه يتعرف على ما يحيط به من ظواهر عامة، مثلت الثورة الفلسطينية آنذاك واحدة من أبرز هذه الظواهر وأكثرها حسماً في حياته. فثمة عدم استقرار في البلاد، وثمة هجرة وانتداب ونزوع فلسطيني إلى الحرية والاستقلال. وفائق وراد في تلك الفترة، كان تلميذاً على مقاعد الدراسة. وقد هيأ له تفوقه وذكاؤه، الانتقال إلى القدس للدراسة في مدرستها الشهيرة: الرشيدية الثانوية، التي عملت فيها نخبة من أبرز المدرسين الفلسطينيين، وكان في عدادهم أدباء ومثقفون.

     أقام فائق وراد في القدس وهو تلميذ في مدرستها، أربع سنوات، نقلته من بساطة الريف إلى فضاء واسع متعدد الآفاق، حيث المعرفة والعلاقات المتشابكة المفضية إلى وعي حديث. كانت القدس ويافا وحيفا وغيرها من المدن الفلسطينية، تشهد انطلاقة أكيدة نحو الحداثة والعصرنة رغم ما يخططه لها الصهاينة والانجليز من مصير مشؤوم. وكان المنورون الفلسطينيون في حقول الثقافة والأدب والفن والصحافة والعلوم والتربية والتعليم، يواصلون جهودهم لوضع مجتمعهم في قلب العصر ومستجداته التي لا بد منها. وكانت عصبة التحرر الوطني في فلسطين هي التعبير الأكثر اكتمالاً آنذاك عن الحداثة الفلسطينية في حقل السياسة، وعن هموم الشعب الفلسطيني وتطلعاته.

     بعد اشتغاله في سلك التعليم وتنقله في مدن فلسطينية عديدة، كان لا بد لفائق وراد، وهو المتفتح الذهن الباحث عن المعرفة، من الاقتراب من سياسة العصبة ومن فكرها العلماني، فانتمى إليها بعد اطلاعه على مواقفها السياسية والفكرية، وأصبح وهو في عز الشباب واحداً من قادتها البارزين.

 

3

 

     التقيته أول مرة في العام 1967 ، بعد الهزيمة بأسابيع. وكان ثمة اجتماع موسع لأعضاء الحزب وكوادره في كل من القدس وبيت لحم والخليل، جرى عقده في بيت أحد أعضاء الحزب في حي وادي الجوز بالقدس. قاد فائق  وراد الاجتماع وكان يساعده في ذلك نعيم الأشهب. لم أكن أعرف فائق وراد قبل ذلك الاجتماع، لكنني سمعت باسمه كثيراً، وكانت تتشكل حول هذا الاسم هالة من البطولة والصدق والتضحية ونكران الذات.

     سمعت باسمه أول مرة من الفلاحين البسطاء في قرية خربثا بني حارث التي تبعد عن رام الله خمسة وعشرين كيلومتراً. تلك هي القرية التي ابتدأت حياتي العملية مدرساً في مدرستها الابتدائية. كان الفلاحون يتحدثون باحترام عن فائق وراد في ليالي السمر التي كانت تجمعنا بين الحين والآخر.كان ذلك في العام 1959 وما تلاه من أعوام. وكان فائق قد زار هذه القرية وغيرها من قرى الريف الفلسطيني حينما رشحه الحزب، لخوض الانتخابات النيابية للبرلمان الأردني في العام 1956 . كان فائق يجتمع مع الفلاحين وغيرهم من أبناء الشعب، ويلقي فيهم خطابات سياسية مقنعة بلغة بسيطة صادقة، تعبر عما في فائق نفسه من بساطة وصدق. كان آنذاك شاباً في الثلاثين من العمر، متدفقاً حيوية وحماسة من أجل الدفاع عن لقمة خبز الكادحين وعن حق العودة للاجئين.

