2008-06-08

    يمكن القول أن الوضع قد نضج اليوم أكثر من أي وقت مضى كي تجيب كل أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية بوضوح على سؤال:  أي أشكال النضال أكثر ملاءمة للوضع الفلسطيني..؟؟ وهو السؤال الذي دار حوله خلاف لسنوات طوال، بل وكان محرما على أي طرف كان، إعطاء أي إجابة أخرى غير الكفاح المسلح، وأحيانا وللأسف كان ينظر بدونية واستخفاف لمن يقول بغير ذلك من أشكال النضال والعمل، ظل ذلك مسيطرا إلى أن حدث تطور دراماتيكي وقسري في الوضع الفلسطيني.. وكان ذلك بعد خروج قوات الثورة الفلسطينية من لبنان-- في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي له في العام 1982، عندها حصل الإدراك بأهمية مزاوجة العمل المسلح بأشكال العمل الأخرى-- والمقصود هنا الجماهيرية-- وتزامن ذلك ايضا مع الاعتراف بان ساحة المناطق المحتلة هي الساحة الرئيسية للصراع وليست ساحة الخارج.

    وقبل أن انتقل للحديث عن المقاومة الشعبية، أود أن ألامس قليلا ما كان يعطى صفة القدسية، ألا وهو المقاومة المسلحة، ( ليس من منطلق تجريمها أو نسفها كأحد أشكال النضال، المشروعة لكل الشعوب المضطهدة والمعذبة، ولكن لكي أضع إصبعي على ما اعتقد انه الجرح، الذي أدمانا وأثخن فينا الجراح دون أن نحصل على ما يكافئه من ثمار )، فعلى الرغم من الدور الذي لعبته حركة المقاومة المسلحة في استنهاض قوى الشعب الفلسطيني، وتعزيزها لهويته وتأكيد حضوره في مواجهة المشروع الصهيوني، إلا أنها لم تنجح في المضي قدما في الخيارات التي أخذتها على عاتقها-- من المقاومة إلى التسوية-- ومن الانتفاضة إلى التسوية-- ومن بناء الحركة الوطنية إلى بناء الكيان--.

    فمنذ البداية كان ثمة فجوة كبيرة بين شعارات الحركة الوطنية الفلسطينية وإمكانياتها، وبين رغباتها وقدراتها، لذلك لم يكن ثمة أي تناسب بين التضحيات والمعاناة التي تكبدها شعب فلسطين، طوال أكثر من أربعة عقود ونصف، مضت من عمر حركته الوطنية، وبين الإنجازات التي تم تحقيقها، سواء داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة أو في مناطق اللجوء.

    لقد كانت وما تزال مشكلة هذه الحركة أنها بدلاً من إدراك معطيات الواقع المعقد والمعطيات المحيطة وبدلا من البناء على قدراتها وإمكانياتها وقيامها بعملية قياس للجدوى، أسّست نفسها على الشعارات وشحذ العواطف وتقديس التضحيات، وعدم المساءلة ونبذ العقلية النقدية، وتغييب الطابع المؤسّسي والديمقراطي في إدارة بناها وعلاقاتها الداخلية.. وإذا تجرانا أكثر ووضعنا المقاومة المسلحة، موضع الدراسة والبحث، فسنجد أن هذه التجربة خضعت غالبا لأغراض الدعاية الإعلامية، والمنافسات الفصائلية، وجرى المبالغة بها وبتأثيراتها على إسرائيل.

    وأود أن اذكر مرة ثانية.. بان  الحديث هنا لا يستهدف شرعية المقاومة المسلحة، بقدر ما يناقش جدوى الأشكال النضالية المتبعة.. بحسب الزمان والمكان والهدف، وإمكانية استثمار العوائد المتأتية منها إيجابا، والقدرة على التحكم بها وإدارتها بأنجع ما يمكن.. كما أن المسألة هنا تتعلق بعدم حصر المقاومة بالكفاح المسلح، بتأكيد المقاومة بكل الأشكال الشعبية الممكنة، وفي الواقع فإن كفاح الفلسطينيين كان يمكن له، أن يكون أكثر جدوى، لو أدار الفلسطينيون كفاحهم بنوع من العقلانية والواقعية، وفي هذه الحالة كان يمكن أن تكون  خسائرهم بالتأكيد أقل بكثير.

