2008-05-08


(ألقي هذا النص في " البيت العربي " بمدريد في 27 آذار 2008)
إن العرض الذي سأقدمه هذا المساء يشكّل جزءاً من بحث مطوّل صدر مؤخراً في كتاب يحمل العنوان نفسه. ويندرج بحثي هذا في حقل دراسة تاريخ الأفكار، ويستند إلى منهج يقوم على التمييز بين الدين، من جهة، والفكر الديني، من جهة ثانية، أي التمييز بين المقدس والبشري، بين المطلق والنسبي، بين الثابت والمتحوّل.
وينحصر غرض هذا البحث في تتبع المواقف التي برزت تجاه مسألة الجهاد، منذ القرن الثاني للهجرة وحتى اليوم. أما تحليل أو تفسير مفهوم الجهاد في النصوص التأسيسية للإسلام، وتحديداً في القرآن وفي الأحاديث النبوية، فلا يدخل ضمن أغراض هذا البحث، على اعتبار أن هذه المهمة تتجاوز إمكانياتي وحدود تخصصي.
وقد اعتمدت في إعداد هذا البحث على مصادر أولية، وضعها فقهاء وعلماء ومفكرون إسلاميون عالجوا، في حقب تاريخية مختلفة، موضوع الجهاد، وشكّلوا ما نسميه بنماذج تحليلية، دون أن يعني اختياري لهم أنهم الوحيدون الذين تصدّوا، في إطار الفكر الإسلامي، لهذا الموضوع. وقد ارتأيت من المناسب، وبهدف الإحاطة الأفضل بأفكار هؤلاء الفقهاء والعلماء والمفكرين، أن أعرّف بكل واحدٍ منهم من خلال تسليط بعض الضوء على البيئة التي ترعرع فيها، وعلى تكوينه الثقافي، وعلى إسهامه في الشأن العام وعلى أبرز نتاجاته الفكرية.  
أما إشكالية البحث، فهي تتمحوّر حول العلاقة بين النصوص التأسيسية وتفسيرها، أو تأويلها، ويحتويها السؤال التالي: إذا كان مفهوم الجهاد يجد سنده في القرآن وفي الأحاديث النبوية، فكيف تعامل المعبّرون عن الفكر الإسلامي مع هذا المفهوم عبر مراحل التاريخ الإسلامي؟.
إنني أفترض، من منطلق اعتقادي بأن الفكر، أي فكر، هو وليد الواقع الملموس، بأبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهو يتطوّر بتطوّر هذا الواقع، حيث لا وجود لفكر خارج الواقع، ولا وجود لفكر جامد؛ أفترض أن مفهوم الجهاد قد تطوّر تبعاً لتطوّر الواقع، وأن المفكرين الإسلاميين قد حمّلوه، منذ تبلوره، معانٍ متنوعة ارتبطت، ارتباطاً وثيقاً، بالتيارات المختلفة التي انتسبوا إليها وبالسياقات التاريخية المختلفة التي أحاطت بهم.                                                                      
بعد هذا التقديم السريع للبحث بمجمله، سأحاول الآن تحليل المعنى الذي حمّله لمفهوم الجهاد اثنان من المعبّرين عن الفكر الإسلامي الحديث هما: المصلح الديني محمد عبده (1849-1905)، من جهة، و " الإسلاموي " عبد الله عزام (1941-1989)، من جهة ثانية.
خلافاً لعدد من الباحثين العرب والأجانب الذين يرون توافقاً بين الإصلاح الديني والإسلام " الحركي " أو السياسي، أو حتى يرون في الإسلام السياسي امتداداً للإصلاح الديني، حاولت في دراساتي عن الفكر الإسلامي أن أزكّي افتراضاً يزعم أن الإسلام السياسي، الذي ظهر مع تأسيس النواة الأولى لجماعة " الإخوان المسلمين " في عام 1928، وما تفرع عنها من حركات، قد شكّل قطيعة مع الإصلاح الديني، وأن هذه القطيعة قد هيّأ لها الانقلاب الذي طرأ على تفكير الشيخ محمد رشيد رضا (1865-1935) في المرحلة الثانية من حياته، والذي جعله يتنكّر لأفكار أستاذيه جمال الدين الأفغاني (1839-1897)، رائد الإصلاح الديني، ومحمد عبده.
فعلى الرغم من الإرادة المشتركة للمعبّرين عن هذين التيارين في إحياء الإسلام، ولجوئهم، في أحيان كثيرة، إلى المصطلحات نفسها، إلا أنهم اختلفوا كثيراً فيما بينهم على مستوى المرجعيات الفكرية، والمشروع المجتمعي والموقف من " الآخر " المختلف. وهذا ما يمكن تبيّنه في مواقفهم من مسألة الجهاد.
محمد عبده: الدعوة إلى الإسلام بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان
ولد محمد عبده عام 1849 في قرية محلة نصر بمركز شبراخيت من مديرية البحيرة في عائلة فلاحية متوسطة الحال. وبعد سنتين قضاهما في الكُتّاب، أتمّ خلالهما حفظ القرآن، أدخله والده الجامع الأحمدي في طنطا، إلا أن سوء طريقة التعليم في ذلك الجامع دفعه إلى ترك الدروس والاختفاء عند أخواله. ومن طنطا، انتقل محمد عبده، في عام 1869، إلى القاهرة للالتحاق بالجامع الأزهر، حيث اصطدم من جديد بطريقة التعليم التقليدية ومناهجه المقتصرة على علوم الدين، وذلك إلى أن أُتيحت له فرصة الالتقاء بجمال الدين الأفغاني في القاهرة، فأصبح من أقرب مريديه. وبفضل جمال الدين، استطاع عبده تعميق زاده المعرفي، وانخرط في التحرير والكتابة إلى الصحف. فبعد اشتغاله لفترة قصيرة في التدريس في الجامع الأزهر، ثم في دار العلوم، قرر الانتقال للعمل في ميدان الصحافة، حيث ذاعت شهرته الصحفية سريعاً من خلال المقالات التي صار ينشرها في " الأهرام "، عاكساً أفكار أستاذه الإصلاحية. وفي عام 1880، عُيّن محرراً في جريدة " الوقائع المصرية " الرسمية، ثم رئيساً لتحريرها، فانبرى لإصلاح هذه الجريدة، ونشر على صفحاتها سلسلة مقالات متميّزة عن التربية الوطنية.
وبعد قضائه ما يقرب من ثلاثة أشهر في السجن بتهمة الاشتراك في الثورة العُرابية، صدر قرار بنفيه خارج مصر، حيث انتقل إلى بيروت وصار يعمل مدرساً، ثم التحق بالأفغاني في باريس وشارك معه في تأسيس جمعية " العروة الوثقى " وفي إصدار مجلتها التي حملت الاسم نفسه. وبعد توقف " العروة الوثقى " عن الصدور، في خريف العام 1884، وبروز الخلاف بينه وبين الأفغاني حول سبل التغيير في المجتمعات الإسلامية، سافر عبده إلى تونس، ومنها انتقل مجدداً إلى بيروت للعمل في ميدان التعليم، حيث تحوّل بيته إلى مركز فكري كان يلتقي فيه عدد كبير من العلماء والكتّاب المسلمين والمسيحيين. وفي عام 1888، سمحت له السلطات المصرية بالرجوع إلى مصر، حيث عُيّن قاضياً، ثم مستشاراً في محكمة الاستئناف، واختير، في عام 1889، ليكون مفتياً للديار المصرية وعضواً في المجلس التشريعي. وقد توفي محمد عبده في عام 1905، مخلفاً وراءه نتاجاً فكرياً غنياً.