     كانوا يتحدثون عنه ويؤكدون أنه بعد نجاحه في الانتخابات ودخوله البرلمان الأردني باعتباره أصغر عضو فيه آنذاك، لم ينقطع عن زيارتهم وتلمس قضاياهم وهمومهم. غير أن بقاءه لم يطل في البرلمان، فقد حل البرلمان بعد سنة من تشكيله وانقلبت الأحوال، وتم حظر نشاط الأحزاب السياسية، وألقي  القبض على فائق وراد وعلى الكثيرين من رفاقه الشيوعيين ومن قادة القوى السياسية الأخرى وكوادرها ومنتسبيها، وحكم على فائق وراد بالسجن ستة عشر عاماً مع الأشغال الشاقة، بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي.

     وكنت أعرف اسمه انطلاقاً مما يرويه عنه من مثابرة وتصميم على النضال، رفاق عاصروه في عصبة التحرر الوطني أو عرفوه عن قرب آنذاك، ورفاق عاصروه في سنوات الخمسينيات من القرن العشرين وعرفوه عن قرب، حتى لحظة اعتقاله وتغييبه في غياهب سجن الجفر الصحراوي الذي قضى فيه ثماني سنوات، ثم أفرج عنه مع رفاقه في العام 1965 .

     بعد الإفراج عنه أقام في مدينة رام الله، ثم لم يلبث أن اختفى بعد عام من ذلك إثر موجة الاعتقالات التي طالت مجدداً الشيوعيين والبعثيين والقوميين العرب، ثم غادر سراً إلى الخارج للعلاج. وبعد هزيمة حزيران 1967 عاد إلى البلاد في شاحنة قديمة، وأقام في بيت في مدينة البيرة، ولم تلبث سلطات الاحتلال الإسرائيلي أن أبعدته إلى الأردن، بعد أشهر من وقوع الهزيمة.

     قاد فائق وراد ذلك الاجتماع في حي وادي الجوز بالقدس، بأسلوبه المشحون بالحماسة وببعض مصطلحات شعبية ظريفة، وببعض مفردات تتكرر على لسانه كما لو أنها من لوازم الحديث التي لا يمكن الاستغناء عنها، وفي كل الحالات تكون ملامح فائق وحركة يديه وطريقة تلفظه بالكلمات، دالة على حالة من الصدق النابع من داخله، ومعبرة عن صفاء ضميره ووجدانه، ما ترك في نفوس السامعين أثراً منتجاً وأكيداً. في ذلك الاجتماع، تعزز تقديري لفائق وراد ولدوره الريادي ولمكانته في الحزب وفي حركة النضال الوطني والاجتماعي قبل الاحتلال وبعده.

 

4

     وقد تعزز هذا التقدير حينما التقيت فائق وراد عدداً كبيراً من المرات بعد ذلك الاجتماع الأول: زرته مرتين أو ثلاثاً أنا وعبد المجيد حمدان في بيته في البيرة، وكان يسكن معه في البيت نفسه سليمان النجاب. كنا، عبد المجيد  وأنا، عضوين في قيادة اتحاد المعلمين آنذاك، وكنا نذهب إلى فائق وسليمان بعد كل اجتماع للقيادة، نعرض عليهما حصيلة الاجتماع وما تقرر فيها من مواقف واجتهادات. وكان لفائق ولسليمان ملاحظات نأخذها بعين الاعتبار في اجتماعاتنا اللاحقة.

     وزرته في العام 1972 في بيته في عمان، وكان معي آنذاك خليل حجازي ومحمد أبو غربية، وكنا ذاهبين بتكليف من قيادة الحزب في الضفة الغربية، لحضور اجتماع للجنة المركزية للحزب في عمان. كان أبو محمد يقيم في بيت مستأجر في جبل الحسين. تدخل إلى البيت عبر ممر مبلط مكشوف طوله ثلاثون متراً تقريباً. تدخل إلى برندة صغيرة لطالما جلس فيها أبو محمد طوال سنوات إقامته في ذلك البيت، وعينه على الرصيف الذي يجتازه المارة وعلى الشارع الذي لا تنقطع فيه حركة السيارات.