    وعند الحديث عن المقاومة الشعبية في فلسطين تتراءى أمام أعيننا تجارب كثيرة يزخر بها تاريخنا، وما بلعين إلا واحدة من تلك التجارب التي تعكس ما يجب أن يكون عليه نضال شعبنا، ضد عدو مثل عدونا، مدجج بآفتك أنواع الأسلحة القتالية والسياسية والإعلامية، وهي أنموذج يحاكى ما سطره شعبنا منذ أكثر من سبعين عاما أي في إضراب العام 1936 ، وكذلك ما اجترحه شعبنا من مآثر وملاحم بطولية في انتفاضته المجيدة الأولى.

    وعند تحليل نموذج بلعين من حيث أسباب النجاح وعوامل الديمومة يمكن القول انه نموذج نجح بما توفر له من أسباب النجاح.. أولها شجاعة ومثابرة أهالي بلعين.. ووجود قيادة محلية مؤمنة بهذا الشكل من النضال.. عملت بجد واجتهاد لتنويع الفعاليات، وابتكار الجديد والغير مألوف منها، كما وكان لتوفر حضور دائم لمتضامنين إسرائيليين ودوليين بشكل مكثف دور كبير في ديمومة الفعل النضالي، ترافق مع الدعم والتغطية الإعلامية الواسعة للأنشطة والفعاليات.
إن تجربة بلعين هي استمرار لما انقطع في تجربة الانتفاضة المجيدة الأولى، بنت عليها من حيث جوهرها، كنضال بالحد الأدنى من العنف، وبالحد الأقصى من المشاركة الشعبية، وميزة بلعين أنها طورت أدوات النضال وأشكال الاحتجاج بما يتوافق مع الواقع الجديد وطبيعة المهمات.

    وان كانت بلعين الآن هي النموذج الأبرز للمقاومة الشعبية، إلا أنها ليست يتيمة وليست نبت شيطاني، فقد كان قبلها وجاء بعدها نماذج أخرى نجحت لكن لم يعطها الإعلام حقها بالبروز، فحملات مقاومة الجدار من شمال الضفة إلى جنوبها .. حملات مناهضة الحصار والحواجز، كما يحصل في نابلس وغيرها من المحافظات، كلها نماذج رائعة للفعل الشعبي المقاوم.

    ومثلما جاءت الانتفاضة الأولى في أعقاب مقاومة مسلحة لتحقق انجازات عجزت عن تحقيقها تلك المقاومة المسلحة طوال ربع قرن من نشاطها، حيث جلبت الاعتراف بالشعب الفلسطيني، وبحركته الوطنية، وعزّزت التعاطف الدولي معه، وخلقت الشروخ في المجتمع الإسرائيلي، ونمّت مداركه بشأن عدم جدوى الاحتلال والاستيطان، وهي التي أجبرت إسرائيل على مراجعة أساطير الصهيونية التقليدية، المتعلقة بفكرة إسرائيل الكبرى، أو تغييب الشعب الفلسطيني.. كل ذلك جاء بعد أن حققت الانتفاضة الشعبية كسب التأييد والتعاطف الجارفين على الصعيد الدولي مع قضية شعبنا وكشفت الوجه القبيح للاحتلال.

    وكذلك جاءت بلعين أيضا عقب سنوات من المقاومة المسلحة-- إبان السنوات الأربعة الأولى من الانتفاضة الثانية-- جاءت لتضع الأمور في نصابها، ولتعيد تعريف الصراع بيننا وبين المحتل-- كصراع جلاد وضحية-- واستطاعت إلى حد كبير تغيير الصورة التي نجحت إسرائيل إلى حد كبير بإلصاقها في أذهان العالم-- بأنها الضحية وأنها جزء من المعسكر المعادي للإرهاب على الصعيد العالمي-- وبان الفلسطيني هو الجلاد، وانه جزء عضوي من مكونات معسكر الإرهاب والشر.

