2008-05-28

المتابع والمتفحص للمشهد الشرق أوسطي يصل دون أن يكابد عناء ومشقة البحث والتحري إلى استخلاصات من شأنها أن تجمع الصورة ونقيضها في نفس الوقت، هذه الحالة من خلط الأوراق المتعمد ليست وهي لم تكن في يوم من الأيام وليدة الصدفة أو الارتجالية، بل هي ترتبط برباط وثيق بصياغة المنطقة والمفاهيم المتعلقة بها على ضوء المتغيرات والتحولات الهائلة التي زعزعت البنى الإقليمية للخارطة الجيو سياسية على الأقل خلال الحقبة الزمنية المنقضية.

الشرق الأوسط الخليط الممزوج ما بين التفاؤل المشوب بالحذر وما بين التوصيفات بأن المنطقة تجلس على برميل من البارود وما يمكن أن يشتق منهما من أفرع ثانوية أخرى بدرجات متفاوتة تصب جميعها في عملية إعادة صياغة التعريفات السابقة المتعلقة بقضايا الصراع العربي الإسرائيلي، وتعتمد أساسا بمدى إحراز وتحقيق المكاسب على ارض الواقع لكلا المشروعين – المشروع الصهيوني يعيد فحص ودراسة الأهداف والسبل الكفيلة بإنجاحها والحفاظ عليها والتراجعات التي يمكن رصدها في نهاية المطاف لا تعدو عن كونها إعادة رسم السياسات الإسرائيلية المرتبطة بجوهرها بإطالة أمد وحياة الاحتلال بمسميات مختلفة، لكن القضايا الجوهرية بقيت على حالها، فالسياسية الاستيطانية التوسعية كترجمات فعلية للذهاب بخطوات فعلية للمشروع الكولونيالي الإسرائيلي في المنطقة لم تتغير، بل أعادت تموضع غايتها بما يخدم تطبيق الفكرة بأنجع السبل واقل الخسائر وربما دونما بحث عن حروب جديدة لا داعي لخوضها طالما أن الأمر لا يستدعي ذلك !!!!!! الذي تغير هو نحن الطرف المقابل بحيث أن اللغة والثقافة والبني الفكرية لما كان يسمى حركة التحرر العربية هي التي تغيرت، وأضحت ضحية التأقلم مع السياسات الدولية وإرهاصات العالم أحادي القطب وضرورات عدم الخروج عن مفاهيم الأسرة الدولية وأدوات المجتمع الدولي
.
وما مقياس التراجع والتقدم الذي يمكن أن يشكل ميزانا لتقيم الأداء والاستفادة من الدروس السابقة لأدوات الفعل الكفاحي أولا، ومدى الحاجة إلى جردة حساب حقيقية مع ألذات والقدرات المتاحة ضمن هامش المناورة المتوفر في عالم شغله الشاغل وصم نضالنا " بالإرهاب " كي نستخلص العبر ونقدم الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذه الانهيارات المتتالية في النظام العربي الرسمي وانكفاء الشعوب إلى حصن البحث عن لقمة عيش ليس إلا ؟؟؟

وبحيث يمكننا الفهم المشترك في ورشة البحث عن معالجات حقيقية لإنقاذ هذا الوضع المتردي البائس الذي وصلنا إليه ؟؟؟؟ لتنهال علينا مجموعة من الأسئلة عن أسباب الهزيمة ؟؟؟ وهل نستطيع تجاوز جميع الآثار والسلبيات العالقة على مدار عشرات السنين من الكفاح والتضحيات الجسيمة التي ما زالت تقدم حتى ألان دون أي حصاد لنتائج سياسية تتناغم معها ؟؟؟

وبالعودة إلى التركيز أكثر على مضمون العنوان أعلاه يمكن القول إن المنطقة مقبلة أو بصورة أدق القضية الوطنية للشعب الفلسطيني مقدمة على أحدى أهم فصولها منذ نشأة الصراع في هذه المنطقة قبل قرن من الزمان، بل ربما يمكن القول أن المشاريع المطروحة قد تؤدي إلى إسدال الستار على الفصل الأخير ضمن المحاولات الرامية إلى إيصال فكرة أن القضية شارفت على نهايتها !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

هناك اتجاهين رئيسيين في هذا الإطار الأول هو فتح المسارات في حركة تستهدف خلق حالة من التفاؤل أو بصيص الأمل بإمكانية الوصول إلى تسوية ما، وبذل المساعي في هذا الاتجاه إمام المسرح الدولي والانشغال العالمي "وطنطنة الأعلام" لانتظار نتائج معينة قد تسفر عنها المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة والثاني بقاء التوازن العسكري والتهديد بالقوة حاضرا عند أي مفصل للتدخل في التطورات التي قد تشهدها المنطقة.