     زرته في هذا البيت نفسه كثيراً، وعقدنا اجتماعات عديدة فيه، بعد أن أبعدت أنا أيضاً خارج البلاد. وزارني هو أيضاً في بيتي في بلدة مرج الحمام عدة مرات. وحينما غادر هذا البيت وانتقل إلى بيت آخر في حي سكني خلف صحيفة الرأي، واظبت على زيارته هناك. وكنت شاهداً على بعض مواقفه واجتهاداته في اجتماعات اللجنة المركزية، حينما أصبح هو أميناً عاماً وأصبحت أنا عضواً في اللجنة المركزية للحزب. كان يبذل قصارى جهده لحمل الأمانة بأمانة، ولم يكن ينقصه الإخلاص ولا الحس المرهف الذي يستشعر متطلبات اللحظة السياسية المعنية. ربما وقع في بعض الأحيان في خطأ غير مقصود أو في تقدير غير دقيق لموقف ما، ربما لم نتعاون معه في بعض  المواقف كما ينبغي أن يكون التعاون، وهو الذي كان يعرف حدود قدراته الفكرية فلم يمارس أي ادعاء، ربما غلبنا الشخصي على الموضوعي في تعاملنا معه في بعض الأحيان، ربما ضخمنا النتائج السلبية المترتبة على بعض مواقفه، وبالذات ذلك الحوار الذي أجراه معه أحد الصحافيين ونشره في إحدى الصحف، وتحدث فيه عن قرار مجلس الأمن 242 وعن المقاومة وآفاق حل القضية الفلسطينية! ربما كان متصلباً في بعض مواقفه المتعلقة بالصراعات الداخلية، في حين كانت مصلحة الحزب تتطلب شيئاً من المرونة، ربما كانت مواقفه المتصلبة تشكل رد فعل على مواقف بعض الرفاق، ربما كان موقفنا آنذاك من قضايا الخلاف داخل الحزب محكوماً بنظرة ضيقة ذات طبيعة غير ديمقراطية، تستحق أن نسلط عليها الضوء لتقييمها، ولاستخلاص الدروس المستفادة منها، ولتطبيقها على وضعنا الراهن، الذي يحتاج فيه اليسار إلى رؤى متجددة ونفس كفاحي جديد.

     وفي كل الأحوال، فقد احتمل فائق وراد ما له وما عليه بصبر وثبات، وواظب على حمل الأمانة واحتمال العبء حتى لحظة وقوعه في براثن المرض، ما جعله يتنحى طواعية عن مهمة الأمين العام التي تحتاج إلى جهود كبيرة. والجدير ذكره في هذا المجال، أن فائق وراد لم يلتفت كثيراً إلى المرارة التي تركتها في نفسه سنوات الصراع الداخلي في الحزب، وحينما كتب مذكراته، كان حريصاً على ألا يمس أحداً من رفاقه بسوء، وألا يسخّر قلمه لتصفية الحسابات. بل إنه ترفع عن إثارة الحساسيات التي لا لزوم لها في هذا الظرف العصيب، وظل محافظاً على احترامه لرفاقه وعلى احترام رفاقه له. وكان إلى ذلك كله، وطنياً صادقاً وتقدمياً مخلصاً. كانت وطنيته نابعة من حزبيته التي لا تعرف الانغلاق، ومن إخلاصه لمبادئه وللمصالح العليا لشعبه.

     ولطالما تبادلنا الحديث ونحن في المنفى حول السياسة وتعرجاتها، ولطالما حلمنا بعودة كريمة إلى الوطن. وظل الأمر كذلك، إلى أن تحققت لنا تلك العودة الناقصة إلى الوطن في العام 1993 ، حينما عاد أبو محمد وعدت أنا وعاد ثمانية وعشرون مبعداً فلسطينياً إلى وطنهم، جراء جهود بذلتها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية (التي كان فائق وراد عضواًً في مجلسها المركزي) مع رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك، اسحق رابين.