    لقد كان اخطر ما واجهه نضال شعبنا في السنوات الماضية، تغييب النضال الشعبي بشكل قسري، رغم أن الجاهزية كانت وما تزال موجودة لخوض هذا الشكل من النضال، فهو يقلل حجم الخسائر البشرية في صفوفنا، ويحيد القوة العسكرية للاحتلال، وقادر على دفع الرأي العام الدولي للتعاطف أكثر مع قضيتنا، وليمارس الضغوط على إسرائيل، وفوق كل ذلك انه يضمن مشاركة أوسع من قبل كافة قطاعات شعبنا وفئاته العمرية، ويمكن للسلطة أن تتبناه دون أن تتهم بالإرهاب، الأمر الذي يمدها بأسباب القوة أثناء قيامها بالتفاوض.

    وعند تحليل ما جرى في الانتفاضة الثانية، يمكن القول إن تحويل الانتفاضة الثانية وبعد بضعة شهور من اندلاعها إلى صراع مسلح، أطلق العنان للقوة العسكرية الغاشمة لدولة الاحتلال، ومنحها الحجج الإعلامية لتبرير جرائمها، وإظهار الانتفاضة وكأنها صراع مسلح بين قوتين عسكريتين، هذه العسكرة أجهضت الجانب الشعبي للانتفاضة، وحيدت الجماهير التي لا تستطيع المشاركة في المقاومة المسلحة.

    لقد كان حزب الشعب الفلسطيني ولم يزل مؤمنا بالمقاومة الشعبية، وهي بمفهومه تعني.. ممارسة جماهير الشعب للفعل النضالي الشعبي بالحد الأدنى من العنف وبالحد الأقسى من المشاركة الشعبية.. وذلك من اجل تحقيق أهداف وطنية.. باستخدام العديد من التكتيكات، منها : إرباك سياسات العدو وعرقلة مخططاته-- عن طريق خلق نقاط احتكاك ومجابهة دائمة مع المحتل في كل نقاط التماس المباشرة معه، عند الجدار وعلى بواباته، وبالقرب من الحواجز والبؤر الاستيطانية، وفي الأراضي المصادرة والمهددة بالقضم.. ومنها العمل على كسب التأييد والتعاطف الدوليين، وبناء حركة ضغط وتضامن عالمية مع حقوق شعبنا، تضع العدو في موقف يفرض عليه وقف عدوانه وتغيير سياساته.. وذلك بتطبيق تكتيكات غير مسلحة.. مثل تظاهرات الاحتجاج والإضرابات العامة.. والقيام بعملية توعية للجماهير الفلسطينية وتعبئتها وتحريضها لإيصالها إلى لحظة تمارس فيها أشكال العصيان المدني بشكل تدريجي.. ويندرج أيضا ضمن تلك التكتيكات مواجهة نهج التطبيع بكل أشكاله.. وخوض معركة الإعلام للتأثير بالرأي العام العالمي وكسبه، ومن ثم تكوين جماعات الضغط على المستوى الدولي من اجل فرض أشكال متعددة من العقوبات الدولية على المعتدين ، ومنها كذلك تفعيل وإنجاح حملات المقاطعة الاقتصادية والثقافية والنقابية والدبلوماسية العالمية للمحتلين.. وهي تكتيكات بمجملها ليست غريبة أو جديدة على شعبنا، الذي مارس العديد منها منذ بدايات القرن الماضي.

    لقد خاض شعبنا غمار المقاومة الشعبية منذ بدء الاحتلال، وانخرطت أوسع الجماهير في المعارك الشعبية-- بدء من إضراب القدس في أول أيام الاحتلال، مرورا بهبات أعوام 1974 و 1976، حيث خاضت الجماهير وأطرها الكفاحية أروع المعارك ضد الاحتلال والاستيطان وضد سماسرة الأراضي وروابط القرى العميلة وضد الإدارة المدنية، وولدت في الميدان اطر جماهيرية كفاحية عديدة، كان جوهر نشاطها المقاومة الشعبية.. كلجنة التوجيه الوطني، واللجنة العامة للدفاع عن الأراضي واطر العمل التطوعي، كما ومارست النقابات العمالية والمهنية والاتحادات الشعبية بعد تفعيلها دورا بارزا في خدمة مصالح الجماهير وتثبيتها على ارض الوطن وكذلك فعلت العديد من المؤسسات الأهلية الزراعية والطبية والقانونية.. ( ومن الأمثلة الرائعة والمبكرة على تبني حزب الشعب لإستراتيجية المقاومة الشعبية، ما فعله مجلس وطلاب كلية بير زيت في العام 1970، حينما ردوا على إغلاق الاحتلال لكليتهم بتشكيل لجنة للعمل التطوعي، والمبادرة بعملية تنظيف لشوارع مدينة رام الله، الأمر الذي استفز الاحتلال وجعله يقوم بعملية قمع وتنكيل بالطلبة المتطوعين.. ويومها صدحت حنجرة زجال الشعب والحزب-- الراحل راجح السلفيتي-- بمقطوعة زجلية رائعة ومعبرة تقول: حامل مكنستو وداير ما هو زبّال.. هذي أولى البشاير حضّر حالك يا احتلال.

