2020-11-28

سراب «النهايات» في «سباق المسافات الطويلة»

| سعود قبيلات

نهاية التاريخ؛ نهاية الأيديولوجيا؛ نهاية دور المثقَّف العضويّ؛ نهاية دولة الرعاية الاجتماعيَّة؛ نهاية عهد الاستقلال الوطنيّ.. الخ.

هذه صياغاتٌ لغويّةٌ حاسمة لنهاياتٍ كَثُرَ الحديثُ عنها في العقود الأخيرة. وبرأيي، فهي جميعاً نهايات زائفة، بل هي في أحسن الأحوال نهايات مأمولة مِن القائلين بها. ولقد وفَّر انهيار الاتِّحاد السوفييتيّ وحلفاؤه في أوروبَّا الشرقيَّة قدراً كبيراً من الضباب الذي ساعد على تغطية زيف تلك الادِّعاءات المتهافتة وسواها، وجعلها في أعين الكسالى فكريّاً (الذين يستسلمون بسهولة واستمتاع للتعميمات النمطيَّة الفارغة)، تظهر بمظهر الحقائق الثابتة.

لقد دُشِّن، هذا العصر «النهائويّ» في أوائل تسعينيَّات القرن الماضي؛ حيث أراد المستفيدون بانهيار الاتِّحاد السوفييتيّ تثبيت تلك «اللقطة» التاريخيّة الاستثنائيّة على شاشة التاريخ لأطول أمدٍ ممكن؛ فدقَّوا أوتاد «نهاياتهم» في أطرافها وجلسوا يحرسونها بكلّ الإمكانات الهائلة لماكينة البروباجندا المتوفِّرة لديهم، وبمختلف أنواع وسائل القوَّة الأخرى أيضاً.

ولقد كان أوَّل تلك الأوتاد هو ذاك الذي دقَّه منظِّر البنتاغون فرنسيس فوكوياما، بادِّعائه أنَّ مسيرة التاريخ قد تسمَّرتْ إلى الأبد على الجدار الواهي للحظة الهيمنة الليبراليَّة. وهنا، يبدو هتلر أكثر تواضعاً عندما تحدَّث في بداية عهده عن ألف عامٍ من السيطرة النازيَّة.

وبديهيّ أنَّ انتهاء التاريخ لا يكون إلا بانتهاء الصراع، وانتهاء الصراع لا يكون إلا بانتهاء أسبابه التي مِنْ أهمّها تناقض المصالح واتِّساع التفاوتات والانقسامات الاجتماعيَّة على مستوى كلّ دولة على حدة، وعلى مستوى النظام الرأسماليّ الدوليّ ككلّ.

فهل انتهتْ كلّ تلك الأسباب والعوامل المثيرة للصراع، لنقول بثقة إنَّ الصراع قد انتهى فعلاً في العالم؟

أوَّل مَنْ قال بفكرة انتهاء الصراع، في العصر الحديث، كان ميخائيل غورباتشوف في سياق كتابه الترويجيّ لسياسة البريسترويكا والغلاسنوست الذي صدر – كما أقدِّر – في العام 1988.

قال غورباتشوف، آنذاك، بأنَّ العصر الحاليّ هو عصر تبادل المصالح وليس عصر الصراعات. الأمر الذي أثار في حينه من الأسئلة أكثر ممَّا قدَّم من الإجابات؛ فهل يمكن للمصالح، فعليّاً، أنْ تتحاور وتتفاعل مِنْ دون أيّ مستوى من الصراع حتَّى لو بحدوده الدنيا؟ وهل انتهتْ الانقسامات والتفاوتات التي طالما أدَّتْ تاريخيّاً إلى الصراع؟ وهل كان الصراع يستند في السابق إلى سوءِ تقديرٍ فقط مِنْ بعض المتصارعين؟ أهمّ مِنْ ذلك، ونحن ننظر حولنا الآن، هل نرى أنَّ الصراع قد توقَّف، فعلاً، أم أنَّه ازداد ضراوة وبشاعة واتِّساعاً؟