 

5

     يصل موكب الجنازة إلى المكان الأول، الذي أتيح لفائق وراد أن يعيش فيه أول أيام عمره وآخر أيام عمره. يتجمع حشد كبير من رفاق فائق ومحبيه ومن قادة القوى الوطنية والتقدمية واليسارية وكوادرها، ومن الشخصيات الوطنية والاجتماعية، ومن أهالي بيتين، ومن الناس البسطاء الذين ربطتهم بفائق علاقات صداقة ونضال. وعلى القبر، ألقيت كلمات مؤثرة  تشيد كلها بمناقب الفقيد في التضحية والريادة والكفاح. كلمة باسم الرئيس محمود عباس ألقاها محافظ رام الله والبيرة الدكتور سعيد أبو علي. كلمة باسم الحزب الشيوعي الإسرائيلي ألقاها الكاتب محمد نفاع الأمين العام للحزب. كلمة باسم حزب الشعب الفلسطيني ألقاها بسام الصالحي الأمين العام للحزب. كلمة باسم القوى الوطنية والتقدمية في بيتين ألقاها سمير محمد عيسى، وكلمة المجلس القروي في بيتين ألقاها ذياب ياسين رئيس المجلس. ولا أنسى بطبيعة الحال، ما ارتجله عصام بكر من كلام ذكي وهو يقدم المتحدثين.

      ثم يتجه الجمع كله إلى بيت فائق وراد لتقديم واجب العزاء فيه، لرفاقه ولأهله ولزوجته رقية النجاب ولبناته الثلاث: منال وميس ورنا. وهنا لا بد من ثناء على رقية النجاب التي رافقت زوجها فائق وراد في السراء والضراء، وتحملت الكثير من العنت أثناء تعرضه لما تعرض له من عسف وعناء،  وتحملت الكثير كذلك أثناء مرضه الذي طال، فظلت ملازمة له تقدم له كل ما هو بحاجة إليه من مساعدة ورعاية واهتمام. لها كل التقدير وكل الاحترام.

 

6

     ويبقى أن أقول: إن تعميم المثل الحي الذي ضربه فائق وراد في حياته المديدة، يصبح ضرورة لا بد منها للأجيال الجديدة من أبناء شعبنا، تلك الأجيال التي لا تملك، لأسباب عديدة، فكرة واضحة عن  جوانب من التاريخ الفلسطيني المعاصر.  إن التعمية على هذا التاريخ والتقليل من قيمته ومحاولات طمسه، إنما تهدف بقصد أو بغير قصد، إلى تشويه الحقيقة، وإلى إفقار حياة الشعب الفلسطيني  واجتزاء تراثه الكفاحي المعاصر وما تخلله من قيم نبيلة ومثل عصرية.

     ولعل اليسار الفلسطيني الذي يعلق كثيرون آمالاً عريضة عليه، أن يكون أكثر المنتبهين إلى تعميم هذا التاريخ وحمايته وتسليط الضوء عليه، باعتباره واحداً من الجوانب الإيجابية في حياة هذا الشعب. ومن شأنه في حالة لفت الأنظار إليه، أن يحفز الأجيال الجديدة على مزيد من التبصر والوعي، وخصوصاً في هذا الظرف الذي يشهد حالة من عدم الإقبال الكافي على اليسار، رغم صحة توجهاته بشكل عام، ورغم أهمية القيم التي يؤمن بها ويدعو إليها. ربما كان ذلك ناتجاً عن ضغط صعوبات المرحلة، أو بسبب عزلة اليسار عن الناس، أو بسبب ضعف التربية السياسية والفكرية التي من شأنها في حال توفرها، أن تحمي الشابات والشباب المنتمين إلى اليسار، من البلبلة والتردد والتراجع والانكفاء، ومن شأنها كذلك أن ترفع من وتيرة التصميم على النضال، لدحر الاحتلال الإسرائيلي ولتحقيق الحرية والعودة والاستقلال، وبناء الدولة الديمقراطية العصرية المستقلة وعاصمتها القدس، وفتح الأفق نحو العدالة الاجتماعية والاشتراكية.

     فائق وراد اسم له دلالات كبيرة وعميقة في وجدان من عرفوه وعايشوه وناضلوا جنباً إلى جنب معه. اسم يفخر به التقدميون والوطنيون الفلسطينيون والعرب.

     سلام على فائق وراد، المناضل الكبير وأحد أبرز الرواد في حركة اليسار الفلسطيني في القرن العشرين.