على قاعدة التمييز الذي أقامه بين الإسلام الحقيقي والإسلام المزيّف، أكد محمد عبده أن الإسلام الحقيقي صالح لأن يكون الأساس لمجتمع حديث، باعتباره ديناً يعلي شأن العقل ويفسح صدره للعلم ويدعو " إلى استقلال الإرادة واستقلال الرأي والفكر ".  
ومن قناعته بأن الفكر لا يكون فكراً إلا إذا كان " مستقلاً " ، انبرى الإمام لتفسير القرآن، حيث انطلق، بداية، من وجوب التخلي عن  رؤية  السابقين من المفسرين  لكونها ارتبطت، في رأيه، بالمستوى العقلي ودرجة العلم التي بلغوها في زمانهم، وشدّد على أن القرآن هو كتاب دين في جوهره، أُنزل كي يهدي الناس إلى الطريق السوي، ولا يمكن النظر إليه بالتالي باعتباره كتاباً للعلوم الطبيعية أو التاريخ. أما مرجع العلوم والأمور الدنيوية فهو، في نظره، العقل الإنساني، الذي هو، كما كتب، " من أجلّ القوى، بل هو قوة القوى الإنسانية وعمادها، والكون جميعه هو صحيفته التي ينظر فيها وكتابه الذي يتلوه ".
والواقع، أن محمد عبده الذي اهتم – كما يلحظ علي زيعور – بالإنسان الحر ووضعه في مركز اهتمامه، قد شجّع إلى أبعد الحدود الاجتهاد المعتمد على العقل وأباح إعادة تأويل النص المقدس على أساس مبدأ المصلحة، مبطلاً احتكار النص على يد جماعة واحدة وحصر تفسيره بفئة واحدة، وناقلاً العقيدة من الرؤية الواحدة المنغلقة على نفسها إلى الرؤية المتعددة الزوايا والمفتوحة الآفاق.
فعند تعداده أصول الإسلام، في مناظرته الشهيرة مع المفكر العلماني فرح أنطون، أشار الإمام إلى أن الأصل الثالث للإسلام هو البُعد عن التكفير، معتبراً " أنه إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مئة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد حُمل على الإيمان ولا يجوز حمله على الكفر ". وأكد، عند تطرقه إلى الأصل الخامس للإسلام، المتمثّل في قلب السلطة الدينية، أن الإسلام  لم يدع لأحد، بعد الله ورسوله، سلطاناً على عقيدة أحد ولا سيطرة على إيمانه، ولم يُسوّغ لقوي ولا لضعيف أن يتجسس على عقيدة أحد، حيث " ليس يجب على مسلم أن يأخذ عقيدته أو يتلقى أصول ما يعمل به عن أحد إلا كتاب الله وسنة رسوله "، بدون توسيط أحد من سلف ولا خلف.
وربط عبده بين تفشّي الجهل بأصول الإسلام الصحيح وبين بروز " ولع المسلمين بالتكفير والتفسيق ورمي زيد بأنه مبتدع وعمرو بأنه زنديق "، ملاحظاً أن تولي  "الجهّال " شؤون المسلمين قد تسبّب في حدوث الغلو في الدين وسمح لكل جاهل بأصول دينه أن " يرمي الآخر بالمروق منه لأدنى سبب؛ وكلما ازدادوا جهلاً بدينهم ازدادوا غلواً فيه بالباطل، ودخل العلم والفكر والنظر – وهي لوازم الدين الإسلامي – في جملة ما كرهوه ".
ومن منطلق قناعته أن التفرقة الدينية هي نتيجة  أخرى من نتائج الجهل بالإسلام الصحيح، دعا عبده إلى التأليف بين الأديان التوحيدية الثلاثة، و شكّل، بحسب بعض المصادر، خلال إقامته في بيروت، بالتعاون مع عدد من الشخصيات الإسلامية، جمعية سرية غرضها التأليف بين الإسلام والمسيحية واليهودية، كان من أعضائها قس انكليزي، يدعى اسحق طيلر، أصبح داعية لها في بريطانيا. وفي إحدى رسائله إلى هذا القس، أكد عبده أن نشاط هذه الجمعية ضروري كي يتمّ  " نور الله في أرضه ويظهر دينه الحق على الدين كله ".  
إن الإسلام الصحيح لا ينهى عن الغلو في الدين، ويدعو إلى مودة المخالفين في العقيدة والتأليف بين أهل الكتاب، ويضمن حرية التفكير والاعتقاد فحسب، بل هو كذلك - وكما أشار عبده – يعلي شأن حرية التعبير. فصفة الإنسانية لا تنطبق على الإنسان إلا بعد تمتعه ب " حرية اللسان "، وهي حرية لم تتمتع بها الأمم الغربية إلا " بعد أن تصارعت أرواحها مع جيوش الظلمة قروناً عديدة". وعلى أساس هذه الأفكار، أقام الإمام المصري جسراً بين الإسلام الصحيح وبين أفكار التنوير الأوروبي، مدرجاً بذلك فكره في حقل الفكر العالمي ذي الطابع الإنساني، وممهداً الطرق أمام قيام تفاعل إيجابي بين المسلمين والأوروبيين.
لقد كانت هذه الخلفية الفكرية ضرورية، في ظني، للتعرف إلى حقيقة موقف محمد عبده من مفهوم الجهاد في الإسلام. وفي هذا الصدد، فإن أكثر ما يلفت انتباه الباحث، لدى تطرقه إلى هذا الموقف، هو أن هذا الإمام المصري، الذي عالج في كتاباته عدداً كبيراً من الموضوعات، لم يترك بحثاً خاصاً عن الجهاد، وإنما عالج هذا الموضوع بصورة عرضية لدى قيامه بتفسير بعض آيات القرآن أو في عدد من كتاباته الاجتماعية والسياسية.
يُعرّف محمد عبده الجهاد، كما ورد في الآية 218 من سورة البقرة (2) : " إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم"، بأن المجاهدة هي من الجهد وهو المشقة، وليس خاصاً بالقتال؛ فالمؤمنون "الذين هاجروا مع الرسول أو هاجروا إليه للقيام بنصرة الحق، والذين بذلوا جهدهم في مقاواة الكفار ومقاومتهم هم الذين يرجون رحمة الله تعالى وإحسانه"، معتبراً أن الجهاد بالنفس، بمعنى القتال، أو الجهاد بالمال، لم يشرّعه الله للمسلمين إلا " للدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة ونشرها"، الأمر الذي يبطل - في نظره –" ما يهذي به أعداء الإسلام، وحتى من المنتمين إليه، من زعمهم أن الإسلام قام بالسيف".
أما الاعتداء فقد حُرّم واعتُبر من " السيئات المكروهة عند الله". فالمشركون – كما رأى الإمام – كانوا يبدأون المسلمين بالقتال من أجل إرجاعهم عن دينهم، بحيث كان قتال النبي مدافعة عن الحق وأهله وحماية لدعوة الحق، مؤكداً أن تقديم الدعوة " كان  شرطاً لجواز القتال"، وأن الدعوة إلى الإسلام كانت " بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان"، وذلك وفقاً لما ورد في القرآن: " لا إكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغي..." (البقرة (2)، 256) ؛ " ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين" (يونس (10)، 99).
ولم تنحرف حروب الصحابة في صدر الإسلام عن هذا التوجه، إذ كانت هي الأخرى من أجل حماية الدعوة ومنع المسلمين من تغلب الظالمين. فالروم كانوا يعتدون على حدود البلاد العربية التي دخلت حوزة الإسلام، وكان الفرس – كما يتابع الإمام – أشد إيذاءً للمؤمنين منهم؛ أما ما كان بعد ذلك من الفتوحات الإسلامية فقد "اقتضته طبيعة المُلك ولم يكن كله موافقاً لأحكام الدين".