بخلاف تلك الأفكار التي حاول غورباتشوف أنْ يسوِّقها، كان سمير أمين قد تنبأ، في أواخر ثمانينيّات القرن الماضي وأوائل تسعينيّاته، بأنَّ المرحلة التالية ستكون مرحلة فوضى عالميَّة؛ تشتدُّ فيها الصراعات في مختلف أنحاء العالم، ويزداد حجم (ومستوى) العنف والدمار والخراب والأوبئة والفقر والمجاعات والأزمات، ويلحق بالبيئة وبالطبيعة خراب كبير، ويزداد التفاوت الطبقيّ حدَّة.. على مستوى النظام الرأسماليّ الدوليّ ككلّ، وعلى مستوى كلّ بلد على حدة.

ولا أظنُّنا نحتاج هنا لأنْ نجهد أنفسنا لكي نقرِّر أيّ التنبؤين (تنبؤ غورباتشوف أم تنبؤ سمير أمين) هو الذي انطبق على الواقع اللاحق.

ومِنْ ناحية أخرى، فالادِّعاء بتوقّف التاريخ نهائيّاً في محطَّة الليبراليَّة المتوحِّشة يتجاهل حقيقة أنَّ الليبراليَّة المتوحِّشة، نفسها، سبق أنْ جرَّبت حظوظها طويلاً، خصوصاً خلال القرن الثامن عشر، وأنَّها في النهاية وصلتْ إلى طريقٍ مسدود وقادتْ العالم إلى أزماتٍ اقتصاديَّةٍ واجتماعيَّةٍ وسياسيَّةٍ هائلة وإلى حروب دوليَّة طاحنة وويلات ودمار، وأنَّ فكرة الاشتراكيَّة وُلِدَتْ، أساساً، مِنْ رحم ظلم الليبراليَّة المتوحِّشة وجورها، وكردٍّ عليها. وأنَّها (الليبراليَّة) اضطرَّتْ في النهاية لترشيد نفسها بهدف الحفاظ على النظام الرأسماليّ؛ حيث حلَّ محلّ طبعتها المتوحِّشة، في أوروبَّا الغربيَّة (بعد الحرب العالميَّة الثانية)، ما أسماه سمير أمين سياسات «التحالف الاشتراكيّ الديمقراطيّ»، القائمة على تحسين شروط العمل وأجوره، والتوسُّع في التأمينات الاجتماعيَّة، وتأميم قطاعات الخدمة العامَّة، وإعطاء دور كبير للنقابات العمّاليَّة. أمَّا في الولايات المتَّحدة وبريطانيا، فقد كانت «الكينزيَّة»[2] هي الوسيلة البديلة التي اتُّبِعتْ لمعالجة مشاكل الليبراليَّة المتوحِّشة. ومعروف أنَّ «الكينزيَّة» اعتمدتْ على تطبيق سياسات اقتصاديَّة اجتماعيَّة مشابهة كثيراُ، في خطوطها الأساسيَّة، لتلك التي اُتُّبعتْ في أوروبَّا الغربيَّة، ولكن مع فارق أنَّها لم تستند إلى قاعدة سياسيَّة اجتماعيَّة مشابهة لتلك التي اعتمد عليها تنفيذ سياسات «التحالف الاشتراكيّ الديمقراطيّ» في أوروبَّا الغربيَّة.

وفي ظلّ المنافسة التي كانت محتدمة مع الاتِّحاد السوفييتيّ وحلفائه، وأيضاً في ظلّ مواجهة المدّ الذي شهدته حركة الاستقلال الوطنيّ في العالم الثالث، دعم الغرب أيضاً وشجَّع، في ستينيَّات القرن الماضي وسبعينيَّاته، تطبيق سياسات شبه كينزيَّة في بعض بلدان العالم الثالث الموالية له. مثال ذلك، السياسات الاقتصاديّة الاجتماعيّة التي اُتُّبِعَتْ في الأردن في ستينيّات القرن الماضي وسبعينيّاته.

