2020-12-01

هل سنتحول إلى دولة بوليسية؟

عبد الغني سلامه

أفرجت محكمة أريحا عن الناشط "نزار بنات" بعد أيام قليلة من اعتقاله، وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض فيها للاعتقال على خلفية آرائه السياسية المنتقدة للسلطة.. وليس هو الأول، وما زالت الحكومة (وتحديدا الأجهزة الأمنية) تواصل التفكير بالعقلية الأمنية، والتنفيذ بالأسلوب الأمني، دون البحث عن أساليب أخرى.

بغض النظر عن أسلوب "نزار" الذي يراه البعض استفزازيا أو منفرا، وسواء كان محتوى خطابه دقيقا، أم مبالغا فيه، وبمعزل عن موقفه الشخصي غير المفهوم من حراك شبان غزة، حين دعا لاعتقالهم وأيد قمعهم من قبل حماس.. في كل الأحوال من حقه التعبير عن آرائه، واعتقاله مرفوض ومدان من حيث المبدأ.

وفي حادثة متصلة؛ بسبب مقدمة جريئة، انتقدت المذيعة "أسيل سليمان" من إذاعة "راية" إعادة العلاقات مع إسرائيل، وسخرت من وصف ذلك بالانتصار.. حُذفت الحلقة من موقع الإذاعة وصفحتها، بطلب من الأجهزة الأمنية.

هل هذا هو سقف الحريات الذي وعدت به الحكومة!؟

في زمن ياسر عرفات كان بوسع أي مجموعة من الناس تنظيم مظاهرة أو اعتصام، ولم يكن حينها من المعتاد طلب إذن من أي جهة أمنية، ولم يحدث أن قمعت الشرطة أي تجمع جماهيري، وكانت أبواب المقاطعة مفتوحة لأي شخص بإجراءات أمنية بسيطة للغاية. لم تكن حينها منصات التواصل الاجتماعي معروفة، لكن الإعلام المحلي والوسط السياسي كان يضم نخبة من الكتاب والمثقفين المعارضين، بسقف حريات مرتفع.. مع الإقرار بوجود خروقات معينة في الحريات العامة وبعض انتهاكات لحقوق الإنسان خاصة في السجون، حدثت كحالات متفرقة، وكأخطاء شخصية، بيد أنها لم تكن نهجا.

بعد استشهاده، أخذ سقف الحريات ينخفض تدريجيا، شاهدنا في مرات عديدة مشاهد مخزية ومعيبة للأجهزة الأمنية وهي تقمع مظاهرات شعبية سلمية بالهراوات والغاز المدمع، وتكرر اعتقال نشطاء ومعارضين ممن ينتقدون السلطة، كما أُقر قانون الجرائم الإلكترونية، والذي ساهم في تضييق مجالات حرية التعبير، وفي إشاعة أجواء الخوف من السلطة.

بالعودة إلى "أسيل" و"نزار".. ومحاولات تكميم الأفواه.. وقمع الأصوات المعارضة، أو المنددة بإعادة العلاقات مع إسرائيل إلى سابق عهدها.. ما جرى مرفوض تماما، ومعيب.. ولا أقصد هنا إعادة العلاقات (فهذا شأن آخر)، بل الطريقة التي تم تخريجها بها، والعقلية الأمنية التي ما زالت تعشش في أدمغتنا..