ويؤكد عبده أن الجهاد، بمعنى القتال، هو " فرض كفاية " على المسلمين، بحيث أن قيام بعضهم به يعفي الآخرين من القيام به، معتبراً أن الجهاد المشار إليه في الآية 142 من سورة آل عمران (3):" أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين "، لا يعني أن كل من لم يقاتل لا يدخل الجنة، حيث أن الجهاد في الكتاب والسنة يستعملان بمعناهما اللغوي، وهو " احتمال المشقة في مكافحة الشدائد "، ومنه جهاد النفس الذي روي عن السلف التعبير عنه ب " الجهاد الأكبر "، ومن أمثلته " مجاهدة الإنسان لشهواته لا سيما في سن الشباب، وجهاده بماله، وما يبتلي به المؤمن من مدافعة الباطل ونصرة الحق "، وهو جهاد " قد يفضل جهاد الأعداء في الحرب ".
ويتوقف الإمام المصري عند قضية أخرى مرتبطة بالجهاد في الإسلام، وهي قضية الشهادة، فيشير إلى أن معنى الشهادة في الآية 140 من سورة آل عمران (3): "ويتخذ منكم شهداء "، التي أُنزلت خلال غزوة أُحد، قد يحمل وجهين: أحدهما، أنه الشهادة في القتال، وهي أن يُقتل المؤمن في الدفاع عن الحق؛ والثاني، أنه من الشهادة على الناس، بالمعنى الذي ورد في الآية 143 من سورة البقرة (2): " وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس "، معتبراً أن الوجه الأول هو الذي يسبق على الذهن في هذا المقام، حيث أن هؤلاء المقتولين يسمون شهداء " لأنهم يشاهدون بعد الموت من الملكوت ونعيمه ما لا يكون لغيرهم، أو لأنهم ببذل أنفسهم في سبيل الله يكونون من الشهداء على الناس يوم القيامة بالمعنى المشار إليه آنفاً، أو لأنه مشهود لهم بالجنة ولأن الملائكة تشهد موتهم". أما فيما يتعلق بالوجه الثاني لمعنى كلمة الشهادة، أي الشهداء على الناس، فهم - كما قدّر الإمام – أهل العدل والإنصاف " الذين يؤيدون الحق بالشهادة لأهله بأنهم محقون، ويشهدون على أهل الباطل أنهم مبطلون، ودرجتهم تلي درجة الصديقين ".
وفي هذا الصدد، يفسّر عبده الآية 157 من سورة آل عمران (3): " ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون "، بأن ما يلاقيه من يقتل أو يموت في سبيل الله من مغفرته ورحمته هو " خير له من جميع ما يتمتع به في هذه الدار الفانية "، لكنه يشدد، في الوقت نفسه، على أن الموت في سبيل الله لا يقتصر على قتال الأعداء، وإنما يشمل " أي عمل من الأعمال التي يعملها الإنسان لله، أي سبيل البر والخير التي هدى الله الإنسان إليها ويرضاها منه ".
وقد دخل محمد عبده في سجال مع الذين يفهمون الجهاد في الإسلام فهماً خاطئاً أو مغرضاً، حيث فنّد، في المناظرة التي دارت بينه وبين فرح أنطون، القول القائل إن الدين الإسلامي دين جهادي، شرّع فيه القتال، الذي لم يشرّع في الدين المسيحي، وأن في طبيعة الإسلام روح الشدة على من يخالفه، مؤكداً أن القتل ليس من طبيعة الإسلام بل من طبيعته "العفو والمسامحة"، وأن القتال فيه هو "لرد اعتداء المعتدين على الحق وأهله إلى أن يأمن شرهم"، ولم يكن ذلك أبداً "للإكراه على الدين ولا للانتقام من مخالفيه". ويتابع الإمام أن الفتح الحربي الإسلامي كان يكتفي من الفتح "بإدخال الأرض المفتوحة تحت سلطانه، ثم يترك الناس وما كانوا عليه من الدين يؤدون ما يجب عليهم في اعتقادهم كما شاء ذلك الاعتقاد، وإنما يكلفهم بجزية يدفعونها لتكون عوناً على صيانتهم والمحافظة على أمنهم في ديارهم". أما إذا كان بعض المسلمين قد انحرفوا عن هذه الأحكام، عندما بدأ الضعف في الإسلام، فذلك مما لا يلصق ـ كما يؤكد ـ بطبيعة الإسلام وطينته.  
ويُرجع عبده هذا التسامح الذي ميّز المسلمين، في تعاملهم مع المخالفين لهم في العقيدة، إلى إيمانهم " بأن دين الله هو دين واحد، لا يختلف إلا في صوره ومظاهره، وأما روحه وحقيقته، مما طولب به العالمون أجمعون على ألسن الأنبياء والمرسلين، فهما لا يتغيّران "، وكذلك إلى اعتقادهم بأن الإسلام قد جاء ليجمع البشر كلهم، وإزالة الخلاف الواقع بين أهل الكتاب و" دعوتهم إلى الاتفاق والإخاء والمودة والإئتلاف ".
كما ينفي محمد عبده أن تكون الحروب التي وقعت بين المسلمين أنفسهم حروباً من أجل العقيدة، وإنما أشعلتها ـ في نظره ـ " الآراء السياسية في طريقة حكم الأمة". فالحرب بين الأمويين والهاشميين كانت، كما أكد، حرباً على الخلافة " وهي بالسياسة أشبه، بل هي أصل السياسة "؛ وأما الحروب الداخلية التي حدثت بعد استقرار الخلافة العباسية وأضعفت المسلمين وفرّقت كلمتهم فقد كانت حروباً  "منشأها طمع الحكام وفساد أهوائهم وحبهم الاستئثار بالسلطان دون سواهم ".
وفي المناظرة التي دارت بينه وبين المؤرخ والوزير الفرنسي غابرييل هانوتو، تطرق عبده إلى مسألة تعامل المسلمين مع المخالفين لهم في العقيدة بالاستناد إلى المثال المصري، حيث ذكر بأن المصريين يثقون بالمسيحيين العثمانيين، ويشاركون في العمل مواطنيهم من الأقباط  في جميع مصالح الحكومة ما عدا المحاكم الشرعية الخاصة بالمسلمين، وهم معهم على غاية الوفاق، حتى أن الإسلام قد أباح للمسلم أن يتزوج الكتابية، نصرانية كانت أو يهودية، وجعل من حقوق الزوجة الكتابية على زوجها المسلم أن تتمتع بالبقاء على عقيدتها، والقيام بفروض عبادتها، ولم يفرق في الحقوق بين الزوجة المسلمة والزوجة الكتابية.
ويعالج الإمام، في كتاباته السياسية، بصورة مطولة قضية الرابطة الوطنية التي تجمع بين المصريين جميعاً، والتي تتغلب، في رأيه، على الرابطة الدينية، حيث تتضمن تلك الكتابات نص البرنامج الذي وضعه عبده، في 18 كانون الأول 1881، ليكون قاعدة لسياسة الحزب الوطني المصري، والذي ورد فيه:  " الحزب الوطني حزب سياسي لا ديني، فإنه مؤلف من رجال مختلفي العقيدة والمذهب، وجميع النصارى واليهود وكل من يحرث أرض مصر ويتكلم بلغتها منضم إليه، لأنه لا ينظر إلى اختلاف المعتقدات، ويعلم أن الجميع إخوان وأن حقوقهم في السياسة والشرائع متساوية ".
