2020-11-29

يوم التضامن مع شعب فلسطين.. يوم تقسيم فلسطين

| سعيد مضيه

في يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، المصادف 29 تشرين ثاني/ نوفمبر، تحل ذكرى تقسيم فلسطين، قرارٌ أصدرته الجمعية العمومية للأمم المتحدة، أقطعت بموجبه للصهاينة معظم مساحة فلسطين، حيث انتحل الصهاينة عنوة تمثيل المجتمع اليهودي المتشكل آنذاك برعاية الانتداب البريطاني على فلسطين.

يجدر في هذه الذكرى إجراء مراجعة نقدية لمسيرة المقاومة الفلسطينية التي اتخذت منحى هابطا باضطراد، رغم التضحيات الغزيرة، ورغم التضامن الأممي الذي يتسع باضطراد. يقر خبراء القانون الدولي أن منح الصهاينة القسم الأعظم من مساحة فلسطين التاريخية -56 بالمائة- باسم دولة لليهود، يناقض القانون الدولي، حيث انهم شكلوا آنذاك ثلث سكان فلسطين، وامتلكوا حتى يوم 29 نوفمبر1947 ما لا يزيد عن 6 بالمائة من أراضي فلسطين التاريخية. لكن دول الغرب الامبريالية تواطأت منذ صدور وعد بلفور قبل التقسيم بثلاثين عاماَ، دولة إسرائيل إقليمية، فمكنت بريطانيا في مؤتمر سان ريمو (24 تموز1922) من الانتداب على فلسطين، لكي تنفذ وعد بلفور، وتقيم وطنا لليهود بفلسطين. بعد هذه التطورات اتخذ نص بيان بلفور طابعا دوليا.

اما الحركة الصهيونية، ومنذ إنشائها عام 1897، فقد أضمرت الاستحواذ على كامل فلسطين التاريخية. انتهجت الحركة الصهيونية منذ بداية الاستيطان بفلسطين خطة إقصاء سكان البلاد الأصليين وتجريدهم بالتدريج من عقاراتهم الزراعية والسعي لإبعادهم خارج فلسطين. لم يصدر عن مسئول صهيوني ما عبر عن رغبة التعايش مع الفلسطينيين سكان البلاد الأصليين، إنما اعتبروا محتلين يتوجب طردهم. أفصحوا عن ذلك بعد نجاح عدوان 1967.

في العام 1907 نشر الكاتب الصهيوني كلاوزنر مقالة نقدية هاجم الكتاب اليهود الداعين للتعايش مع العرب، زعم ان العرب"اشباه متوحشين" يستحيل على اليهود"المتحضرين" التعايش معهم؛ فالعلاقة مع العرب صدامية تناحرية بصورة مطلقة. هاجر كلاوزنر الى فلسطين وصدف أن ارتبط بعلاقة معلم مع تلميذه بن زيون نتنياهو، الذي نقل عنه النظرة العنصرية الاستعلائية تجاه سكان البلاد الأصليين، واستحالة التعايش معهم. أورث بن زيون النظرة العنصرية الاستعلائية لولده بنيامين نتنياهو.

خلال ثلاثين عاما من الانتداب تواطأت بريطانيا مع المشروع الصهيوني؛ عينت الصهيوني المتعصب هربرت صمويل أول مندوب سام على فلسطين؛ كان بمثابة أول حاكم يهودي مطلق على فلسطين. ارسى القوانين، خاصة قانون الأراضي، الملائمة للاستيطان اليهودي بفلسطين؛ منح الصهاينة أراضي مسجلة باسم السلطان العثماني، وسهل عليهم بأموال الصندوق القومي اليهودي (كيرن كايميت) تملك أراضي تخص مالكين غير مقيمين بفلسطين، منها أراضي مرج بن عامر الخصبة، أقطعها سلاطين بني عثمان منذ العام 1859، بموجب قانون تمليك الأراضي للنخب المترفة والمتنفذة في كنف السلطان، الذي همش المزارعين ممن افتلحوا الأراضي على تعاقب الأجيال وحرمهم حقوقهم. كما أقطع زعماء عشائر أراضي العشيرة، مثل وادي الحوارث؛ فباعوها للصندوق أيضا. بذلك فرض التشريد من عشرينات لقرن الماضي على مجتمعات فلسطينية، واجبرت على الرحيل عن مواقع سكنها. خطط الصهاينة منذ البدايات لإقصاء الفلسطينيين واقتلاعهم من وطنهم التاريخي.