وما جرى، خلال العقود الأربعة الأخيرة، هو محاولة للعودة بالعالم كلّه إلى العهد القديم لليبراليَّة المتوحِّشة، ولكن مع الادِّعاء بأنَّ هذا عهد جديد ونظام جديد وبأنَّ الأفكار المصاحبة له هي أفكار جديدة ومبتكرة وأنَّها تتناسب مع روح العصر.. الخ.

فهل يمكن الآن إعادة عقارب الزمن فعلاً إلى الوراء (إلى القرن الثامن عشر وما قبله)، بالرغم مِنْ كلّ التطوُّرات التاريخيَّة المهمَّة التي مرَّ بها المجتمع البشريّ منذ ذاك؟

هل يمكن تجاوز ما تراكم من المعرفة العلميَّة والخبرة الإنسانيَّة؟

هل يمكن تجاهل الوعي الذي تراكم في مجال حقوق الإنسان (والمواطن) في مختلف أنحاء العالم طوال الفترة التي تراجع فيها نموذج الليبراليّة المتوحّشة؟

هل يمكن القفز فوق المكاسب التي حصل عليها البشر خلال تلك الفترة؟

وفي ظلّ هذه الظروف والتطوُّرات، هل يمكن لليبراليَّة (خصوصاً وهي مطروحة الآن بنفس صيغتها القديمة) أنْ تحقِّق ما لم تتمكَّن مِنْ تحقيقه في الماضي، وأنْ تتغلَّب على مشكلاتها التي لم تتمكَّن من التغلّب عليها في الماضي؟

تُمكِنُ المحاولة بالطبع، لكن النتيجة هي ما نشهده الآن مِنْ تفاقم الانقسامات الطبقيَّة على المستويات المحليَّة في كلّ بلد على حدة وعلى مستوى النظام الرأسماليّ الدوليّ ككلّ.. بصورة غير مسبوقة؛ الأمر الذي قاد بالنتيجة إلى اشتداد حدَّة الصراع الطبقيّ على نحوٍ غير مسبوق أيضاً. وتبع ذلك، كضرورة موضوعيّة، بدء ظهور موجة جديدة من الحركات والمشاريع الاجتماعيَّة والديمقراطيَّة البديلة.

لقد استجابتْ أمم العالم وشعوبه للتحوّلات الكبرى التي تتابعتْ خلال العقود الماضية، كلٌّ منها بطريقته وبما ينسجم مع ظروفه ومصالحه. واستطاع كثيرٌ منها أنْ ينجح في هذا الامتحان الصعب، بينما أخفق البعض الآخر وأصابه الدمار وتمزَّق أشلاءً.

أمَّا نحن، في العالم العربيّ، فقد لحق بنا نصيبٌ كبير من الويلات والمصائب التي لا نزال نكابدها، إلا أنَّنا لا نزال مع الأسف نتلمَّس رؤوسنا مِنْ هول الصدمة وقوَّة الضربة التي تلقّيناها، ولم ننتقل بعد إلى مستوى ردّ الفعل الإيجابيّ الملائم.

وقد سبق لسمير أمين أنْ حذَر في وقتٍ مبكِّر مِنْ أنَّنا في الواقع ننخرط في عمليَّة انتحار تاريخيّ، قد تقودنا إلى الخروج تماماً من التاريخ.. إذا ما استمررنا في مواجهة التحدّيات التاريخيّة الكبرى بردّ فعلٍ ماضويّ («نكوصيّ».. بحسب مفاهيم علم النفس) لا يرقى إلى مستوى المواجهة المفروضة علينا، بل يكرِّس الحالة الطرفيَّة الهامشيَّة التي طال عيشنا في إطارها والتي تريدنا المراكز الرأسماليَّة الغربيَّة أنْ نبقى في إطارها. فالأيديولوجيا الماضويَّة بأشكالها المختلفة توفِّر للحالة الطرفيَّة الهامشيَّة غطاءً قيميّاً وأيديولوجيّاً محليّاً (حتَّى إنْ كان زائفاً)، وتساهم في تثبيت ردود الفعل الشعبيَّة على التحدِّيات الكبرى عند المستوى السلبيّ الارتكاسيّ، كما أنَّها تُعدُّ سلاحاً فعَّالاً في مواجهة المشاريع والطموحات النهضويَّة التحرُّريَّة الحقيقيَّة.

