2008-05-17

    

كثيرة هي الحكايات التي سمعتها عن جدي حمد المنصور، حتى صار بمقدوري أن ارسم صورة مكتملة لشخصيته.. صحيح انه توفي وأنا لم أكن قد تجاوزت التاسعة من عمري.. لكن اعتزاز والدي الشديد به وكذلك أعمامي، والهيبة التي مازالت تحيط به كلما ذكر اسمه لدى نساء العائلة.. جعلاني أظل مشدودا إليه ومعجبا إلى حد كبير بشخصيته، وهو ما دفعني للبحث أكثر في سيرته لدى الذين عايشوه ولو لفترات محددة من حياته..
    فمثلا يقول عمي أبو منصور انه لم يشاهد جدي يبكي طيلة حياته إلا مرة واحدة..!! وذلك حين توفي احد الأقارب المقربين ( الذي كان بمثابة خليل حقيقي لجدي ).. أما جدتي فتقول: كانت متعة جدك الحقيقية هي العمل بالأرض-- حرثها وتجهيزها للزراعة ومن ثم بذرها وبعد ذلك القيام بحصد ناتجها ودرسه، وجمع الغلال وتخزينها-- فهو كان فلاحا حقيقيا، صلب العود خشن اليدين، بارعا في الحرث ماهرا في قطف الزيتون، لا يشق له غبار في الحصاد، محبا للأرض شغوفا بها.. أحبها وكأنها واحدا من أولاده، وعمل بكل جد واجتهاد من اجل توسيع ملكيته منها.. وتضيف جدتي أن حبه للأرض ورغبته الجارفة لتملك اكبر عدد من الفدادين، دفعه للقيام ببيع كل المصاغ الذي دفعه مهرا لي .. ليشتري أراض جديدة..
    في الليلة المشئومة-- ليلة الخامس عشر من أيار عام 1948- وعندما ابتدأت عصابات الهاجاناة حصار بلدتنا أم الزينات، وأمعنت في القتل والذبح وهدم البيوت.. كاد جدي يموت قهرا وغيظا، وثارت ثائرته من ضعف الحيلة والعجز عن فعل شيء، فرفض حتى مجرد التفكير بمغادرة البلدة، رغم انه شاهد بأم عينه جثث القتلى، وآثار الدمار الواسع الذي أحدثته مدفعية الغزاة.. أصر على البقاء وهو يعرف تماما كم كان المهاجمون يحقدون على بلدته، وكم حشدوا لاجتياحها من أسلحة وعناصر مدربة، بينما كان هو والغالبية العظمى من أهل بلدته بلا أي نوع من السلاح، ولم يكونوا قد تلقوا أي نوع من التدريب على القتال.. لكن وبعد إلحاح أهل البلدة وافق جدي على الخروج مع الخارجين.. مشترطا عدم قيام جدتي وكل أفراد العائلة بحمل أي نوع من المتاع أو الأثاث والطعام.. صارخا بهم-- من يأخذ معه متاعه سيكون سهلا عليه العيش بعيدا عن بلده وربما تضعف عزيمته ويستصعب العودة، موضحا لهم بأنه سمع بان الجيوش العربية تزحف على فلسطين من كل الجهات وأنها ستسحق عصابات اليهود وتعيدنا إلى بيوتنا، مؤكدا بان البعاد عن البلدة لن يطول أكثر من أسبوع أو أسبوعين،.. وبالفعل تقول والدتي لم نحمل معنا أي شيء-- لا ملابس ولا فراش ولا غذاء-- وقد تركنا دجاجنا في ساحات البيت والبقر في الزرائب والقمح والعدس في الخوابي والزيت في الجرار والطعام في الطناجر والفراش على المساطب.. وتوجهنا في الظلام الدامس شمالا عبر أحراش الكرمل ثم غربا إلى أن وصلنا بلدة اجزم-- التي لم تكن قد سقطت بعد بأيدي الصهاينة-- وهناك انضم والدي إلى فرق المقاتلين، وأكملت بقية قافلتنا سيرها إلى منطقة أم الفحم، حيث حطت الرحال في كروم الزيتون الواقعة بينها وبين قرية عانين.
    تقول والدتي انه في صبيحة اليوم التالي لوصولنا إلى منطقة أم الفحم، وبينما كانت العائلة تبحث عن شيء من الطعام لتسكت به بكاء الأطفال الجائعين، ترك جدي المكان بهدوء وبدا وكأنه لا يكترث بشيء مما نحن فيه، فنظرنا إليه وهو يتجه شمالا نظرة استغراب وتعجب، لتصرفه الذي اعتبرناه لا مبالي بوضعنا المريع، وغاب عن أنظارنا بين الأشجار وخلف التلال، ومضت الساعات وغابت الشمس، ولم يعد الجد إلينا فخفنا عليه خوفا شديدا، لكننا فوجئنا به يصل متسللا إلى موقعنا، ورأيناه يستلقي فورا تحت شجرة تعبا مرهقا ولم يسال حتى عن شيء من الطعام يسد جوعه، وفي اليوم التالي خرج بنفس الاتجاه ولكنه خرج بوقت أبكر وغاب طوال النهار وعاد بعد غياب الشمس، لكن يبدو أن قواه قد خارت من الجوع، فنادى جدتي وطلب منها إحضار أي شيء ليأكله، فأحضرت