وضع بن غوريون خطة الصهيونية العملية تقوم على التملك العبري والدفاع العبرية والعمل العبري، بمقتضاها تم إقصاء العرب من العمل في المشاريع الصهيونية، وتشكلت فرق الهاغاناه بمسوغ الدفاع عن المستوطنات؛ بينما دعا جابوتينسكي مؤسس حركة حيروت، سلف الليكود الحالي، الى مناصبة العداء المكشوف للجماهير الفلسطينية، فشكل أيضا عصاراته المسلحة وتعاون في ذلك مع الديكتاتور الإيطالي، موسيليني. في منتصف ثلاثينات القرن الماضي مارست الأنظمة الأبوية العربية نفوذها لثني الفلسطينيين عن النشاط الثوري، وحثتهم على الثقة بنوايا "الصديقة" بريطانيا.

اتفق الطرفان الصهيونيان بعد الحرب العالمية الثانية على تنفيذ مشروع الدولة بالقوة المسلحة. في الحقيقة شرعوا قتل العرب بالجملة عام 1938، في مدينة حيفا. شملت العمليات الحربية المنظمة للعصابات الصهيونية كلا من قوات الانتداب البريطاني والتجمعات العربية والعناصر اليهودية المعارضة لمشروعهم العنصري والدموي. منذ ذلك الحين أصرت الحركة الصهيونية على احتكار تمثيل اليهود، وفرضت تماهي الصهيونية باليهودية . وسمت اليهودي المعارض بالكاره لنفسه، ووصمت باللاسامية غير اليهود المنتقدين لجرائم الصهيونية ودولة إسرائيل.

أسفرت المناوشات المسلحة غير المتكافئة، والتي استدرج اليها الفلسطينيون بالاستهداف العسكري المباشر، عن تطهير عرقي وقيام دولة ليبرالية وفق النمط الغربي، متحالفة مع الغرب، خاصة مع الامبريالية الأميركية عقب مؤتمر بالتيمور في نيويورك عام 1942.كان بمقدور الميليشيا اليهودية الاستيلاء هلة كامل فلسطين، وبالفعل ضمت الى الدولة الجديدة كل ما وصلته الميليشيات عامي 1948،49. تم بـ"الأساليب المتوحشة" حسب تعبير بن غوريون، تشريد الفلسطينيين من ديارهم، وبقيت أقلية لم تزل تكابد نظام أبارتهايد، جردت من أراضيها الزراعية.

يجدر ذكر مماطلة سلطات الدولة في إصدار رخص البناء للأسر المتكاثرة باضطراد، حيث تم البناء بدون تراخيص، تحت التهديد بالهدم؛ حرم عشرات آلاف الأسر السكن الحقيقي، بمعنى الطمأنينة والاستقرار. إقامة مؤقتة بانتظار التشريد من جديد.

أحال الصهاينة دولتهم قاعدة للامبريالية في المنطقة، دأبت على تدبير مكائد التخريب ضد حركات التحرر الوطني لبلدان المنطقة. وضعت الدولة الصهيونية المنطقة على موقد حروب مستدامة، مستغلة وجود أنظمة أبوية متخلفة على سدة الحكم، تزدري شعوبها وتناهض العلم والوحدة القومية للمجتمعات العربية، وتحْجم بالنتيجة عن إحداث تحولا ت اجتماعية تقدمية وتحقيق التنمية المنشودة.