وعدا عن ذلك فهي تتيح للغرب أنْ يعتِّم على حقيقة الاستقطاب الحادّ في النظام الرأسماليّ الدوليّ ما بين مراكز تنعم بالنصيب الأكبر من السلطة والثروة والرفاهية وبين هوامش وأطرف تعاني من الفقر والاستغلال والاضطهاد، ليتحدَّث بدلاً من ذلك عن الانقسام، وفق معادلة التخلّف والتقدّم، كما لو أنَّه حالة قدريَّة لا علاقة لها بطبيعة النظام الرأسماليّ الدوليّ؛ ويتحدَّث عن الصراع بين الحضارات (وفق منظِّر البنتاغون الآخر، هنتنجتون)؛ كأنَّه توجد في العالم الآن حضارات أخرى سوى الحضارة الرأسماليّة!

ثمَّ نأتي إلى الحديث عن «نهاية الأيديولوجيا»، الذي شاع أيضاً في العقود الأخيرة. والملفت أنَّ مَنْ يتحدَّثون عن ذلك هم أنفسهم مَنْ يتبنّون في العادة أيديولوجيَّات متزمِّتة جدّاً؛ مثل «الليبراليَّة الجديدة»؛ حيث تصل مفاهيم حريَّة السوق والخصخصة لديهم إلى مستوى العقيدة الدينيَّة التي لا تقبل التشكيك أو المناقشة.

ويقف، إلى جانب هؤلاء، في القول بانتهاء الأيديولوجيا أيضاً، بعض أصحاب العقائد الماضويَّة التي يجري أصحابها في المسائل الدنيويَّة «العصريَّة» في مجرى الليبراليَّة المتوحِّشة نفسه.

وهذا أسلوبٌ في الخصومة يفتقر، برأيي، إلى النزاهة؛ فهم في الواقع يتستَّرون على أيديولوجيَّاتهم ثمَّ يقدِّمونها على أنَّها حقائق عابرة للتاريخ وتسمو على الواقع؛ وأمّا ما يستند إليه خصومهم، من المفاهيم والأفكار، فهو برأيهم أيديولوجيَّات باطلة وبائدة!

وفي هذا السياق نفسه، ظهرتْ «الأفكار» التي تتحدَّث عن ثقافة بلا ناظم أيديولوجيّ، ولو حتَّى خفيّ، وعن أدب يخلو تماماً وبكلّ الصور من التأثيرات الأيديولوجيَّة. بل وأكثر مِنْ ذلك (وهذه مفارقة كبرى)، تحدَّثوا عن أحزاب منزوعة الأيديولوجيا (دايت)!

فهل يمكن، حقّاً، الحديث عن ثقافة بذاتها ولذاتها؟ ثقافة غير منحازة وغير مرتبطة بواقع معيَّن ولا تخدم مصالح معيَّنة ولا تسترشد بمنظومة فكريَّة معيَّنة؟

ما الغرض منها إذاً.. خصوصاً وأنَّ منتجاتها ستكون، في هذه الحالة، أشبه بآثار رجل يتخبَّط في الظلام؟

وأمّا الأدب، فإنَّه إذا انفصل عن الواقع سيكون أشبه بمعادلات رياضيَّة مجرَّدة؟

وحتَّى المعادلات الرياضيَّة لا معنى لها ولا قيمة إذا هي لم ترتبط بما يعادلها في الواقع، أو إذا هي لم تعبِّر عن قيم حقيقيَّة ملموسة.