لو امتلكت الحكومة الحد الأدنى من الحكمة، لتفادت هذا الموقف المحرج؛ كان يُفترض بالقيادة السياسية، أو برئيس الحكومة أو من يفوضه بالتحدث باسمه أن يخرج على الناس ويصارحهم بحقيقة الأمر، بشفافية وصدق: كأن يقول: حاولنا ضمن قدراتنا إفشال صفقة القرن، قطعنا العلاقات مع أمريكا كليا، خضعنا لحصار مالي وسياسي، وتعرضنا لضغوضات دولية وعربية، راهنا على الوقت إلى حين انصراف إدارة ترامب، حاولنا التصدي لمشاريع الضم والاستيطان، أوقفنا كافة أشكال التنسيق مع إسرائيل، بما في ذلك رفض استلام أموال المقاصة، طلبنا من المواطنين وخاصة الموظفين المشاركة في التضحية والصبر، وتلك الإجراءات كانت الأداة المتاحة لكسب الوقت، إلى حين حدوث أو خلق متغيرات.. ولم نتلق أي دعم عربي أو إسلامي، بل بالعكس، بدأت موجة محمومة من التطبيع.. وهذه إمكانياتنا، وهي البديل عن السكوت والرضوخ.. واليوم هناك واقع جديد لا بد من التعامل معه، فبعد سنوات من الحصار والصمود ها نحن نواجه تحديات جديدة وصعبة: المعاملات المدنية كشهادات الميلاد والهويات وجوازات السفر والاستيراد والتصدير وغيرها متوقفة منذ ستة أشهر، وهذه لها تبعات معقدة، الموظفون لا يتلقون رواتبهم منذ مدة طويلة، وقد ضاقت أحوالهم المادية بشكل ينذر بتهديدات اجتماعية خطيرة، المعلمون يلوحون بالعودة إلى الإضراب، وبالتالي إفشال العام الدراسي، جائحة الكورونا مستمرة وتنتشر، بل وتهدد بانهيار المنظومة الصحية، وهذه الأمور تحتاج إمكانيات أكبر لمواجهتها.

وعلى الصعيد السياسي نريد فتح صفحة جديدة مع الإدارة الأمريكية الجديدة، خاصة وأن قنواتنا الخلفية أعطت مؤشرات إيجابية، يمكن البناء عليها.. لذلك، وجدنا أنفسنا مجبرين ومضطرين لإعادة العلاقات مع إسرائيل كما كانت.

كان يمكن الاكتفاء بهذا الإيجاز، دون الحديث عن أي انتصارات وهمية أو إنجازات تاريخية.. ودون استخفاف بعقول الناس، لو تم ذلك ربما تفهّم الجمهور الموقف الجديد، ولما ظهرت "أسيل"، ولا ظهر "نزار" وغيرهم.. اليوم هما يحظيان بشعبية جارفة، وتعاطف كل الناس، بل ويشجعان على خروج أصوات جديدة، وأكثر جرأة، فيما تعاني السلطة مزيدا من الانهيار لصورتها وشعبيتها.

الاستمرار بحل القضايا بالعقلية الأمنية، وبالقمع والاعتقال، ونشر العسس، ومحاصرة حريات التعبير، هو بداية التحول إلى نظام شمولي، وكل النظم الشمولية، مهما بلغت قوتها، عمَّ فيها الفساد، وانتهت إلى الفشل والانهيار، وباتت ذكرى بائسة.. فما بالكم بسلطة تحت الاحتلال..

رسالة المنسق، وما جرى على إثرها ليس فيه أي انتصار من أي نوع.. صحيح أن القيادة الفلسطينية صمدت أمام الضغوطات والتهديدات الأمريكية، وكذلك صمد الشعب وتحمل.. لكن الانتصار الحقيقي يكون فقط بالتحرير، وقبل ذلك يمكن تسمية أي فعل أو موقف أي شيء آخر.

دماء الشهداء والجرحى، ومعاناة الأسرى، والمظاهرات، والمواجهات المستمرة، والانتفاضات، والعمليات الفدائية، والمعارك العسكرية، والدبلوماسية، ومقاطعة المنتجات الإسرائيلية.. دموع الأمهات، وعرق العمّال، وسهر الطلبة، وتعب المعلمين، وبناء المستشفيات، والمؤسسات، وتعبيد الطرق، وتكنيس الأرصفة.. وكل تضحيات الشعب وصموده، وبقائه فوق أرضه، هي انتصارات صغيرة، ومنجزات صغيرة، لكنها مهمة، وتراكمها هو الذي سيصنع الانتصار الكبير..