2008-08-10

رحلت "ريتا" وبقيت البندقية.. وداعا محمود درويش

 بقلم : عيسى ماجد رشماوي 

   بنظارته الصلبة وبشيبته الناصعة، وبكل ألوان الذكريات المخططة على أسطر شعره، رحل عنا درويش. رحل الشيخ والفتى، رحل الغني والفقير، رحل الحاضر والماضي، رحل الهلال والصليب، رحل محمود درويش.

   لن يرثيك أحد يوما كما رثيت نفسك، كأنك لم تأبه حتى بالموت الذي طلبك كثيرا ولم تجب، وكأنك رددت كل دعوات الصهاينة الى حيث أتت، فعشت أنت وشبعوا هم موتا من شعرك، فأنت قد رحلت، ولن يزعجوك بعد الآن، ولكن موتك لن يريحهم، فطالما يعيش في هذا العالم ذوو الضمير، سيظل العدو يسمع شعرك حتى نرى القدس فلسطينية، كما عشقتها.

   عندما تقول، "أحن إلى خبز أمّي"، يعود الشيوخ أطفالا ينتظرون الخبيز ليأكلوا بفرح، وعندما تقول: "أعدّي لي الأرض كي أستريح، فإني أحبّك حتى التعب"، ينام الفرقاء على فراش الحب دون سؤال، فأنت من جمعتهم. أما عندما تقول: "فلتسقطوا عني جواز السفر"، تنشق الأرض ويخرج الثوار ويغنوا نشيد الحرية باسمك. غنينا ما فكرت وعشنا مع ما أبدعت منذ ولدنا، ما الفرق أن كرمناك أو رثيناك، فنحن في بحر محبتك قطرة، وأنت في بحار الثورة إعصار.

   ماذا أقول في قوتك، وأنت من أسقطت قناع العدو؟ ماذا أقول في شجاعتك وأنت من غنيت الثورة في زمن الانكسار، أنت من حولته لزمن التحدي والنصر، قالوا عنك واهم وقد كنت الأحق، وقالوا عنك تتكلف وقد كنت هواء الطبيعة المتغلغل المنعش، نهشوا منك ما نهشوا ليكبروا عليك فسحقتهم في سطرين من شعرك. عرفت الآن لماذا خافوك، عرفت اليوم لماذا حاولوا أن يسكتوك، ولكن، ولو صمت الحسون عن الغناء ، وصمتت الأرض والسماء، فهذا الصوت الثائر لا بد أن يصدح.  

   انهض واغضب وطر عاليا حتى بعد رحيلك، فإن الأرض الآن أغنى بدمك، والسماء عطشى للقاء روحك، نم على الغيوم واشجها بشعرك، نغار منها الآن لرفقتك، ولكننا لن نسرقها منك، فنحن واثقون تماما، أن هذه الغيوم ستثقل يوما لتعود وتمطر شعرك علينا، رذاذا منعشا وثلوج، تحمل لون قلبك، منه إلى قلوبنا دون إذن، فنحن لسنا نعتبره شعرا بعد الآن، إننا نراه تراتيلا وتسابيح...... وداعا محمود درويش