له كسرة خبز وقطعة جبنه بيضاء-- كانت قد حصلت عليها من بعض الناس الخارجين مثلنا، الذين احتاطوا للخروج بشكل أفضل منا وحملوا معهم بعض الغذاء والمتاع-- كان جدي يأكل ببطء ولا يكاد يفتح فمه أو يحرك فكيه مطرقا رأسه لا يتكلم-- مع انه يعرف أن كل العائلة تحيط به وتنظر إليه، وتنتظر منه تفسيرا لما يفعله.. وفي الصباح الباكر عاود جدي الخروج، لكن أعمامي قرروا هذه المرة إرسال من يتعقبه، ليعرفوا أين يذهب وأين يمضي نهاره، فسار احد أعمامي خلفه وراقبه خفية وبهدوء.. سار جدي مسافة عدة كيلومترات بنشاط كبير ودون أي توقف، إلى أن وصل إلى سفح جبل اسكندر ( وهو الجبل الشاهق الملاصق لبلدة أم الفحم )، واخذ يصعد الجبل وكأنه شاب في مقتبل العمر لا رجلا قارب الستين-- إلى أن وصل إلى قمته واندار إلى الناحية الغربية منها، حيث يمكن من هناك رؤية كامل سهل الروحة وكذلك جبل الكرمل ويمكن رؤية بلدتنا أم الزينات بوضوح.. وفي هذا الموقع الهام جدا، وتحت شجرة حرجية وارفة الظلال جلس أبو حسن بهدوء، واخرج من جيبه علبة سجائر العربي، واخذ يلف السجائر الواحدة تلو الأخرى، ويدخن بنهم كبير، ويأخذ أنفاسا عميقة، ويتنهد باستمرار ويمعن النظر ويحدق بالأفق.. ويبكي بصمت وبهدوء، ويمسح دموعه المنسابة بغزارة بمنديله
    عاد عمي مذهولا إلى العائلة-- التي حولت شجر الزيتون إلى مسكن لها-- واخبر الجميع أن أبا حسن يذهب كل يوم إلى قمة جبل اسكندر كي يتمكن من رؤية أم الزينات، وانه رأى منه شيئا لا يمكن تصديقه.. حيث رآه يبكي بحرقة كبيرة ورآه وهو يمسح الدموع المنهمرة من عينيه بالمنديل.. دهش الجميع واستغرب، وساد الصمت الرهيب لدقائق، فبكت النساء وانتحبت، لأنهن أدركن حينها فقط حجم الكارثة التي لحقت بالعائلة.. وأدرك الجميع مبلغ الألم والحزن الذي يمزق قلب أبو حسن، وهو الصلب القوي الذي لا يتأثر إلا بعظائم الأمور.. وأدركت كذلك أن أبا حسن في حالة نفسية صعبة جدا، وان صمته الشديد وانعزاله التام عن العائلة راجع لحزنه العظيم على فراق بلدته وبيته، وخوفه المتنامي من أن لا يتمكن يوما من العودة إلى أرضه التي أحبها من أعماق أعماقه.. واستمر جدي أبو حسن بالصعود كل صباح إلى قمة جبل اسكندر إلى أن حل موسم الشتاء وأغرقت الأمطار جموع اللاجئين، حينها قررت العائلة مغادرة المكان إلى منطقة أريحا، بعد أن وصلتها أخبار بان الصليب الأحمر يبني هناك خياما للاجئين، ويرعاهم ويوزع عليهم والتموين.
    عاش جدي بعد النكبة لمدة 19 عاما، واجزم انه مات مقهورا مزقت قلبه الحسرات على فراق الوطن وملاعب الطفولة، مات ولم تملا ذاكرته إلا أم الزينات بجبالها وسهولها وبيوتها وساكنيها.. مات وهو يحلم بالعودة.. لم تدخل الفرحة الحقيقية يوما إلى قلبه، ولم يكن يندمج بالكلام إلا إذا كان عن البلاد التي اغتصبت والحقوق التي ضاعت.. وقد لفت انتباهي يوما أمرا في غاية الغرابة-- وهو أن جدي لم يعمل كعامل في أملاك احد طوال سنوات اللجوء-- رغم حالة الفقر والعوز الشديد التي سحقت العائلة لسنوات طوال، فسالت والدي عن تصرف جدي فأجاب: إن جدك اقسم يمينا لحظة خروجه من البلدة، أن لا يعمل أجيرا لدى أي إنسان آخر، حتى ولو مات جوعا، وهذا راجع لطبيعة جدك، ولاعتزازه الشديد بنفسه.. فقد كان أبيا يضع كرامته الشخصية فوق كل شيء، الأمر الذي جعله ينظر إلى عمله لدى الآخرين إذلالا له، بعد أن كان هو صاحب ارض وأملاك وسيدا وحيدا لنفسه..
    صحيح أن الغزاة الصهاينة اقتلعوا جدي حمد المنصور من أرضه، والقوا به بعيدا عنها، ليعيش حياة اللجوء والتشرد والألم.. لكنه وردا على جريمتهم البربرية-- اسكن الأرض في قلبه، وقلوب أبنائه وأحفاده من بعده، وعاش معها حلما أبديا لم يفارقه طوال حياته، وكم كان يتمنى أن يدفن جثمانه في أرضه، التي آمن من أعماقه بأنها أحبته كما أحبها، وأنها مشتاقة وبتلهف لكفيه ومحراثه.


مخيم الفارعة -- 14/5/2008