والأدب أيضاً لا يمكن له أنْ يتجرّد من المصالح والأهواء وما يرتبط بهذه وتلك من اتِّجاهات وتصوُّرات وأفكار.

ثمّ لماذا يكتب الكاتب وينشر ما يكتب إذا كان لا يريد أنْ يقول شيئاً للآخرين أو إذا كان لا يريد أنْ يوصل رسالة ما لهم؟

وفي موضوع «نهاية الأيديولوجيا» أو «موت الأيديولوجيا»، فإنَّ الأكثر غرابة، حقّاً، هو كلامهم عن حزب بلا أيديولوجيا ودعوتهم – بدلاً مِنْ ذلك – إلى ما يسمّونه «الحزب البرامجيّ»!

ياله من اكتشافٍ عبقريّ!

فهل يوجد حزب جديّ، أصلاً، مِنْ دون برنامج؟

ولكن كيف يختار هذا «الحزب البرامجيّ» برنامجه؟

ولماذا يركِّز فيه على موضوعات معيَّنة دون سواها؟

وإلى ماذا يستند عند تحديده الأسلوب الذي ينوي استخدامه لتحقيق هذا البرنامج؟

ولماذا يختار حلّ المشاكل المطروحة بهذا الطريقة وليس بسواها من الطرق؟

وما هي المصالح التي يريد تحقيقها مِنْ خلال برنامجه ذاك؟ وما هي الفئات أو الطبقات أو الشرائح التي ستستفيد بذلك؟

في الواقع إنَّ مَنْ يطرح مثل هذه الفكرة المتهافتة ينطلق بالأساس مِنْ توهُّمه بأنَّ الآخرين على درجة كبيرة من الغفلة والسذاجة، وأنَّه بهذا الأسلوب المغمغم الملتوي يستطيع أنْ يوهم أوسع نطاق من الفئات والشرائح والطبقات باستعداده للعمل مِنْ أجل مصالحها جميعاً ودفعةً واحدة، رغم ما بين مصالحها من اختلافات وتناقضات. وهذا يذكِّر بالشعار الذي طرحه أحد المرشّحين لانتخابات مجلس النوّاب في الأردنّ في أواسط ثمانينيّات القرن الماضي: «حِبّ الكلّ تحظى بالكلّ

نأتي، بعد ذلك، إلى الزعم بانتهاء دور المثقَّف العضويّ. وأصحاب هذه الفكرة يستندون في فكرتهم، بالأساس، صراحة أو ضمناً، إلى مزاعم انتهاء زمن الأيديولوجيا وانتهاء الصراع وانتهاء التناقضات والانقسامات الاجتماعيَّة والفكريَّة وانتهاء القضايا والطموحات الوطنيَّة والإنسانيَّة، ليخلصوا مِنْ ذلك إلى انتهاء الحاجة إلى وجود المثقَّف العضويّ وانتهاء الظروف التي تولِّدُ المثقَّف العضويّ. وقد أوضحنا في السطور السابقة حقيقة تهافت تلك المزاعم كلّها، ولا نريد أنْ نكرِّر ذلك هنا أيضاً. والخلاصة هي أنَّه لا يزال هناك دور حقيقيّ، وكبير، مرصود للمثقَّف العضويّ لكي يساهم في صياغة المعادلة الصحيحة للخروج مِنْ المأزق العامّ الذي نعيشه.

لا أذكر، أهو بريخت أم سواه مَنْ قال: ما أتعس الوطن الذي يحتاج إلى أبطال!