استطرادا لقرارات المؤتمر الصهيوني الأول (1897) حرصت الدولة الوليدة على تمكين العلاقات مع الدولة الغربية المتنفذة، الولايات المتحدة، وجميع حلفائها. بموجب هذه العلاقة ضمن بن غوريون وخلفاؤه من بعده امن دولته من المحيط العربي، ذلك أن الأنظمة الأبوية التابعة للإمبريالية تظل حليفا احتياطيا لدولة إٍسرائيل. وضع نهج إسرائيل العدواني مجتمعات المنطقة تحت أعباء ازمات متعاقبة أسفرت عن التفكك الاجتماعي والاستعداد الدائم للحروب مع ما يلازم ذلك من إهدار للثروات الوطنية وتنمية مظاهر التخلف الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والسياسي.

معظم هذه الأنظمة والحركات الاجتماعية المرتبطة بها يتجاهلون التحيزات الامبريالية، وبعض يجهلها حقا؛ والكل في جوقة موحدة يتهمون شعب فلسطين بأنه باع أرضه. تلك الجوقة الناعبة كالغربان يتقربون من الصهاينة فوق دماء الفلسطينيين والتحريض على حقوقهم التاريخية. شرع الكتائبيون في لبنان، بقيادة بشير الجميل وسمير جعجع وإيلي حبيقة العبور الى تحالف مع الصهيونية ودولة إسرائيل على جثث الفلسطينيين في مخيم تل الزعتر بضاحية بيروت. مضت الأعوام ليتحول المعبر الى طريق معبد يسلكه كل مارق يطلب التحالف مع الصهاينة، محرضا على الشعب الفلسطيني وقضيته.

اتضحت معالم الصراع حول فلسطين والتي تشير إلى ما يلي.

- الحركة الصهيونية مصممة على الاستحواذ بكامل فلسطين التاريخية، واقتلاع العرب من وطنهم

- الحركة الصهيونية ودولتها مندمجة عضويا مع امبريالية الغرب،

- اتبع الصهاينة ودولة إسرائيل السيناريو ذاته في كل مواجهة يعدون لها، مدركين أن أعداءهم العرب لا يعرفون المراجعة النقدية: يشرعون الاستفزازات المتعاقبة الى ان ينفذ صبر العدو وبانفعالية ونزق يشرع توجيه التهديدات فيتقمص الصهاينة حينئذ دور الحمل الضحية ويشنون حربهم "الوقائية"، ويدخلون في صراع مسلح هم المتفوقون وهم المخططون .

- والأنظمة الأبوية العربية حليف احتياطي للتحالف الامبريالي – الإسرائيلي؛ هي أنظمة محافظة تزدري شعوبها وتعاديها، وطبيعي أن تزدري الشعب الفلسطيني وتخذل قضيته. الأنظمة الأبوية ترفض العلم وتناهض بضراوة التحولات الاجتماعية التقدمية والوحدة القومية. وهذه ما أمّن الحماية للنفوذ الامبريالي ولإسرائيل، وأتاح الفرص لإسرائيل كي تصدر الأزمات تباعا داخل المجتمعات العربية ، تضعفها وتلهيها عن نصرة الشعب الفلسطيني.

تجاهلت هذه المعالم جميع القيادات الفلسطينية السابقة واللاحقة، ما أسفر عن تكسر موجات المقاومة وتمكين إسرائيل من قضم المزيد والمزيد من الأراضي الفلسطينية. راهنت القيادات الفلسطينية طويلا ولم تزل على تدخل امبريالي ضاغط على إسرائيل؛ بات تقليدا رسميا في فلسطين، انتظار نتيجة الانتخابات الأميركية. في جميع دوراتها ظل الانتظاريون يترقبون؛ بإغراء اميركي دخلوا في مفاوضات عبثية مع إسرائيل ، استغلتها الأخيرة لتغطية توسعها الاستيطاني على أراضي الضفة. علقت الآمال على نظم أبوية تتوسط لدى الامبريالية، وخابت الآمال.