كما يعالج مسألة التعامل مع الأوروبيين ومع الاحتلال البريطاني لمصر، حيث يشير برنامج الحزب الوطني نفسه إلى أن المصريين " لا يكرهون الأوروبيين المقيمين بمصر من حيث كونهم أجانب أو نصارى، وإذا عاشروهم على أنهم مثلهم يخضعون لقوانين البلاد ويدفعون الضرائب كانوا من أحب الناس إليهم ". وبخصوص الاحتلال، فقد كان الإمام، الذي كان يرى في التربية والتعليم الطريق المفضي إلى التقدم، من أنصار الرأي القائل بأن تحرير مصر " عمل كبير جداً، ولا بد من الوصول إلى الغاية منه من السير في الجهاد على منهاج الحكمة، والدأب على العمل الطويل ولو لعدة قرون ".
عبد الله عزام: الجهاد ضد الكفار أهم فروض الأعيان
لم يكتفِ الشيخ عبد الله عزام بالكتابة عن الجهاد بل مارسه عملياً في أفغانستان، حيث قُتل، في عام 1989، في ظروف غامضة.
وقد ولد عبد الله عزام، في عام 1941، في قرية سيلة الحارثية بقضاء جنين في فلسطين، حيث تعلّم في جنين ونابلس، ثم سافر إلى دمشق والتحق بقسم الشريعة الإسلامية في جامعتها. وبعد أن عمل فترة قصيرة في التدريس، قرر التفرغ للدعوة والإرشاد، وشارك، بعد قيام اسرائيل باحتلال الضفة الغربية، في عام 1967، في نشاطات المجموعة العسكرية التي شكّلتها جماعة  "الإخوان المسلمين " في الأردن. غير أنه ما لبث أن انتقل إلى القاهرة للالتحاق بالجامع الأزهر، حيث حصل على شهادة الدكتوراه في أصول الفقه، وقصد عمان مدرساً في جامعتها، ثم انتقل للتدريس في جامعة الملك عبد العزيز بجدة. ويُعتقد أنه التحق، في عام 1981، بـمجموعات "المجاهدين " الأفغان، وأدار من بيشاور مكتب خدمات تابعاً لهم، حيث كان حلقة وصل بينهم وبين المتعاطفين معهم في البلدان العربية، وساهم في بناء عدة مستشفيات ومدارس، كما أصدر مجلة " رسالة الجهاد " ونشرة " لهيب المعركة ". وقد خلّف عبد الله عزام، قبل مقتله في أفغانستان، عدداً كبيراً من المؤلفات عن موضوع الجهاد.
أقرّ عبد الله عزام، بداية،  بأنه قد " تربّى "، هو وقادة الحركة الإسلامية في أفغانستان، واستقى أفكاره عن العقيدة الإسلامية من كتب ابن تيمية وأبو الأعلى المودودي وسيد قطب، وأن الجهاد الذي شرع في خوضه يهدف إلى " إقامة دين الله في الأرض وتأسيس دولة إسلامية "، معتبراً أن العقيدة الإسلامية هي وحدها القادرة على إنقاذ البشرية وتخليص الإنسان من " الشقاء الذي يعانيه "، وبخاصة بعد أن فشلت الحضارة الغربية في أن تقدم للإنسان " شيئاُ واحداً "، هو " السعادة"، وأخفقت في أن تقدم " الراحة للقلوب، والطمأنينة للنفوس ".
ويُعتبر الشيخ تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (1263- 1328) من المساهمين البارزين في بلورة عقيدة الجهاد الإسلامي، وهو عاصر ظهور التتار بالمشرق واستيلاءهم على بغداد، وزحفهم إلى الشام ومصر، وشارك في قتالهم، كما قاتل بعض الطوائف الشيعية والإسماعيلية، وأفتى بوجوب قتال كل طائفة " ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، مثل الطائفة الممتنعة عن إقامة الصلوات الخمس، أو عن أداء الزكاة أو عن الصيام المفروض ".
وفي كتابه: السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، اعتبر، لدى تطرقه إلى مراحل الجهاد، أن الله لم يأذن للمسلمين بالقتال إلا بعد هجرة النبي محمد من مكة إلى المدينة، ثم أوجب الله، بعد ذلك، على المسلمين قتال كل من  بلغته دعوة النبي محمد ولم يستجب لها، وذلك " حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ".
وبالاستناد إلى شواهد من القرآن، شدّد ابن تيمية على أن الجهاد من أهم الفروض في الإسلام، وأن فضائله، المذكورة في الكتاب والسنة، أكثر من أن تُحصى؛ فالجهاد، في نظره، " أفضل من الحج والعمرة، ومن الصلاة والصوم "، بحيث أن من يقوم به يجد نفسه " بين إحدى الحسنيين دائماً: إما النصر والظفر، وإما الشهادة والجنة "؛ أما ميتة الشهيد فهي " أيسر من كل ميتة، وهي أفضل الميتات ".
أما أبو الأعلى المودودي (1903- 1979)، مؤسس " الجماعة الإسلامية " في مدينة لاهور، فيُنظر إليه بوصفه أحد أبرز المرشدين الروحيين لما بات يُعرف بالتيار "الجهادي الراديكالي"، داخل الحركات السياسية الإسلامية.
وفي كتابه الذي كرّسه لموضوع الجهاد، وصدر بعنوان: الجهاد في سبيل الله، يبدأ المودودي  بـ " دحض " ما يعتبره تفسيراً خاطئاً، شائعاً في الغرب، لمعنى الجهاد. فـ " الإفرنج "، في نظره، الذين مضت عليهم قرون وأجيال " يتقاتلون ويتناحرون إرضاءً لشهواتهم الدنيئة "، فسروا الجهاد " تفسيراً منكراً "، عندما رأوا فيه تعبيراً عن "الحرب المقدسة "، بل ذهب الأمر ببعضهم إلى حد النظر إليه بوصفه "عبارة عن شراسة الطبع والخلق والهمجية وسفك الدماء ". ويرجع المودودي هذا الخطأ إلى أمرين مهمين، لم يفلح الغربيون – في ظنه - في إدراك مغزاهما، وهما أن الإسلام ليس دينا مثل سائر الأديان؛ وثانيهما، أن المسلمين ليسوا أمة مثل كل الأمم.
فالحاجة إلى الجهاد تنبع - كما يتابع - من حقيقة أن الإسلام " ليس مجرد مجموعة من العقيدة الكلامية وجملة من المناسك والشعائر"، بل هو " نظام كلي شامل " يريد أن يقضي " على سائر النظم الباطلة الجائرة الجارية في العالم ". وبما أن دعوته موجهة إلى الجنس البشري بأجمعه، فإن كل من آمن بهذه الدعوة يصبح عضواً في " الحزب الإسلامي " أو في " حزب الله"، الذي يجاهد من أجل القضاء على نظم الحكم التي أُسس بنيانها على غير قواعد الإسلام وفي سبيل " إقامة نظام للعمران والاجتماع جديد على قاعدة ذلك القانون الوسط العدل الذي يسميه القرآن كلمة الله ". ويضع الإسلام  كل من تخلف عن دعوة الجهاد هذه " في عداد الذين لا يؤمنون بالله ".