    إن الاعتراف بأهمية وضرورة المقاومة الشعبية-- وان جاء متأخرا-- يجب أن يكون نقطة الانطلاق لجميع مكونات الشعب الفلسطيني -- قوى وسلطة وجماهير، واتحادات شعبية ومؤسسات مجتمع مدني-- الأمر الذي يتطلب اتخاذ الجميع قرارا بتبني المقاومة الشعبية كخيار استراتيجي، ونهج لمواجهة كل مخططات الاحتلال، وصولا إلى دحره وتحقيق أهداف الشعب الفلسطيني-- في التحرر والاستقلال والعودة..

    ولتعزيز خيار المقاومة الشعبية في الحالة الفلسطينية لابد من القيام بما يلي :
1. الإسراع بإنهاء حالة الانقسام الداخلي الفلسطيني، وإعادة اللحمة إلى شطري الوطن، من خلال الشروع بحوار وطني-- على قاعدة إعلان حركة حماس استعدادها للعودة عما فعلته في قطاع غزة-- وصيانة أسس وقواعد النظام الديمقراطي الفلسطيني، والاتفاق على برنامج سياسي واضح محدد-- يرسم أفقا واقعيا للجماهير ويتم تعبئتها على أساسه-- على أن يكون منسجما كذلك مع قرارات الشرعية الدولية، من اجل تعزيز تعاطف وتأييد الرأي العام العالمي مع قضية شعبنا.
2. تأصيل نهج المقاومة الشعبية في برامج وخطط كل القوى المناضلة ضد الاحتلال.. وشروع هذه القوى عمليا بممارسة هذا النهج من خلال توجيه معظم طاقاتها البشرية والمادية لخدمته.
3. الانتقال فورا للعمل على الأرض وفق هذا النهج، لتفعيل العامل الشعبي وتنظيم حركته في إطار المقاومة الشعبية.
4. العمل الحثيث والجاد من اجل بناء إطار جامع للحركات الشعبية ( حركة مقاومة شعبية )، ووضع خطة وطنية جادة تحول المقاومة الشعبية من عمل تكتيكي إلى نهج استراتيجي.
5. حشد كل الطاقات الوطنية لتفعيل العامل الشعبي وتاطيره وتوجيه بوصلته نحو الاتجاه الصحيح أي ضد الاحتلال.
6. التوجه الفعلي لتعزيز صمود الجماهير وتوفير كل ما يلزم من مقومات الصمود.
7. تعزيز وتوطيد العلاقة مع كافة حركات التضامن الدولية وتطوير العلاقة معها من اجل إنجاح حملات المقاطعة الاقتصادية والأكاديمية والنقابية.
8. استخدام أسلوب عمل ( الضغط والمناصرة ) لتنظيم حملات مخططة، ضد الاستيطان والجدار، وضد الحواجز، وضد الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان الفلسطيني، ومن اجل تعزيز صمود السكان.. تلك الحملات التي تتضمن أعمال الاحتجاج كجزء من أنشطتها.
9. دفع السلطة الوطنية وحكومتها للوقوف إلى جانب الفعل الشعبي المقاوم للاحتلال-- بتقديم كل أشكال الدعم والإسناد له، والتوقف نهائيا عن الاستجابة للضغوط والاشتراطات الإسرائيلية.. التي تصور كل أعمال الاحتجاج والرفض الفلسطيني لسياساتها.. بأنها شكل من أشكال التحريض المنافية لنصوص خارطة الطريق.


بلعين – 4/6/2008