إسرائيل التي خرجت خاسرة باعتراف تقريرها الرسمي في حرب تموز على لبنان، وبعد ما تم توجيهة من استفزازات لسوريا على أراضيها هي ذاتها اليوم التي تفتح قناة تفاوض على المسار السوري لا سيما بعد تجاوز لبنان للازمة التي عصفت بالبلاد واستمرت عدى اشهر، و كان الوضع مرشحا فيه للعودة إلى دائرة الحرب الأهلية من جديد وشفى الانفجار الشامل لولا الحكمة والمرونة التي أبداها قادته في الموالاة والمعارضة لاستعادة اللحمة والتوافق الوطني الداخلي وفي كل الأحوال يمكن القول إن المشهد في منطقتنا مرتبط أساسا بمغادرة الرئيس بوش القريبة للبيت الأبيض وليس معزولا على الإطلاق بما يحدث من غوص أمريكي في المستنقع العراقي، ويبقى الأساس الناظم لكل مل يجري هو المسار الفلسطيني المتعثر والمرشح للمزيد من العدوان والتهديدات الإسرائيلية تفصح صراحة عن لسان حالها صباح مساء.

فالمنطقة التي عاشت قبل أسابيع أجواء حرب حقيقة بعيد المناورات الإسرائيلية التي وصفت بالأضخم في تاريخ الدولة التي احتفلت قبل قليل بعيدها الستين وهي اشد خوفا وأكثر إدراكا أن المستقبل ما زال غامضا وغير مأمونا هذه المنطقة " الشرق الأوسط "  عاد ت واجهة التفاؤل الحذر تلوح قليلا  تسريبات عن تقدم في مفاوضات قريع / ليفني ، ومرتكزات مؤتمر مدريد ما زالت قائمة" الأرض مقابل السلام " ولكن الأرض التي هي برسم المشروع الصهيوني الذي لم يغير استراتيجياته وان غير اللغة أحيانا والأدوات أحيان أخرى ؟؟؟؟

المنطقة التي تعودت أن تسوي طبختها على نار هادئة تقترب !!!! الطبخة لم تعد تحتمل التأجيل أكثر من أي وقت مضى والخيارات أصبحت محدودة فأما تسوية عادلة وشاملة ودائمة تحقن المزيد من الدماء وتعطي دفقات من الأمل بالمستقبل بحيث تصبح مصطلحات التعايش والسلام والأمن والحرية والحقوق ذات معاني ترجماتها الفعلية منسجمة مع ما يحدث فعلا على الأرض فلا حواجز إذلال يومي ولا استيطان دموي توسعي، ولا احتلال من أصله والأفاق الواعدة تبشر بانقضاء عهد الكراهية والعنف والمعاناة والطريق ممهد للمصالحة التاريخية بين الشعوب كي يحيا كل في بلدة الحر المستقل الأمن المنتعش اقتصاديا يصوغ فيه ثقافته ونمط حياته كما يشاء ويحلو له وفق الإقرار بالمواثيق والأعراف الإنسانية والقرارات الدولية جمعاء
وإما فأننا نقف على أبواب خيار مر سيتجرع الجميع علقمه دون استثناء خيار الحروب والدمار وإزهاق أرواح الأبرياء على مذابح الشهية والنهم بالمزيد من الأطماع وسياسات العدوان والموت.

  المنطقة وصلت فعلا إلى مفترق طرق خطير واضح المعالم أيضا أو بدايات الطريق أصبح
واضحا بحكم السياسات الإسرائيلية التي تحاول القبض على روح السلام بأيدي تشد على الزناد أكثر من محاولة تحريك البوصلة قليلا باتجاه التسوية - فشل السلام معروف إلى أين يمكن أن يقود ؟؟؟ نحن ألان نقف على مربع إما سلام عادل وحقيقي أو حرب إقليمية لا تقتصر على إيران وسوريا ومحور "الممانعة" فحسب بل قد يتمخض عنها زوال دول ومؤكد تغيرات هائلة في خارطة المنطقة برمتها.


بقلم عصام بكر