ويرفض المودودي التقسيم الكلاسيكي الشائع للجهاد إلى هجومي ودفاعي، معتبراً أن هذا التقسيم يصح على الحروب القومية والوطنية وحدها؛ أما في ما يتعلق بالجهاد الإسلامي، فهو ـ في تقديره ـ هجومي ودفاعي في آن معاً. فهو هجومي لأن الحزب الإسلامي " يضاد ويعارض الممالك القائمة على المبادئ المناقضة للإسلام ويريد قطع دابرها "؛ وهو دفاعي، لأنه " مضطر إلى تشييد بنيان المملكة وتوطيد دعائمها حتى يتسنى له العمل وفق برنامجه ". وفي هذه المملكة الإسلامية، يمكن أن يتمتع أصحاب الديانات السماوية الأخرى بحرية ممارسة شعائرهم، ولكن لا يمكن أن تكون لهم حرية في " تسيير دفة الحكم على منهاج ما أنزل الله به من سلطان "، ولا يسمح لهم بأن تسير عقودهم ومعاملاتهم " على الطرق الفاسدة التي هي شر على المجتمع ".
غير أن أكثر من ترك تأثيراً على المنتمين إلى التيار "الجهادي" الإسلامي، الذي يمارس العنف المسلح في وقتنا الحاضر، هو، بلا ريب، سيد قطب (1906-1966)، الذي أنتج، لا سيما في فترة سجنه الطويلة التي استمرت أكثر من عشرة أعوام، في عهد حكم جمال عبد الناصر، وانتهت بإعدامه في نهاية شهر آب 1966، أنتج فكراً إسلامياً متعصباً ومنغلقاً على نفسه، شكّل مفهوم الجهاد ركيزة أساسية من ركائزه.
ففي كتابه: السلام العالمي والإسلام، عرّف سيد قطب الجهاد بأنه ذلك التكليف " الذي يقتضي المسلمين أن يكافحوا الطواغيت وحاكميتهم " وأن يكافحوا " الظلم والبغي حيث كان "، معتبراً أن الأمة المسلمة مكلفة بذلك " لا لتملك الأرض وتستذل الرقاب، بل لتحقق كلمة الله في الأرض خالصة من كل غرض، وتفرض ربوبية الله وحاكميته وعدله ".
وقد رفض قطب في كتابه: معالم في الطريق المحاولات الرامية إلى إيجاد مبررات دفاعية للجهاد الإسلامي معتبراً أن المحاولات التي تبحث عن أسانيد لإثبات أن واقع الجهاد الإسلامي " كان لمجرد صد العدوان من القوى المجاورة على " الوطن الإسلامي " " هي محاولات " تنم عن قلة إدراك لطبيعة هذا الدين، ولطبيعة الدور الذي جاء ليقوم به في الأرض، كما أنها تشي بالهزيمة أمام ضغط الواقع الحاضر وأمام الهجوم الاستشراقي الماكر على الجهاد الإسلامي". فحماية " دار الإسلام " ليست، في نظره، الهدف النهائي بل هي الوسيلة " لقيام مملكة الله فيها، ثم لاتخاذها قاعدة انطلاق إلى الأرض كلها وإلى النوع الإنساني بجملته".  
    وفي تفسيره سورة الأنفال (8)، عرض سيد قطب، بصورة أوضح، فهمه للجهاد الإسلامي، حيث ذكر بأن الله قد بيّن للمؤمنين في الآيات التي أذن لهم فيها بالقتال أن " الشأن الدائم الأصيل في طبيعة هذه الحياة أن يدفع الناس بعضهم ببعض، لدفع الفساد عن الأرض"، الأمر الذي يعني أن جهاد المسلمين " ضد مغتصبي سلطان الله في الأرض"، هو " حال دائمة " إلى أن " يكون الدين كله لله"،  كما يعني أن من حق الإسلام أن يتحرك ابتداءً " ليحطم الحواجز من الأنظمة والأوضاع التي تغل من حرية الإنسان في الاختيار". ويهاجم قطب، في هذا السياق، من يصفهم بالباحثين الإسلاميين " المهزومين تحت ضغط الواقع الحاضر، وتحت الهجوم الاستشراقي "، الذين يتحرجون من تقرير هذه الحقيقة و " يغفلون عن طبيعة الإسلام ووظيفته ".
وفي تفسيره سورة التوبة (9)، أكد قطب أن الإسلام يتمايز عن الأديان الأخرى في كون الحركة هي قوامه، بحيث أنه لا يمكن أن يفقهه ويستوعب معانيه " إلا الذين يتحركون به، ويجاهدون لتقريره في واقع الناس وتغليبه على الجاهلية بالحركة العملية ". أما الذين لا يندمجون في الحركة بهذا الدين فهم لا يفقهونه " مهما تفرغوا لدراسته في الكتب دراسة باردة "، لأن فقه الإسلام " لا ينبثق إلا في أرض الحركة، ولا يؤخذ عن فقيه قاعد حيث تجب الحركة ".
وبعد أن أشار إلى أن أحكام القتال الواردة في سورة التوبة (9)، بوصفها " من أواخر ما نزل من القرآن، إن لم تكن هي آخر ما نزل "، هي الأحكام النهائية في هذا الموضوع، التي تنسخ كل أحكام القتال المرحلية التي سبقتها، لاحظ  أن الأمر بقتال الكفار، الوارد في  آيات هذه السورة ، لا يُذكر فيه " أن يكونوا معتدين على المسلمين ولا على ديارهم "، وهو ما يجعل – في نظره – " الانطلاق بهذا الدين هو الأصل الذي سينبثق منه مبدأ الجهاد وليس هو مجرد  الدفاع،  كما كانت الأحكام المرحلية أول العهد بإقامة الدولة المسلمة في المدينة ".    
واعتبر قطب أن الجهاد هو أربح تجارة يمكن أن يقدم عليها المؤمن، وهو تعبير عن " صفقة " بين الله والمؤمن، يكون فيها الله هو " المشتري " ويكون فيها المؤمن هو " البائع "، وتتضمن قيام المؤمن ببيع الله نفسه وماله مقابل " ثمن محدد معلوم، هو الجنة ". أما الذين يُقتلون، في الجهاد في سبيل الله، فإن حكمهم  قد ورد، كما رأى، في آيات كثيرة، من بينها: " ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون " (البقرة (2)، 154)؛ " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون " (آل عمران (3)، 169). ولدى تفسيره هذه الآيات، أشار إلى أن المسلمين الذين يقتلون في سبيل الله ليسوا أمواتاً، بل هم أحياء: " إنهم قتلوا في ظاهر الأمر، وحسبما ترى العين، ولكن حقيقة الموت وحقيقة الحياة لا تقررهما هذه النظرة السطحية الظاهرة "؛ وبما أنهم أحياء فهم " لا يغسلون كما يغسل الموتى، ويكفنون في ثيابهم التي استشهدوا فيها "، وذلك لأن الغسل " هو تطهير للجسد الميت " ، وهم " أطهار بما فيهم من حياة ". وخلافاً لمن قدّر بأن كلمة الشهيد تحمل أكثر من معنى، ومنهم محمد عبده، أكد قطب أنه ليس هنالك في الإسلام شهداء " إلا الذين يقتلون في سبيل الله، خالصة قلوبهم لهذا المعنى "، وأن هؤلاء هم وحدهم الذين يتمتعون ب " خصائص الأحياء "، وهم وحدهم الذين " يرزقون عند ربهم ".
وأعود الآن إلى موقف عبد الله عزام من الجهاد. فبالاستناد إلى أفكار مرشديه، ابن تيمية والمودودي وقطب، أكد عزام في كتابه: في الجهاد، آداب وأحكام، أنه قد وجد نفسه مضطراً إلى الخوض في هذا الموضوع بعد أن أصبح الجهاد " نسياً منسياً"، وأصبح القتال "ظاهرة مستغربة في حياة المسلمين ". ولدى تعريفه معنى الجهاد، أشار إلى أن الجهاد، في اللغة، هو " بذل أقصى ما يستطيعه الإنسان من طاقة لنيل محبوب أو لدفع مكروه "؛ أما في الشرع، فالجهاد لا يعني سوى " القتال والعون فيه "، كما أن عبارة " في سبيل الله " تعني أيضاً الجهاد.