بيد أنَّ هذا ينطبق الآن تماماً على استمرار الحاجة إلى دور المثقَّف العضويّ

أمَّا الزعم المتعلِّق بنهاية زمن دولة الرعاية الاجتماعيَّة، فالردّ عليه يأتي، مِنْ جهة، مِنْ تردِّي الأوضاع الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والصحيَّة والثقافيَّة والبيئيَّة.. الخ، في مختلف أنحاء العالم التي غابت دولة الرعاية الاجتماعيّة عنها؛ ويأتي، مِنْ جهة أخرى، مِنْ خلال تجارب دولة الرعاية الاجتماعيَّة الجديدة التي تنهض الآن بصورة ديمقراطيَّة حقيقيَّة في أميركا اللاتينيَّة وتحقِّق نجاحاتٍ ملفتةً على صعيد تحسين حياة الناس وعلى صعيد إشراكهم في تحمُّل المسؤوليَّة السياسيَّة.

وهو اتِّجاه يتعاكس على طول الخط مع اتِّجاه مسيرة الليبراليَّة الجديدة ومفاهيمها ومنطلقاتها وبرامجها ونتائجها، كما أنَّه يبعث الحياة مِنْ جديد في أوصال مطلب الاستقلال الوطنيّ الحقيقيّ الذي يتطلَّب أيضاً أعلى مستوى من التقارب وتوثيق العلاقات وتبادل المصالح والتعاون العادل والمتساوي بين الدول والشعوب المختلفة، وخصوصاً في الأطراف.

وإذاً، ففي ظلّ استمرار الحديث عن تلك النهايات المزيَّفة (المأمولة مِن القائلين بها)، ينفتح الباب واسعاً الآن أمام بدايات حقيقيَّة.. إنسانيَّة ديمقراطيَّة اجتماعيَّة جديدة. وهذه البدايات، بالذات، هي ما يحاول الآن «أصحاب النهايات الحاسمة ومحبّوها» أنْ يشكِّكوا بها ويقلِّلوا مِنْ شأنها ويسدّوا الأبواب في وجهها بعوائق «نهاياتهم» المصطنعة.

هوامش:

 [1] عنوان المقال يستند على الاستعارة مِنْ عنوانيْ روايتيْ عبد الرحمن منيف الشهيرتين: «النهايات» و«سباق المسافات الطويلة». وتجدر الإشارة، هنا، إلى أنَّه في «سباق المسافات الطويلة» استخدم منيف أسلوب التعتيم على الأماكن الحقيقيّة لأحداث الرواية والأسماء الحقيقيّة لشخوصها ليتناول بالإجمال وبعمق تجربة حكومة سليمان النابلسيّ النيابيّة في الأردن، وتجربة حكومة محمّد مصدّق النيابيّة في إيران، ودور الاستعمار البريطانيّ والأميركيّ في الانقلاب على هاتين الحكومتين الوطنيَّتين الديمقراطيَّتين. اكتفى الكاتب بذكر اسم بيروت في روايته كمكان مزدهر آنذاك بمختلف أصناف التجسّس وجنسيّاته، وما عدا ذلك تحدّث عن شرق المتوسّط مِنْ دون تحديد الأماكن الحقيقيّة فيه. وقد اعتمد عبد الرحمن منيف في بناء روايته المهمّة والممتعة والعميقة، تلك، على الوثائق البريطانيّة.

[2] نسبة إلى جون ماينارد كينز (1883 – 1946)، كاتب ومفكِّر اقتصاديّ بريطانيّ له شهرة عالميّة واسعة، وهو منظِّر «الليبراليّة الاجتماعيّة»، ومؤسّس «الاقتصاد الكلّيّ الكينزي». وقد تركت أفكاره تأثيراً كبيراً في العديد مِنْ بلدان العالم، وخصوصاً في بريطانيا والولايات المتّحدة والبلدان الأخرى التابعة لهما. بدأ التراجع عن تطبيق أفكاره في بريطانيا والولايات المتّحدة، في أوائل ثمانينيّات القرن الماضي.. في عهديْ رئيسة الوزراء البريطانيّة مارغريت تاتشر والرئيس الأميركيّ رونالد ريغان اللذين اختطّا طريق العودة إلى الليبراليّة المتوحِّشة.. ليبراليّة القرن الثامن عشر.