والأن، حيال الحضيض الذي ارتكست فيه القضية الفلسطينية، نتساءل: لماذا أقرت الأمم المتحدة مناسبة قرارها المشؤوم يوما للتضامن مع شعب فلسطين؟ الأن الأحداث التي تعاقبت بينت أن ثمن إقامة دولة لليهود على أرض فلسطين باهظ بالنسبة لشعب فلسطين؟ ام أن القرار الدولي أغفل حق الفلسطينيين داخل الدولة اليهودية في الاحتفاظ بأراضيهم وبحق المواطنة المتكافئة، فاغتنم بن غوريون تغييب حق الفلسطينيين في القرار الدولي وقرر طردهم من ديارهم "بأساليب متوحشة"، كما كتب في مذكراته، واعترف في أحاديث لاحقة اننا - يقصد اليهود - نحن المعتدون؟ ام أن ذلك إقرار من الأمم المتحدة ان قرار التقسيم استند الى حيثيات زائفة ليس لها سند بالتاريخ القديم. فقد بينت التنقيبات الأثرية التي أعقبت قرار التقسيم للمجتمع العلمي العالمي اكذوبة قيام دولة لليهود في فلسطين القديمة، وان حكايات التوراة التي يستندون اليها مفبركة دونت في أزمنة عاني اليهود من اضطهادات، فعوضوا مآسيهم بماض تخيلوه عصرا ذهبيا.

نتساءل، ونستلهم عبر الانكسارات، ونستلهم انتفاضات الجماهير بدايات العقد الفائت. ألقيت عليها القاذورات لتشويه سمعتها كثورات أغرقت في الحال بثورات مضادة. الأنظمة الأبوية ملغمة بعملاء الليبرالية الجديدة الى جانب عملاء الاستخبارات المعادية. كان تفجر غضب الجماهير انتفاضات ضد الأنظمة، أشاعت لدى الشعوب العربية وعيا بلصوصية الأنظمة وسطوها المتواصل على المال العام، وبالنتيجة إهمال مصالح الجماهير. وعت الشعوب العربية اغتراب الأنظمة الأبوية عن مصالح شعوبها وارتباطها التبعي بالإمبريالية ودولة إسرائيل. ردت عليها في حال الأنظمة الأبوية ، واختلط الحابل بالنابل.

لكنها أرست في وعي الشعوب العربية تجربة في جدوى وضرورة النشاط المشترك للجماهير، باعتباره البديل الثوري. وكانت للشعب الفلسطيني انتفاضته الشعبية المضيعة بالعسكرة المفتعلة، وفرت الفرصة لضرب الانتفاضة بالسلاح. قرر"الكنيست" على أثرها منح الحق للجنود وللمستوطنين حمل السلاح واستعماله كلما شعر الواحد بخطر على جسده.. بات اصطياد الفلسطينيين هواية للجنود والمستوطنين لا يقدمون عنها الحساب.

تجربة الانتفاضات الشعبية العربية تخزن في الذاكرة، لتطفو من جديد ترشد طموحات الجماهير الفلسطينية الى التحرر والسيادة الوطني، ضمن حركة تحررية موحدة لشعوب المنطقة من شتى الأعراق والديانات والطوائف، تصفي الأنظمة الأبوية وتحدّث حياتها الاجتماعية والفكرية، في خضم النضال لتصفية سيطرة الامبريالية والصهيونية، وتغذ شعوب المنطقة مسيرتها نحو التحرر والديمقراطية والتنمية الاجتماعية.

سلاحنا أن نقاوم بالأمل، المنتعش بذكريات الماضي الثوري، هي المقاومة الكبرى التي ستصنع انعطافتنا عن درب التداعي. ليس لدى الشعب الفلسطيني ترف الإحباط او اليأس، فهو يفضي الى العبث. نعيش ما بعد اليأس، حيث تكمن بذور الحياة.