وعاد عزام، في كتابه: الدفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان إلى الموضوع نفسه، فأكد بأن حكمة الله قد اقتضت " أن يقيم صلاح الأرض على قانون الدفع "، أي على قانون " الصراع بين الحق والباطل "، معتبراً أن هذا القانون، الذي أخذ به السلف الصالح من المسلمين، " فسادوا الدنيا وأصبحوا أساتذة الأنام "، قد أهملته " ذراري المسلمين " من بعدهم، التي " نسيت ربها فنسيها ".  وقدّر، في هذا السياق، بأن الحديث المنسوب إلى الرسول، والذي ورد فيه: " رجعنا من الجهاد الأصغر – القتال – إلى الجهاد الأكبر – جهاد النفس "، هو حديث " باطل موضوع لا أصل له"، مؤكداً أن الجهاد، بمعنى القتال، كان " ديدناً للسلف الصالح "، وكان الرسول نفسه " سيداُ للمجاهدين وقائداً للغر الميامين ".  
وخلافاً للإمام محمد عبده، وغيره من رجال الإصلاح الديني، الذين أكدوا أنه "لا إكراه في الدين "، اعتبر عزام أن الجهاد قد شرّع في الإسلام في سبيل نشر الدعوة الإسلامية وإنقاذ البشرية من الكفر ونقل الناس " من ظلمة الدنيا إلى نور الدنيا والآخرة "، وأن وظيفته تتمثل في " تحطيم الحواجز التي تقف دون نشر هذا الدين في ربوع العالمين". فالجهاد هو، في نظره، ضرورة " حتمية " للإسلام، بوصفه " إعلاناً عاماً للبشرية كافة "، تلازمه في مراحله كافة، بما فيها مرحلة التبليغ، حيث ستعترض الإسلام عقبات كبرى يضعها في وجهه " كيان الجاهلية "، ولن يكون في وسعه أن يتجاوزها " مكتوف الأيدي، يبلّغ باللسان ويدع للجاهلية السلاح والسنان". وعليه، وسواء تحركت الجاهلية أم لم تتحرك،  فلا بدّ  للإسلام – كما تابع – من " أن ينطلق بحركته الذاتية التي لا بدّ منها لقانون التدافع "، الذي هو " التفسير الإسلامي للتاريخ والأحداث ".
أما أحكام الجهاد فقد نصت، بحسب عزام، على عرض الدعوة على الناس قبل قتالهم، حيث لا تكون هناك حاجة " لإشهار سيف " إذا ما قبل الناس الإسلام، وعلى الامتناع عن قتال الذين لا يقاتلون المسلمين. أما بعد تبليغ الدعوة، فيصبح القتال فرضاً واجباً، ويصبح من المشروع قتل كل " من كان به فائدة للمشركين أو غيرة "، كما يصبح من المشروع اللجوء إلى أي فعل فيه " نفع للمسلمين أو إضرار للكافرين"، على اعتبار " أن مصلحة الجهاد مقدمة على كل شيء ". أما تقدير هذه المصلحة، فيعود - كما رأى-  للقائد العسكري في أرض المعركة.
وفيما يتعلق بأحكام الشهادة، أقرّ عزام، بداية، ببروز اختلاف بين الفقهاء المسلمين حول التسمية، حيث اعتبر بعضهم أن الشهيد هو الذي يشهد له الله والرسول بالجنة، أو هو الذي يبقى حياً عند ربه، بينما رأى آخرون أن الشهيد هو الذي شُهد له بالإيمان وخاتمة الخير، أو هو الذي كان دمه شاهداً بقتله. أما عن شروط الشهادة فهي تتمثل، في نظره، في أن يكون قتال المسلم في سبيل الله وحده، وأن يتمتع بالصبر والإقبال على القتال وعدم سرقة الغنائم قبل القسمة، مؤكداً وجود ما يشبه الإجماع على عدم غسل الشهيد وعدم الصلاة عليه، قبل الدفن، لأنه " حي، والحي لا يُصلى عليه ".
وقد شدّد عزام على أن الجهاد في أفغانستان وفلسطين وفي " كل أرض وطئها الكفار" هو " فرض عين بالنفس والمال " على كل مسلم، لا يحتاج إذن أحد، مستشهداً على ذلك بما ورد في " الفتاوى الكبرى" لابن تيمية من أنه " إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه، فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعاً"، حيث لا حاجة " لإذن أمير المؤمنين، ولو كان موجوداً ". وأكد أن هذا الجهاد سيبقى فرض عين إلى أن يسترد المسلمون كل الأراضي التي فقدوها " في  فلسطين وبخارى والأندلس " وغيرها، معتبراً أن فريضة الجهاد هي " من أهم الفرائض التي افترضها الله علينا كالصلاة والصوم سواء بسواء "، بل هو " أوجب الواجبات "، بعد التوحيد والإيمان.
وبعد أن أشار إلى أن تحريم الجهاد هو " كفر يخرج من الملة "، وأن رفع الظلم عن الناس وإنصاف المظلومين هو " أهم غرض " للجهاد، قدّر أن المسلمين قد ظلموا في كثير من البلدان الإسلامية وحُرموا " من أدنى الحقوق التي تتمتع بها الحيوانات "، وأن أوطانهم قد " سُلّمت للأعداء ومُنعوا من الدفاع عن مقدساتهم "، حيث " سقط المسجد الأقصى دون أن يسقط حوله - ويا للعار والشنار - عشرة من المسلمين دفاعاً عنه ". وفي أحوال كهذه، لم يكن أمام المسلمين الصادقين العرب الذين أبوا أن يموتوا " مستضعفين في الأرض تحت أقدام الطغاة " - كما تابع - سوى أن يهجروا الأرض التي حُرّم الجهاد فيها، وأن ينتقلوا إلى أفغانستان، وذلك بهدف "تأدية الفريضة "، التي لم يستطيعوا تأديتها في مكان أخر، والعمل على نقل الجهاد " من قتال قوم ضد روسيا إلى جهاد إسلامي عالمي ".
لكن عزام ربط  بين الجهاد في أفغانستان والجهاد في فلسطين؛ فاعتبر أن فلسطين تبقى هي " القلب النابض "، وهي " مقدمة على أفغانستان في أذهاننا وقلوبنا وفي مشاعرنا وعقيدتنا "، إلا أن استحالة الجهاد في فلسطين، " بسبب القيود وحراس الحدود "، وفرض الحظر على " مزاولة عبادة القتال في أرض المسجد الأقصى"، قد دفعه – كما تابع -  هو وإخوانه  إلى " الانتقال المؤقت " إلى أفغانستان، وذلك إلى أن تتوفر الظروف التي تسمح لهم بالعودة للجهاد في فلسطين. وبعد أن أشار إلى أن وجودهم في أفغانستان قد جعل اليهود  " ينتفضون هلعاً، ويرتجفون جزعاً "،  أكد أن الطريق واحدة بين كابل والقدس وأن الجهاد ممتد، وأنه وإخوانه مصممون على القدوم إلى فلسطين " مهما بعُدت الشقة وطال الزمن وامتدت الطريق "، وأن المجاهدين في أفغانستان، الذين " اختاروا الموت طريقاً للحياة "، مقتنعون بأن الإسلام الذي يتقدم " لإنقاذ البشرية كلها "، سينتصر في النهاية، وأنه لا بدّ لذلك من أن ينطلق الإسلام من فوق " أرض صلبة "، يتمثل فوقها " حياً واقعياً "، ثم ينتشر منها إلى بقية أرجاء العالم.
