2008-08-10

وداعاً محمود درويش

وداعاً يا من أحببناك وأحببتنا

حزب الشعب الفلسطيني ينعي شاعر فلسطين والإنسانية الشاعر الكبير محمود درويش

بكل ما تحمله كلمات الحزن والفقدان والأسى من المعاني، ينعي حزب الشعب الفلسطيني إلى أبناء شعبنا الفلسطيني المناضل، وإلى أبناء أمتنا العربية وقوى التحرر والتقدم في العالم، والمجتمع الإنساني بأسره، شاعر فلسطين الكبير محمود درويش الذي غيّبه الموت عنا في إحدى المستشفيات الأمريكية مساء أمس، السبت الموافق 9/8/2008، بعد خضوعه لعملية جراحية معقدة أوقفت قلبه الكبير عن الخفقان، وتمكن الموت الذي لم يكن يأبه به درويش طوال حياته، منه هذه المرة، وغدر به.

لقد عاش شاعرنا الفلسطيني الكبير محمود درويش، ابن قرية البروة (العكية) التي محتها آلة الحرب الإسرائيلية عن الأرض ولم، ولن تستطيع محوها من الذاكرة الفلسطينية المتجددة، عاش حياته مسكوناً بالهم الوطني والإنساني والفني معاً، لذا لا عجب من انخراطه في وقت مبكر من حياته في صفوف الحزب الشيوعي الإسرائيلي، والنضال في صفوفه وإثراء صحافته، سواء الاتحاد الحيفاوية، أو الجديد، بمقالاته، وبقصائده التي تحولت إلى أناشيد في عقول وأبناء شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية، وعمقنا الإنساني.   

التحق الشاعر الراحل في شبابه المبكر في صفوف الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وعمل في مجلة "الجديد" وصحيفة "الاتحاد"، ولاحقته أجهزة القمع الإسرائيلية، ثم فرضت عليه الإقامة الجبرية اعتبارا من العام 1961 حتى غادر العام 1972. لجأ درويش إلى مصر العام 1972، ثم التحق في صفوف منظمة التحرير الفلسطينية، وشغل فيها عضوية اللجنة التنفيذية وعاش فترة في بيروت وباريس. كتب درويش إعلان الاستقلال الفلسطيني الذي تم إعلانه في الدورة التاسعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر العام 1988. وعمل رئيسا لتحرير مجلة "شؤون فلسطينية"، وشغل منصب رئيس الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين، وأسس مجلة "الكرمل" في بيروت العام 1980 والتي انتقلت إلى قبرص قبل أن تستقر أخيرا في رام الله، وظل يشغل رئاسة تحريرها حتى رحيله. ونال درويش جوائز عالمية عدة تكريما لشعره.

استطاع محمود درويش أن يتربع على عرش الشعر، وعلى اتساع رقعة الوطن العربي، ووصلت امتداداته إلى ربوع العالم والإنسانية، لعدة عقود، حتى أصبح شاعر العربية الحديث دون منازع. لقد ارتقى درويش، حامل الهم الوطني بأبعاده الإنسانية والتقدمية، بالقصيدة إلى أعلى القمم الممكنة، واستطاع المزاوجة بين هذا الهم والفن الشعري الراقي، وخلال رحلته الشعرية التي شارفت على إكمال خمسة عقود لم يتنازل عن أيٍّ من طرفي معادلة الوطن والشعر لصالح طرف آخر.

كان محمود درويش إنساناً استثنائياً، وظل قادراً على إدهاشنا في عمق انتمائه الوطني والإنساني التقدمي والشعري. ظل درويش طوال رحلته الشعرية قادراً على التجديد، وعلى السمو بالقصيدة إلى أعلى درجات الرفعة، وهذا ساهم بشكل جليٍّ في تقديم أسطورة الشعب الفلسطيني بمعاناته، وإنسانيته، وكفاحه ونضاله من أجل الحفاظ على حقوقه وحياته، إلى العالم أجمع.

لقد غيَّب الموت في لحظة غفلة محمود درويش، إلا أن هذا الموت، الذي تحداه درويش وأعلن غير مرة أنه لا يأبه به، لن يُغيِّبَ جماليات محمود درويش، وإبداعاته ومواقفه التي لم يساوم يوماً عليها، لا العدو ولا الأخ ولا الصديق. وفي لحظة الغياب، ونحن نواصل النضال من أجل إقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة على حدود أرضنا التي احتلت في أعقاب الرابع من حزيران (يونيو) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، نستذكر هدينا إلى ذلك، ألا وهو وثيقة إعلان الاستقلال التي صاغها شاعرنا الكبير محمود درويش، والتي أكد فيها على شكل دولتنا العتيدة الديمقراطية، القائمة على التعددية السياسية والفكرية دون تمييز او هيمنة او تسلط.

ونحن نودع شاعرنا الكبير الذي شكل غيابه خسارة كبيرة لفلسطين، وللوطن العربي، وللإنسانية جمعاء، فإننا نطالب باستلهام ما صاغه في وثيقة إعلان الاستقلال:

إن دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق، تصان فيها معتقداتهم الدينية والسياسية وكرامتهم الإنسانية، في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب ورعاية الأغلبية حقوق الأقلية واحترام الأقلية قرارات الأغلبية، وعلى العدل الاجتماعي والمساواة وعدم التمييز في الحقوق العامة على أساس العرق أو الدين أو اللون أو بين المرأة والرجل، في ظل دستور يؤمن بسيادة القانون والقضاء المستقل وعلى أساس الوفاء الكامل لتراث فلسطين الروحي والحضاري في التسامح والتعايش السمح بين الأديان عبر القرون.

وداعاً محمود درويش

وداعاً يا من أحببتنا وأحببناك

10/8/2008                                                                           حزب الشعب الفلسطيني