استخلاصات
يتبيّن من العرض الذي قدمته أن المصلحين الإسلاميين، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، لم يخلّفوا لنا نتاجاً فكرياً خاصاً عن الجهاد، وإنما قاربوا هذا الموضوع في إطار تفسير آيات القرآن، أو في إطار تناولهم بعض القضايا السياسية أو الاجتماعية التي كان يواجهها المسلمون، بما فيها قضية الموقف من الغرب والموقف من أصحاب الديانات السماوية الأخرى.
فقد اعتقد أولئك المصلحون بوحدة النوع البشري في إطار تنوعه وتفاعله، ودعوا إلى التآلف بين أهل الأديان السماوية الثلاثة، وإلى نبذ التعصب والغلو في الدين، وإلى البعد عن التكفير، وشدّدوا على أن الإسلام قد تميّز بصفة أساسية هي التسامح، النابع من اعتقاد المسلمين بأن دين الله واحد لا يختلف إلا في صوره ومظاهره.  وعليه، فقد فهموا الجهاد، بمفهومه الواسع، الذي يشمل ما سمي بـ "الجهاد الأكبر"، جهاد النفس، والذي قد " يفضل " جهاد الأعداء في الحرب،  وفندوا دعاوى من زعم أن الإسلام قد انتشر بالسيف، وأكدوا أن القتال في الإسلام، بوصفه  " فرض كفاية "، لم يكن أبداً من أجل الإكراه على الدين وإنما كان فقط من اجل حماية المسلمين والدفاع عن عقيدتهم، وهو ما التزم به الرسول نفسه الذي جاءت زعامته عن طريق الرسالة لا غير، وانتهت الرسالة بموته، والذي رفض أن يحمل الناس على الإيمان بالإسلام بالقوة.  ورأوا أن الفهم الخاطئ لمعنى الجهاد قد نجم، في الأساس، عن الجهل، أو عن التأويل الخاطئ  لبعض الآيات القرآنية، الذي استند إلى رؤية الأقدمين، التي ارتبطت بمستواهم العقلي وبدرجة العلم التي بلغوها في زمانهم.
أما المعبّرون عن جماعات الإسلام السياسي أو " الحركي "، الذين شغلت قضية الجهاد مكانة رئيسية في كتاباتهم، فقد انطلقوا من أن الله قد اختار الأمة المسلمة كي تكون " قوّامة " و " وصية " على الناس، ومن أن الإسلام دين يتمايز عن الأديان الأخرى في كونه " نظاماً كلياً شاملاً "،لا يقتصر على المناسك والشعائر، بل يهدف إلى نشر الدعوة الإسلامية بين البشر قاطبة وإنقاذهم من الكفر ومن ويلات " الجاهلية"، وإلى هدم كل نظم الحكم القائمة على غير قواعد الإسلام وتأسيس بنيان العالم الاجتماعي على أسس حضارية جديدة، في إطار دولة إسلامية تستند إلى " حاكمية الله " وحدها ويحكمها القرآن والسنة النبوية. وعليه، فقد فهموا الجهاد، بالاستناد إلى الكتب الفقهية التي وضعها فقهاء مثل الشافعي وابن تيمية، على أنه ذلك الكفاح المتواصل الذي يسعى إلى تحقيق هذا الهدف، ورفضوا فكرة تقسيم الجهاد إلى " دفاعي" و "هجومي" واعتبروه " فرض عين" على كل مسلم، يعادل في قيمته الصلاة والصوم، مكفرين من يُحرّمه. كما شككوا في صدقية الحديث المنسوب إلى النبي حول " الجهاد الأكبر " و " الجهاد الأصغر " وحول أفضلية " جهاد النفس " على قتال أعداء الإسلام، ورأوا أن كل آيات الصفح والعفو والسلم الواردة في السور القرآنية قد " نسختها " أحكام القتال الواردة في آيات سورة " التوبة " باعتبارها آخر ما أُنزل من سور القرآن. وقدّروا أن انتصار الجهاد ضد كل أعداء الإسلام، في الداخل والخارج، يتطلب وجود " جماعة رشيدة " أو "طليعة مؤمنة "، تجاهد " في سبيل الله "، وتعمل على ربط الإسلام ربطاً وثيقاً بالسياسة، وتسعى إلى إقامة الدولة الإسلامية التي تحكمها الشريعة الإسلامية.
ولكن كيف يمكننا تفسير هذا التطوّر الذي طرأ على مفهوم الجهاد؟
يبدو لي، بداية، أن التعارض بين مواقف المعبرّين عن الإصلاح الديني، من جهة، وعن الإسلام السياسي أو " الحركي "، من جهة ثانية، من مسألة الجهاد، قد نبع، في المقام الأول، من اختلافهما في تفسير أو تأويل النص المقدس، ولا سيما آيات سورة التوبة.
وحول هذا الاختلاف في التفسير أو التأويل، أود التوقف أمام وجهة النظر التي يطرحها المصلح التونسي عبد العزيز الثعالبي (1874- 1944)، في كتابه: روح التحرر في القرآن، إذ تبدو لي معبّرة. فالثعالبي، الذي يؤكد أن التسامح هو من أهم صفات الإسلام وأن الأفكار الداعية إليه لا توجد في آية قرآنية واحدة أو آيتين، بل في ست وثلاثين سورة ومئة وخمس وعشرين آية، أرجع التخلي عن هذه النظرة المتسامحة، وتحويل القرآن إلى أداة للتعصب والتزمت، إلى " الأفكار الضيقة " التي تبنّاها بعض المفسرين وعجزهم عن تأويل الآيات القرآنية تأويلاً صحيحاً، وكذلك إلى عدم إلمامهم، إلماماً دقيقاً، بمجريات التاريخ الإسلامي.
ولدى تطرقه إلى مسألة الجهاد، رأى الثعالبي أن التعصب الذي طبع الموقف من هذه القضية قد نجم عن " تحريف " تفسير القرآن، وبخاصة الآية 123 من سورة التوبة (9)، التي ورد فيها: " يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين "، حيث فسرها المفسرون، وبخاصة ابتداءً من القرن الخامس من الهجرة، ـ كما تابع ـ بأنه ينبغي على المسلمين أن يقاتلوا غير المسلمين حيثما وجدوهم، معتبرين أن سورة التوبة قد أنزلت على الرسول في المدينة، بعد السور المكية، الأمر الذي يجعل هذه الآية تنسخ كل الآيات السابقة المخالفة لها.
ومع أن الثعالبي قد أقرّ، لدى دحضه هذا التفسير، بأن سورة التوبة قد نزلت على النبي بالفعل في المدينة، إلا أنه شدّد على أهمية مراعاة السياق التاريخي المحدد الذي نزلت فيه، أو ما يسمّى بأسباب النزول، وهو سياق تميّز " بالحرب الدفاعية التي كان يخوضها المسلمون ضد المشركين " ، بحيث جاءت هذه السورة لتعبّر عن واقع طارئ ينبغي أن يعود المسلمون، بعد زواله، إلى موقف مطابق " لما جاءت به السور المنزّلة بمكة في فترة السلم والوفاق مع جميع البشر" ، مذكّراً، في هذا السياق، بأن الرسول محمد " لم يكن قط هو المعتدي "، ولم يخض غمار جميع الحروب " إلا لسبب واحد ألا وهو الدفاع عن النفس "، وهو ما تزكيه، في رأيه، الآية 190 من سورة البقرة (2)، التي ورد فيها:" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين".
وتوقف الثعالبي مطولاً عند مسألة التأويل الصحيح للقرآن، والخطأ الذي يقع فيه المفسرون في أحيان كثيرة، ضارباً عدة أمثلة على ذلك، من بينها الخطأ الذي وقع لدى تفسير الآية  85 من سورة آل عمران (3) ، التي ورد فيها: " ومن يبتغٍ غير الإسلام ديناً  فلن يُقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين "، فرأى بأن المقصود بالمسلم في هذه الآية، وخلافاً للتفسير " الضيق الشائع " ، هو من آمن بالشريعة الإلهية ، وليس فقط من تبنّى الدين المحمدي،  " بحيث يكون في عداد المسلمين كلٌ من إبراهيم وإسحاق وموسى وداود وعيسى ".  
وخلص المصلح التونسي من كل ذلك إلى أنه لا يجوز للمسلمين أن يسمحوا بأن يصبح تأويل القرآن " تأويلاً حقوداً ومتعصباً ومناهضاً للحرية " سبباً من أسباب الحيلولة دون التقارب بين البشر، الأمر الذي يفرض عليهم العمل على تخليص العقلية الإسلامية " من شوائب الجهل والأوهام والتعصب"، ونشر التعليم وتأويل القرآن " تأويلاً صحيحاً وحقيقياً وإنسانياً "، أي باختصار " تأويلاً مطابقاً للثورة الفرنسية التي هي نفس المبادئ التي جاء بها القرآن ".
غير أن الاختلاف في تفسير أو تأويل آيات القرآن لا يفسر وحده التطوّر الذي طرأ على مفهوم الجهاد، لا سيما إذا أخذنا في الاعتبار إشارتي في تقديم هذا العرض إلى العلاقة الجدلية الوثيقة بين الفكر والواقع.
وبخصوص هذه النقطة، ألاحظ بأن الموقف المتسامح الذي تبنّاه رواد الإصلاح الديني في تعاملهم مع " الآخر " المختلف، وتأكيدهم على الطابع الدفاعي للجهاد، قد شهد تراجعاً في المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، تلك المرحلة التي شهدت تصاعد الهجمة الاستعمارية الغربية على البلدان الإسلامية، وتفكك الإمبراطورية العثمانية، وإلغاء الخلافة الإسلامية وتنامي نفوذ المؤسسات التعليمية العلمانية واحتدام الصراع بين دعاة تطبيق الشريعة الإسلامية ودعاة الفصل بين الدين والدولة. فكل هذه العوامل ساهمت في تغيير المناخ الفكري في البلدان الإسلامية، وساعدت على بروز نزعات التعصب والانغلاق على النفس ورفض التفاعل مع " الآخر "، وشجعت على بروز جماعات الإسلام السياسي أو  "الحركي"، التي صار بعضها يلجأ، لا سيما في العقود الأخيرة، إلى ممارسة العنف المسلح، ضد الخارج والداخل على السواء، وذلك تحت اسم الجهاد الإسلامي.
وأود قبل أن أنهي هذا العرض، الذي طال، أن أفتح نافذة من الأمل، وذلك بالتوقف عند ظاهرة حديثة يشهدها الفكر الإسلامي منذ سنوات قليلة، هي ظاهرة المصلحين الجدد من دعاة اللاعنف، الذين يعتبرون أن العنف المسلح هو وسيلة فاشلة في العمل السياسي، وهو غير مشروع ضد الأنظمة الحاكمة في البلدان الإسلامية، ولا ضد الأحزاب السياسية، بمختلف تلاوينها، في هذه البلدان، ولا ضد الأجانب الذين يقيمون فيها، ولا حتى ضد الأجانب في بلدانهم. ولا يكون اللجوء إلى العنف المسلح مشروعاً، في نظرهم، إلا في حالة واحدة هي التصدي للعدوان الأجنبي.
ويؤكد هؤلاء المصلحون الجدد، في مواجهة دعوة جماعات الإسلام السياسي إلى إقامة الدولة الإسلامية، أن الدولة الدينية لم يعرفها تاريخ الإسلام إلا في عهد الرسول، لأن حكمه كان " مؤيداً بالوحي "، بينما  كانت كل الحكومات التي جاءت بعده، وإثر " انقطاع الوحي "، حكومات بشرية، شهدت خلافاً كبيراً حول تفسير النصوص المقدسة.  ويشدد هؤلاء العلماء والمفكرون على ضرورة التحرر من أسر فقه القرون الوسطى، الذي صيغ في الفترة العباسية الأولى عندما كانت الدولة الإسلامية أقوى دولة في العالم، والذي قام على أساس تقسيم الدنيا إلى دار إسلام ودار حرب، معتبرين أن هذا الفقه، الذي تتبّناه الجماعات الإسلامية المسلحة والذي لا يزال يُدرّس في كليات الشريعة في البلدان الإسلامية، يخلق تربة خصبة لإشاعة روح الإكراه، التي تأصلت لدى المسلمين منذ قرون، وولّدت العنف بين صفوفهم. وهم يرون، أن الإسلام يحرّم قتل النفس، حتى في حالة " الردة "، كما يحرّم أن يقوم المسلم بقتل نفسه، مقدّرين أن القتال في سبيل " لا إكراه في الدين "، ومن أجل ضمان حرية العقيدة وحرية التعبير عن الرأي، هو الجهاد الحقيقي " في سبيل الله "، وأن العلاقة بين المسلمين وغيرهم تقوم على السلم، أما الحرب فهي "العرض " وليست الأساس في العلاقات الدولية.
وفي نظر هؤلاء العلماء والمفكرين، فإن خروج المسلمين من الأزمة التي يواجهونها، وتعافيهم من مرضهم، يتطلبان قيام إصلاح ديني حقيقي، يعيد النظر في التراث الفقهي، ويقرأ القرآن والسنة النبوية قراءة جديدة، توفّر أصولاً جديدة للفقه والتشريع، وتساهم في إبداع نظرية حديثة للدولة والمجتمع تضمن " ولاية الأمة على نفسها ".
ولكن، هل تملك هذه الدعوة إلى قيام إصلاح ديني حقيقي حظوظاً في النجاح؟.
لقد قلت إنني أود، قبل أن أختم هذا العرض، أن أفتح نافذة وليس باباً على الأمل، وذلك لأن حظوظ نجاح هذه الدعوة إلى إحياء الإصلاح الديني تبدو ضئيلة إلى الآن، وذلك لأن أصحابها، المبعدين عن أجهزة الدولة العربية التربوية والإعلامية، لا يستندون إلى قاعدة اجتماعية واسعة بين جمهور المؤمنين، بل لا تزال دعوتهم بمثابة صرخة مثقفين ورجال دين معزولين، في ظروف تتميّز بافتقاد الحريات، لا سيما حرية التعبير والتفكير والبحث، وتفاقم الأزمة الاجتماعية والاقتصادية، وتعثر مسيرة السلام العادل والشامل في المنطقة نتيجة استمرار السياسات العدوانية والتوسعية لحكام إسرائيل، المدعومة من سياسات الهيمنة الأمريكية، وهو ما يغذّي في مجتمعاتنا الدعوات إلى الانغلاق والتقوقع على الذات، وينمّي العداء للغرب ويسوّغ المسعى الرامي إلى مماهاة الحداثة بالوجه الهيمني والاستئثاري لهذا الغرب

بقلم ماهر الشريف